المشهد السوري.. قراءة في الواقع وآفاق المرحلة المقبلة – مسؤولة المكتب التنظيمي لمجلس المرأة السورية مكية حسو

المشهد السوري.. قراءة في الواقع وآفاق المرحلة المقبلة

تعرّضت الإدارة الذاتية لحملة إعلامية ونفسية واسعة

تهدف إلى تقويض دورها السياسي، وطعن مصداقية مؤتمر الحسكة،

واتهامها بالتنصّل من اتفاقية 10 آذار. اعتمدت هذه الحملة على خطاب الكراهية والتحريض،

وتشويه الحقائق بهدف تصغير أهمية مؤتمر الحسكة

والتغطية على المجازر التي وقعت في السويداء،

 فضلاً عن تأويل بنود اتفاقية 10 آذار بما يتوافق مع مصالح أطراف معيّنة.”

 

 

مكية حسو – مكتب التنظيم لمجلس المرأة السورية

 

شهدت الساحة السورية خلال الشهر المنصرم تطورات لافتة، كان أبرزها المجزرة التي وقعت في السويداء والتي تصدّرت واجهة المشهد السوري. في موازاة ذلك برزت المفاوضات الجارية بين الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا وسلطة دمشق المؤقّتة وفق صيغة اتفاقية 10 آذار كإحدى أهم محطّات الحراك السياسي. وقد ألقى مؤتمر الحسكة الأخير بظلاله الإيجابية، حيث عكس ملامح أوليّة لإمكانية بلورة رؤية سورية بديلة، رؤية تقوم على أسس الوحدة والتنوّع والشمولية.

لكن في المقابل، استمرّت الانتهاكات في بقيّة المناطق السورية، دون أي تحوّلٍ ملموس في سلوك السلطة ذات الطابع السلفي- الجهادي في دمشق. فرغم التصريحات المرنة التي تصدر عن هذه السلطة بين حين وآخر، إلا أنّ الوقائع على الأرض تفضح زيف تلك الخطابات، وتؤكّد استمرار السياسات الإقصائية. هذا الواقع يعمّق مناخ الانقسام والتأزّم، ويغذّي خطاب الكراهية على حساب الخطاب الوطني الجامع، الأمر الذي يهدد فرص أي تسوية حقيقية في البلاد.

نجاح إسرائيل في فرض إيقاعها

 

على صعيد القوى الدولية والإقليمية، برزت مواقف متباينة إزاء التطورات الأخيرة في السويداء، ومؤتمر الحسكة، ومسار التفاوض بين الإدارة الذاتية وسلطة دمشق المؤقّتة. وقد كان لافتاً أنّ إسرائيل سارعت إلى استثمار مجزرة السويداء بما يخدم استراتيجيتها الأمنية في الجنوب السوري.

تتحرك إسرائيل اليوم على جبهتين متوازيتين في الملف السوري:

الجبهة الأولى: الضغط على سلطة دمشق لدفعها نحو الانخراط في مسار الاتفاقيات الإبراهيمية. هذا المسار في حال فرضه سيؤدي إلى تطبيعٍ علني مع إسرائيل، ويعزز من حضورها الإقليمي ويمنحها غطاءً شرعياً لسياساتها الأمنية في المنطقة. اللقاءات التي جرت مؤخراً في باريس بين ممثلين عن دمشق وأطراف إسرائيلية، تُشير إلى وجود قناة مفتوحة بهذا الاتجاه رغم الخطاب العلني المتحفّظ من جانب دمشق.

الجبهة الثانية: توظيف ملف الأقليات، ولا سيّما الطائفة الدرزية، كورقة ضغطٍ وشرعنة لتحركاتها. إسرائيل تحاول تقديم نفسها كمدافعٍ رسمي عن الدروز في سوريا، وتسعى إلى تحويل الجنوب السوري إلى منطقة عازلة منزوعة السلاح خالية من أي تهديدات محتملة، سواء من المجموعات الموالية لإيران أو من التنظيمات الجهادية. هذا المشروع يتكامل مع رؤيتها الأمنية بعيدة المدى، ويؤسس لوضع خاص للجنوب السوري يعزل دمشق عن حدودها مع الجولان المحتل.

بهذا المعنى فإنّ إسرائيل تمسك بخيوط متعددة في الملف السوري، فهي من جهةٍ تفتح قنواتٍ مع سلطة دمشق بهدف فرض شروط التطبيع وفق الصيغة الإبراهيمية، ومن جهة أخرى تستغل المأساة الإنسانية في السويداء لتمرير أجندتها الأمنية والسياسية، بما يضمن لها تعميق هيمنتها واستدامة نفوذها على مستوى الإقليم.

خلفية مجزرة السويداء

لكن ماذا جرى تحديداً في مجزرة السويداء إذا ما نظرنا إليها من زاوية إقليمية؟

من الواضح أنّ بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها تركيا وبعض دول الخليج سعت إلى توظيف الحدث ضمن صراعها الأوسع مع إسرائيل. فبعد الانكفاء الإيراني النسبي نتيجة الضربات المتكررة التي طالت حلفاء طهران في المنطقة، ومع تراجع أدوار كل من “حزب الله” وحركة “حماس”، برز فراغٌ استراتيجي حاولت هذه القوى ملأه، غير أنّ أدواتها لم تكن جديدة، بل استندت مجدداً إلى الورقة الجهادية السورية لإعادة إنتاج تهديد على الحدود الإسرائيلية، خصوصاً في الجنوب السوري.

في هذا السياق يبرز دور سلطة أحمد الشرع، ذلك بوصفها أحد الواجهات التي يمكن من خلالها إعادة تدوير الجماعات السلفية – الجهادية. الهدف هنا مزدوج:

  • ابتزاز إسرائيل عبر خلق بؤر توتر قريبة من الجولان.
  • تعزيز أوراق تفاوضية في مواجهة الشروط الإسرائيلية الجديدة التي تسعى إلى إعادة رسم التوازنات الإقليمية، من خلال الاتفاقيات الإبراهيمية ومنطق التطبيع الأمني والسياسي.

من هنا؛ يمكن فهم الرفض المتكرر لأي صيغة لا مركزية أو أي خطوة تهدف إلى إضعاف سلطة دمشق المركزية. فتركيا والخليج ينطلقان من تصوّر أيديولوجي واضح لشكل الدولة السورية المقبلة، والذي يقوم على:

  • مركزية شديدة للسلطة.
  • غطاء أيديولوجي سلفي – عروبي ينسجم مع بنيتهم الدولتية الحالية.
  • رفض أي نموذج تعددي أو اتحادي قد يشكل سابقة خطيرة تهدد كياناتهم ذات الطابع القومي الأحادي.

عليه؛ فإنّ دعم هذه القوى لسلطة دمشق في مواجهة مطالب السويداء لا يمكن قراءته فقط من زاوية الحفاظ على “الدولة المركزية”، بل أيضاً كجزءٍ من محاولةٍ لوضع ألغامٍ جديدة في طريق المشروع الإسرائيلي. فالمطلوب كان خلق عراقيل أمام إسرائيل، ومنعها من فرض استراتيجيتها الكاملة في إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية التي يطرحها اليمين الإسرائيلي المتشدد.

لكن وبحسب الوقائع، استطاعت إسرائيل أن تقلب الطاولة على هذه القوى، إذ استثمرت المجزرة سياسياً وأمنياً، وحوّلت المأساة إلى فرصة لتعزيز حضورها المباشر في الملف السوري، خاصة عبر مدخل السويداء. هكذا بدا واضحاً أنّ إسرائيل نجحت في فرض إيقاعها على المشهد، وأعادت تثبيت نفسها كفاعلٍ أساسي لا يمكن تجاوزه في رسم مستقبل سوريا والمنطقة عموماً.

مجلس وقرار إدانة دمشق

على المستوى الدولي دعت الصين إلى عقد اجتماعٍ لمجلس الأمن بخصوص مجزرة السويداء، وهي الدولة التي وقفت وراء إصدار بيان الإدانة لسلطة دمشق وفتح ملف التحقيق المستقل من قبل الأمم المتحدة. هذا التحرّك فرض ضغوطاً على الدول الغربية لإعادة النظر جزئياً في مواقفها حيال دمشق، مع تشديدها على ضرورة احترام الحقوق وعدم ممارسة الانتهاكات ضد المكونات السورية، سواء كانت أفراداً أم جماعات.

عمليّاً؛ تبحث القوى الغربية عن تحقيق استقرارٍ نسبي ولو مؤقت عبر سلطة دمشق، ويجري غالباً تركيز جهود المبعوث الدولي توم براك والدبلوماسية الأوروبية على تعزيز المشاركة السياسية والحدّ من سلوك التوحّش الذي تمارسه السلطة. إلا أنّ هذه الجهود لم تتجاوز بعد إطار إدارة الأزمة، دون الانطلاق من رؤيةٍ واضحة نحو البحث عن بديلٍ جذري للنظام القائم.

يبدو أنّ هذه السياسة تستند إلى تصوّر دولي يقوم على تعويم الجهادية السلفية ضمن مفهوم السيادة القومية، بهدف نزع فتيل الجهادية العالمية، وتحويل السلطة السورية إلى مصدر معلومات للقضاء على ما تبقى من النزعة الجهادية الدولية داخل سوريا وخارجها. كما يتضمّن هذا التوجّه مسايرة دمشق لضمان فرض اتفاقية السلام وفق مصالح إسرائيل، وهو ما يتقاطع مع أهداف إسرائيل ودول الخليج وتركيا.

من هذا المنظور، هناك تفاهمٌ دولي ضمني على تثبيت سلطة أحمد الشرع، بغض النظر عن حدّة الانتهاكات والمجازر المستمرة. مع ذلك؛ فإنّ مقاومة أهالي السويداء تطرح مجدداً مسألة تعزيز نظام سياسي وإداري لامركزي على الساحة السورية، وتُعيد فتح النقاش حول ضرورة البحث عن بدائل حقيقية للهيمنة المركزية القائمة.

مؤتمر الحسكة كفرصة بديلة

وفق هذه الرؤية؛ مثّل مؤتمر الحسكة نقطة فاصلة في المشهد السوري، إذ كسر السياسات المفروضة على البلاد، وتزامن مع مطالب الدروز، وأرسل رسالةً واضحة للداخل والخارج على حدٍّ سواء. فقد قدّم المؤتمر رؤية مختلفة وجذرية عن سلطة دمشق الأحادية والإقصائية، ما شكّل نقطة جذب للفئات السورية المهمّشة، بما في ذلك النساء والشباب والليبراليين والعلمانيين والمسلمين السنة المعتدليين، بالإضافة إلى المكونات الثقافية والدينية مثل الدروز والعلويين والعشائر العربية في الجزيرة السورية والرقة ودير الزور. كما أرسل للمجتمع الدولي رسالةً مفادها أنّ هناك بدائل حقيقية لسلطة الأمر الواقع في دمشق، وهو ما قد يخلط أوراق القوى الخارجية التي كانت تعمل تحت سقف سلطة دمشق القائمة.

على ضوء ذلك؛ حاولت تركيا وبعض الدول الخليجية والغربية إعادة فرض خارطة طريق تخدم مصالحهم، والتي تقوم أساساً على العمل مع سلطة أحمد الشرع. إلا أنّ مؤتمر الحسكة أبرز أنّ هناك خيارات سياسية مختلفة وقدرات محلية فعلية، فتكاتفت القوى السورية الباحثة عن الأمل للخلاص من هيمنة دمشق الأحادية، معتبرةً المؤتمر فرصةً جديّة لإعادة بناء الدولة السورية وفق صيغة لامركزية تحترم التنوع الثقافي والديني.

موقف شمال شرقي سوريا

يبدو أنّ موقف الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا مثّل حلقة موازنة بين الرؤية الإقليمية والدولية، وبين تطلّعات المكونات السورية المهمّشة المتعطشة لخيارات بديلة. في هذا السياق حاولت بعض الأطراف الدولية وعلى رأسها فرنسا، إعادة إحياء مسار التفاوض في باريس حول اتفاقية 10 آذار. الموقف الغربي اتّسم بالطابع الاحتوائي من حيث المبدأ، رغم إدراكه صعوبة التفاهم بين الإدارة الذاتية ودمشق.

لكن عملياً؛ عملت تركيا عبر هاكان فيدان على عرقلة هذا المسار، وفرضت صيغةً أقرب إلى التسليم الكامل، من خلال الضغط على قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لإخضاعها لسلطة دمشق، تحت ذريعة نزع السلاح واتهامها بالتواطؤ مع إسرائيل. ووفق تقييم المفكر عبد الله أوجلان، يُمثّل فيدان الخط الذي يُعرقل السلام والحوار الجاد مع الكرد، ويستخدم الساحة السورية كاختبار لتنفيذ مآربه من خلال سياسة التهديد والابتزاز، عبر فرض اندماج قسد في إطار الدولة السورية وفق شروط تركيا الإقليمية.

في الواقع تعرّضت الإدارة الذاتية لحملة إعلامية ونفسية واسعة تهدف إلى تقويض دورها السياسي، وطعن مصداقية مؤتمر الحسكة، واتهامها بالتنصّل من اتفاقية 10 آذار. اعتمدت هذه الحملة على خطاب الكراهية والتحريض، وتشويه الحقائق بهدف تصغير أهمية مؤتمر الحسكة والتغطية على المجازر التي وقعت في السويداء، فضلاً عن تأويل بنود اتفاقية 10 آذار بما يتوافق مع مصالح أطراف معيّنة.

من خلال متابعة هذه الحملات المنظّمة سواء على الصعيد الإعلامي أو الدبلوماسي، يمكن استنتاج رسالة واضحة وهي أنّه لا يمكن لأحدٍ ممارسة الحق في التنظيم السياسي أو العمل الجماعي من أجل لحمة الشعب السوري، إلا تحت سقف سلطة الجولاني فقط، وكل من يسعى للعمل السياسي المستقل يجب أن يخضع لهذا الإطار.

على المستوى العملي أدّت هذه الحملات إلى ارتباكٍ نسبي داخل الإدارة الذاتية، خصوصاً فيما يتعلّق بتأويل بنود اتفاقية 10 آذار وفكرة الاندماج. هذا الواقع يبرز التحدّي المزدوج الذي تواجهه الإدارة الذاتية والمتمثّل بالمحافظة على وحدتها التنظيمية ومشروعها السياسي، وفي الوقت نفسه مقاومة محاولات إقصائها عن صياغة مستقبل سوريا السياسي تحت ضغط الحملات الإعلامية والدبلوماسية الداخلية والخارجية.

مسار اتفاقية 10 آذار

 

 أبرز مصادر الارتباك الحالية تكمن في تفاصيل بنود اتفاقية 10 آذار، والتي يقتصر التركيز فيها غالباً على البعدين المتعلقين بالاندماج وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). بينما يشترط البند الأول إقامة دولة المواطنة، ينص البند الثاني على حلّ القضية الكردية دستورياً، بالإضافة إلى مسألة عودة السكان إلى مناطقهم وتنفيذ المصالحة الوطنية، أي تحقيق السلام. إلا أنّ هذه البنود الأساسية غابت عن مجريات النقاش، وتنصّلت سلطة دمشق من الالتزام بها. يتّضح أنّ مسار التفاوض مع دمشق مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتطورات الإقليمية، وخصوصاً في تركيا. فكلّما تقدّمت خيارات السلام التركية، تحسّنت فرص إدارة ملف التفاوض السوري، بينما أي تراجع أو تصعيد في تركيا ينعكس سلباً على موقع الأطراف السورية في الحوار مع دمشق. هذا الوضع يتأثّر أيضاً بالتناقضات الداخلية في تركيا بين أجنحة السلطة والدولة والحكومة، ما يجعل مقاربتها لدمشق غير متّسقة ومتحركة حسب مصالح كل جناح.

بناءً على ذلك لم تعُد مواقف سلطة أحمد الشرع محصورة به وحده، بل أصبحت الدوائر الدبلوماسية والاستخباراتية التركية في دمشق تلعب دوراً حاسماً في صياغة خياراته خلال التفاوض، كما تجلّى في الموقف الأخير لهاكان فيدان. مع ذلك يستمر المسار التركي رسمياً بعد تشكيل اللجنة البرلمانية التي ستعقد جلساتها في أكتوبر، لكنّه يظل مرهوناً بالتحولات الداخلية والخارجية التي تؤثر على شروط التفاوض.

على الصعيد الدولي والإقليمي فإنّ سوريا تُدار ضمن رؤية تركّز على تحقيق الاستقرار بأي شكل، ويُنظر إلى اتفاقية 10 آذار كأداةٍ ضمن هذا الإطار. في الوقت نفسه تميل القوى الدولية والإقليمية إلى دعم مركزية الدولة السورية وفرض عملية الاندماج، مع إبقاء أي مشروعٍ سياسي لامركزي أو بدائل محلية تحت ضغط مباشر. يضاف إلى ذلك التنسيق المكثّف لمكافحة الإرهاب وحماية المصالح الإسرائيلية الحيوية في سوريا، ما يجعل أي خيارٍ تفاوضي مستقل محلياً محدوداً ويخضع لسطوة الفاعلين الإقليميين والدوليين.

من هذا المنظور يظهر التوتر المستمر بين مصلحة الأطراف الإقليمية والدولية، ومصالح الفاعلين السوريين المحليين، حيث تُفرض خياراتٌ محددة على الحوار مع دمشق، في حين تبقى الرغبة في نماذج سياسية لامركزية ومبادرات محلية قائمة، لكنّها تواجه قيوداً صارمة ضمن هذا المشهد المعقّد والمتشابك.

الموقف الأمريكي

تبعاً لذلك؛ يبدو أنّ الموقف الأمريكي لا يزال متأرجحاً بين مسارات متناقضة، فمن جهةٍ يستمر الدعم العسكري لقوات سوريا الديمقراطية عبر المؤسسة العسكرية الأمريكية “البنتاغون”، ما يتيح للإدارة الذاتية الاحتفاظ بقدرتها الدفاعية وفرض وجودها الميداني والسياسي في شمال شرقي سوريا، ومن جهةٍ أخرى تتخذ الولايات المتحدة مقاربةً دبلوماسية وسياسية منحازة لدمشق من خلال جهود السفير توم باراك، وهو ما يعكس رغبة واشنطن في الحفاظ على قنوات التواصل مع السلطة السورية، وضمان عدم تفاقم الأزمات الإقليمية.

بالإضافة إلى ذلك أعاد عدم رفع العقوبات على دمشق من قبل واشنطن، لتخفيف الضغوط على الإدارة الذاتية، وجعل خيارات أحمد الشرع محدودة بشكل ملحوظ، ما وضعه في سياق محكوم بالمعادلة الإقليمية والدولية. مع ذلك يُشكّل هذا الواقع ورقة قوة محتملة لشمال شرقي سوريا، إذ يمكن من خلالها إعادة ترتيب الأوراق السياسية والاستراتيجية، والحفاظ على موقف تفاوضي متين دون تقديم تنازلاتٍ تحت وطأة الضغوط التركية أو محاولات فرض سيطرة دمشق الكاملة.

من هذا المنظور يبرز التوازن الدقيق الذي تسعى الإدارة الذاتية للحفاظ عليه بين الدعم العسكري الأمريكي والضغط الدبلوماسي والسياسي، ما يعكس قدرتها على المناورة ضمن مسارٍ معقّد يجمع بين المصالح الأمريكية والإقليمية والداخلية.

أهم التوصيات المقترحة للشهرين القادمين

على ضوء هذه المعطيات ينصح مجلس المرأة السورية بالتحرّك وفق ثلاث مسارات رئيسية على النحو التالي:

أولاً- إعادة تأكيد حضور المرأة في العملية السياسية الانتقالية:

  • العمل على زيادة تمثيل النساء في أي مفاوضات أو لجان سياسية محلية ووطنية.
  • تنظيم ورش عمل ومؤتمرات، لتسليط الضوء على قضايا المرأة ودمجها في جدول أعمال العملية الانتقالية، وضرورة تحمّل المسؤولية التاريخية ليصبح شمال شرقي سوريا منبراً لصوت المرأة السورية.
  • تطوير خطّة إعلامية واضحة لتسليط الضوء على دور المرأة في بناء الدولة السورية المستقرّة، بحيث يصبح صوتها مرئياً وفعّالاً في صوغ السياسات.

ثانياً – تعزيز الروابط مع الداخل السوري:

  • إنشاء شبكة تواصل مباشرة مع النساء والفئات النسوية في مختلف المناطق السورية، بما في ذلك المحافظات التي تشهد نزاعات أو تهميشاً سياسياً ( الساحل والسويداء ودمشق على وجه الخصوص).
  • إطلاق برامج مشتركة للتدريب والدعم القانوني والمشاركة المدنية بهدف تعزيز الدور الاجتماعي والسياسي للمرأة. كما يُنصح بدراسة ومراجعة مانيفستو القائد الأممي عبد الله أوجلان المرتبط بالتقرير السياسي الشامل، للاستفادة من رؤاه في صياغة استراتيجيات فعّالة للتمكين النسوي والمشاركة السياسية.
  • تطوير منصّات تفاعلية (رقمية وحضورية)، تتيح مشاركة النساء في صنع القرار، ومتابعة تطورات العملية السياسية سواء في الداخل السوري أو خارجها.
  • التوثيق والمراقبة: العمل على توثيق الانتهاكات اليومية في عموم سوريا، مع التركيز على المجازر وفضحها علنياً وإبراز الانتهاكات المروّعة بحق النساء لا سيّما في مناطق الدروز والساحل السوري، ذلك لضمان سجل شامل وموثّق للحالة الحقوقية.
  • إحالة الملفّات للجهات الدولية: تجميع هذه الملفّات بالتعاون مع المنظّمات الحقوقية المحلية والدولية، وإحالتها إلى الجهات الدولية المختصّة واللجان الحقوقية العاملة على الساحة السورية، إضافة إلى إيصالها إلى السفارات والجهات الخارجية المعنية لتعزيز الضغط الدولي والمساءلة.
  • توفير الملاذ والتمكين في شمال شرقي سوريا: على شمال شرقي سوريا أن يوفّر ملاذاً آمناً للنساء المضطهدات من جميع أنحاء البلاد، ويُشجّع الناشطات والعاملات في الشأن العام على الاستقرار والمشاركة الفعّالة في المنطقة، بما يعزز دور المرأة الاجتماعي والسياسي ويتيح لها مساحة حقيقية للتمكين والمناصرة.

ثالثاً – إعادة تموضعها في شمال شرقي سوريا كمنصة شاملة للبعد النسوي:

  • تأسيس أو تعزيز مركز نسوي، يعمل كمنصةٍ تجمع النساء من مختلف المكونات العرقية والدينية والثقافية.
  • دعم برامج تمكين النساء في الشمال الشرقي، بما يشمل التعليم، المشاركة الاقتصادية، والسياسة المحلية.
  • ربط هذه المنصّة مع المؤسسات المحلية والدولية، لتكون قناة حقيقية للتأثير والمناصرة على صعيد السياسات العامة، بحيث يعكس شمال شرقي سوريا نموذجاً حيّاً للتمكين النسوي الشامل.
  • يتعيّن على مجلس المرأة السورية العمل على إعداد كوادر مؤهّلة لحماية النساء من العنف ولا سيّما في مخيمات اللجوء، بهدف الحدِّ من تعرضهنّ للاستغلال من قبل الشبكات التي تستغل اوضاعهن الهشّة.
  • إطلاق برامج توعوية تستهدف النساء خاصّة في المناطق الريفية.