بوحُ امرأة – د. ندى ملكاني

بوحُ امرأة

 

د. ندى ملكاني

 

بدأت خصلات الشيب تغزو شعري برفق، وأشعر أنّ أجمل لحظات عمري هي هذه، في الثلاثينيات، حيث النضج والجمال والقوة ورباطة الجأش، ووضوح الأهداف وثبات الخطوات باتجاهها. يقل البكاء ويكثر الصّمت الرزين قبل التعبير عن أي فكرة، ويزداد وزن الكلام قبل التفوّه به، ويتعمّق التفكير قبل إطلاق الأحكام النهائية على الأمور.

ليس صحيحًا أنّ المرأة شعورٌ فقط. هذه الفكرة راودتني حينما كنت أبتسم وأنظر إلى المرآة وأنا أمسك كتابًا يتحدّث عن الديمقراطية والحرية، وأداعب تلك الخصلات الرمادية اللطيفة، ثم تتابعت أفكاري في أنّ المرأة بالإضافة إلى العاطفة، هي أيضًا حكمةٌ ورزانة.

ليس صحيحًا أنّ المرأة يجب أن تكون قويًة دائمًا ولتحقيق ذلك عليها أن تضحّي بعاطفتها، بل قوّة المرأة من قوّة عاطفتها، ومن قوّة حسمها في اتخاذ القرارات المصيرية التي تمسُّ حياتها. إنّ المرأة عقل وعاطفة في آن معًا، ولكنّ المجتمع إمّا أن يعطيها فرصًا تبرز فيها إمكانياتها لتُعبّر عن نفسها شعورًا ومنطقًا، أو أن يختزل دورها في العاطفية وذرف الدموع. أذكر أنّي قرأت عن ذلك يومًا ما لأهم المفكرين الذين تناولوا مسألة الفرق بين الرجل والمرأة.

كوني امرأة لا أتخلى عن الأدوار الطبيعية، ولكنّي أقصد الأدوار الطبيعية والفطرية للإنسان أي الإنجاب والتربية، وهي أدوار منوطة بالرجل والمرأة معًا، كما أنّي لا أتخلّى عن السعي وراء الفرص الثمينة التي تجعلني صاحبة قرار، وصاحبة سيادة على عقلي وجسدي.

إنّ التوازن مسألة سهلة بالنسبة للرجل في غالب الأحيان في مجتمعاتنا، ولكن يبدو أنّ هذا التوازن يحمل صعوبة أكبر بالنسبة للمرأة، وذلك ليس بسبب تكوينها الجسماني أو العقلي، بل بسبب نظرة المجتمع ابتداءً، ومدى الخيارات التي يمنحها لها لتبرز ذاتها كإنسان له كينونة ووجود.

أصادف نساءً يحملنَ صراعًا داخليًا مع أدوارهن بدل أن يحتفين بذواتهن. لكنّ المسألة لا تحتاج إلى صراع، بل إلى توازنٍ بين كونها أمًّا وزوجة، وبين كونها امرأة صاحبة قرار وتأثير. العمل الحقيقي ليس فقط ما يدر المال بل ما يُثمر فكرًا ويُحدث أثرًا.

لا شكّ أنّ الاستقلال الاقتصادي للمرأة هو أوّل درجات تحررها، وأوّل خطوات استقلالها، وأوّل عتبات سيادتها على جسدها وعقلها وروحها. بالرّغم من أنّي قرأت كثيرًا عن هذه النقطة إلا أنّ تلك الفكرة كانت ملاحظة أخي، هو من ذكّرني فيها وأنا في مرحلة من مراحل الحياة قد شعرت فيها بالضياع وعدم القدرة على الموائمة بين طبيعتي كأنثى وبين طموحي.

كوني امرأة فالمكوث بين التقليد والتغيير يرهقني، فأنا نصف متحررة ونصف مقيّدة، أهزُّ رأسي بعنفٍ حينما آخذُ قسطًا من راحتي من مجال عملي وألمّع أواني المطبخ وتأتيني فكرة أنّ هذا المكان كان الأنسب لي، حيث لا مخاطرة ولا مبادرة ولا عداء من قِبل أحد! نعم أهزّ رأسي بعنفٍ لأطرد هذه الفكرة الشريرة من رأسي، ولأُعيد برمجة أحاسيسي وأفكاري على أنّي امرأة استثنائيّة، وأنّ كلام جدتي عن الأواني التي لا يجب أن تلمع أكثر من عقلي هو ما يجب أن أغرسه في بالي.

إنّي امرأة وأؤمن بوجودي، ولكنّي لا أعرف إن كنت أُكنّ لبعض النساء الأخريات ذلك الإيمان بعدالة التعبير عن رأيهن، أقصد تلك النساء اللواتي يُمضين أعمارهن بالثرثرة، يسألنني بنظرات شفقة عن سبب بقائي عازبة حتى اللحظة مع أنّي جميلة ومميزة.

لا أعرف ماذا أجيب، ولكن كثيرًا ما رسمتُ في بالي أجوبة لأجهّزها لهن، ولكنّهن لن يفهمن ماذا أريد، لا أبحث عن الرجل الذي يكمّلني لأنّي لستُ ناقصة، لا ولا أبحثُ عن الرجل الذي يدرّ عليّ المال لأنّي مكتفية، كما أنّي لا أبحث عن الرجل الذي أنجبُ منه فقط لأنّي أظن أنّ حياتي ستكون جحيمًا فيما لو تزوّجتُ رجلًا يراني آلة إنجابٍ وأرى فيه فرصةً قبل فوات الأوان، كما أنّي لا أبحثُ عن الوسامة الخارقة. ما أبحث عنه هو رجلٌ كبنك المعرفة، إذا تكلّم أغنى وإذا صمت كان صمته إصغاء لمن حوله، وحينما يقول لي رجلٌ بهذه الوسامة العقلية أنّه يُحبّني أكون قد امتلكت عملةً نادرةً أو ربّما سينبت لذراعي جناحان وأحلّق ولن تكفيني غرفتي للطيران.

في لحظات السقوط، القنوط، الخوف، الضياع، في لحظات انتحار الأماني وموت الرجاء، في لحظاتٍ حينما ينتابُني الحزن ويهجم على روحي ويكللها بالكآبة، يزداد إيماني أنّ الأيام الثقال ستصنع منّي امرأة قوية لا تقهر، وأنّه مهما حدث سأكون البطلة وليس الضحية، وأنّي سأظل فراشةً مبهجةً ورقيقةً وذات أثرٍ طيّب.

الفرق بين المرأة والرجل هو فرق اختصاص لا انتقاص، وقضيّة المرأة قضيّة عدالةٍ لا مساواة مطلقة، ما تحتاجه هو ثقةٌ تُعزّز بها قدرتها على اتخاذ القرار وتحقيق ذاتها.

أن تكون حرًّا يعني أن تتوسّع خياراتك، وأن تختار ما هو الأنسب لتطوير كينونتك ومهاراتك وتفكيرك، أي أن تنمو كما الشجرة الصغيرة، ولكن النبتة تحتاج لمن يرعاها بما يناسبها، فإذا احتاجت للشمس قربناها من ضوئها، وإذا كان يناسبها الظل واريناها عن حدّة الضوء.

فالمجتمع إمّا أن يرعى بذرة الحرية أو أن يميتها، والأشخاص الذين يحيطون بنا إمّا أن يحملوا نور الشمس الذي نحتاجه أو أن يجعلونا نقبع في ظلامٍ قاتل بالرغم من حاجتنا الماسّة لضوء الشمس. من الأشخاص من يلامسون العمق في داخلنا ويساعدونا على اكتشافه ويسهمون في تنمية شعورنا بذواتنا.

أحبّ الأشخاص الذين يمدّون يد العون لي لأكتشف العمق في داخلي، صحيح أنّ ثقة المرأة بنفسها تأتي بالدرجة الأولى، ولكن لا بد من بيئة داعمة تمكّنها من التعبير وتأخذ بيدها إلى المجد وتفتح قدراتها وتثبّت إمكانياتها. إنّ الطريقة التقليدية في الدفاع عن المرأة باتت مملة، اليوم تعدّ المرأة قوية حينما تكون قادرة على إبراز قضايا مجتمعها الملحّة، ومنها قضية المرأة ليس باعتبارها قضية مستقلة، بل في صلب القضايا الملحّة.

اليوم حينما نتحدّث عن المشاركة السياسية لكل أطياف ومكونات المجتمع، لا تكون المرأة طيفًا نافرًا يحتاج أجندة مستقلة، بل هي جزء أصيل من الكل، حينما تدافع المرأة عن وجود المهمّشين وتدعو إلى تمكين الإنسان، فهي تدعو العالم ليعترف بوجودها، وتدعو المجتمع ليمنحها كل الأدوات التي تساعدها في الإسهام بقدراتها بما يحقق العلا لمجتمعها، ويسمو بقيمه ويرسم ملامح مرحلة جديدة، لا يكون فيها الإنسان مقسّمًا إلى امرأة ورجل، بل إلى مواطنين منهم من يحتاج إلى عناية أكبر وبذل أكبر كما تلك النبتة الرقيقة!

كلما ازداد وعي المرأة وتعمّقت خبرتها في الحياة، كثر من تمثّلهم، لذلك تحتاج المرأة إلى ذلك الوعي بأهمية وجودها وإلى أن تكتسب خبرات حياتية في العمل، وتدرب على صناعة القرار المؤثّر وتتخذ القرارات المصيرية. إنّ المسألة لا تتعلق بقرارات حياتها الخاصة بل بقرارات حياة الآخرين.

فالمعضلة الأولى في مجتمعنا هي أوّلًا تلك المتعلقة باتخاذ المرأة قرارات تخصُّ حياتها هي أولًا قبل أن تتخذ قرارات تمسُّ حياة الآخرين، شريك حياتها، ماذا ستدرس، ماذا ستعمل، أي كتب ستقرأ، ماذا سترتدي ثم يأتي التوازن السليم في المرحلة الثانية أي اتخاذ القرارات المتعلقة بحياة الآخرين في محيط العمل.

لا أعرف كيف يمكن للمرأة أن يكون لها سلطة على الآخرين في أحيان كثيرة وسيادتها على ذاتها منقوصة! ربّما هذا سبب الحالة التي نشاهدها في مجتمعاتنا في بعض الأحيان عن نساء وصلن إلى مراكز قرار ويوسمن بأنّهن “مسترجلات” “مستبدات” أو غير “كفؤات”. إنّ المرأة تحتاج أولًا للاعتراف بسيادتها على حياتها ووجود رجلٍ داعمٍ لها من أب أو أخ أو زوج.

تحتاج المرأة في هذه البلاد إلى الكتب والخيال والحب. الكتب لتتجاوز الماضي المرهق، فاجترار الماضي بمآسيه سيجعلها أسيرة فكرة اضطهاد المرأة، وتحتاج إلى الخيال لتصنع المستقبل بالشّراكة مع الرجل دون صناديق مغلقة ودون خطوط حمراء وممنوعات في الطرح في السياسة والقضايا الاجتماعية، وإلى الحب لتدرك جمال الحاضر، وقبل كل ذلك تحتاج إلى مساحات آمنة وقنوات سليمة للتعبير عن ذاتها.

إنّ مستقبل المرأة لن ينفعه الوقوف على أطلال الماضي وعرض المآسي، ولا يمكن أن يكون حاضرها أفضل إذا بقيت رهينة التفكير فقط في العوائق، بل يجب التركيز على منافذ الانعتاق المتاحة. إنّ حالة اللا انتماء إلى المجتمع أي حالة الرفض لواقع المرأة المتعب والهش ممكن أن يكون مفيدًا نسبيًّا، فهي تستطيع أن تنتمي إلى فكرة أنّ رؤية الموضوع من زاويتين صحيحة، وأنّ الحقيقة لا يحتكرها أحد، فهي لا تنتمي إلى الأحكام المطلقة والزوايا الأحادية في النظر إلى الأمور. كما تستطيع من خلال رفضها الواقع وسعيها للانعتاق أن تقاوم الحزبية الضيّقة والفئوية والمذهبية المتجمّدة، وترفض الانسياق وراء الأفكار الشائعة التي تُروّج على أنّها واقع لا فكاك منه. تستطيع أن تسهم في تحقيق التواصل والمشاركة من خلال عدم انتمائها إلى الأفق الضيّق.

أحبُّ الأشخاص الذين يساعدونني في اكتشاف العمق في داخلي، ولاسيّما الذين أختلف عنهم، إذ لا يُغري عقلي التشابه، لا يغنيني، أحبُّ أيضًا أولئك غير المتفائلين الحكيمين وأنتمي إلى أقلامهم، ولاسيّما حين يقنعونني بعبثية القادم. كما أنتمي إلى الأقلام الملوّنة التي تضفي على سواد مخيّم الأمل بالآتي، يغمر قلبي الدفء حينما أسمعهم أو أقرأ لهم، أنتمي إلى الاثنين.

أحبّ الكتب الممتعة وأحب حين أعود إلى مكتبتي وأعيد قراءة مضمونها كل سنة، أحنُّ إلى ياسمينةٍ أقطفها من حديقة داري أو من أحد الشوارع الدمشقية الهادئة أو حارات دمشق القديمة وأعلّقها بين خصلات شعري، وأنتمي إلى ذكرى والدي الذي كان أوّل من آمن بقدراتي كامرأة، إلى ابتسامة أمي التي جعلتني أؤمن أنّ المرأة سواء أكانت ربّة منزل أو امرأة عاملة تصنع أجيالًا عظيمة، أنتمي إلى فرحة من حولي وتعافيهم من مرض أو من ذكرى مؤلمة، أنتمي إلى خبرٍ سعيد. أحبّ فلسفة الحياة حيث لا أمثّل حزبًا ولا طائفة، بل أشتهي أن أمثّل الحياة وأنوب عن كل من يشعر بالفرح في هذا الوجود لتسري عدوى الحياة في قلوبٍ آلمها الوجع. يؤرّقني الحسم في السياسة للمفاهيم والحسم في المعارك، فما بين نصرٍ وآخر وهزيمةٍ وأخرى هنالك أشخاص تغفلهم الحكاية، أرنو إلى الله، أصلي لبلدٍ أنهكه التعب.

أحبّ تلك المرأة المثقفة التي ينتظرها الناس لتحلل واقعة مؤلمة حدثت في بلدها، حينما يكون الإنسان العادي غير قادر على فهمها في سياقها وضمن مفاهيم تعلو فوق المصالح الضيقة، حيث القبيلة والعشيرة والطائفة، بل إنّ تلك المرأة تُمثّل وطنًا بأكمله.

تلك المثقفة التي لا تداهن سلطة ولا تسعى من خلال مدحها للكسب مهما كان نوعه، بل هي المراقبة الحكيمة ذات الآراء المتّزنة، كانت صامتة يومًا في مرحلة حكم الأسد أو ربّما تكلّمت وعبّرت عن رفضها للاستبداد ولكنّها خسرت حياتها أو إحساسها بذاتها، وربّما ستخسر اليوم لأنّها تؤمن أنّ السلطة هي في خدمة المجتمع وليس المجتمع في خدمة السلطة، ولن تسكت يومًا عن الخطأ أو ربّما تصمت فتعيش في عزلة وانكفاء وتفضلهما عن محاباة السلطة، فتكون وحيدةً وسط جوقةٍ تنساق وراء الانفعالات وتعيش الخدر في العقل. إنّ تلك المرأة تمثّل مع الكثير من الرجال صوت العقل في وقت يسعى البعض إلى إخماد صوته والانتصار لأحاسيس لا تغني البلاد ولا ترتقي بها، بل تؤدّي إلى انحدار قيمة كل ما هو ثمين ونادر في طريقة التفكير وكيفية معالجة الأمور والأحداث والقضايا والحكم على مجريات ومسارات الأخبار.

إنّ المرأة المثقّفة ليست تلك المرأة الحنونة ذات المشاعر المرهفة والتي تتلألأ عيناها وتدمعان إذا ما سمعت كلمةً جارحة أو ناقدة من قبل رجلٍ، بل هي المرأة القاضية التي تستطيع أن تحكم بين اثنين وتجمع الأدلّة وتحكم لصاحب الحق، ولن تقبل شراء حكمها وربّما ستخسر بسبب ذلك أو تعيش العزلة والانطواء.

إنّ قضيّة حرية المرأة في التعبير عن آرائها وممارسة صوت ضميرها، ليست قضية مستقلة عن قضية حرية الإنسان وحرية ضميره ووجدانه التي تعاني من أزمة في مجتمعاتنا العربية، فإذا ما تم توفير الأرضية السليمة لحرية الإنسان، رجلًا كان أم امرأة، وتوفرت مناخات وقنوات آمنة للتعبير، أظن أنّ أزمة حرية المرأة ستجد طريقها إلى الحل. كما أنّ الشرط الثاني هو أن تشعر المرأة أنّها حرّة من الداخل، لا رقيب أخطر من رقابة الإنسان على ذاته ما يمنعها من الإبداع، فإذا ما تحرر الإنسان من خوفه أبدع وإذا ما وجد بيئة آمنة نبت لذراعيه جناحان.

إنّ المسألة ليست فقط في الحرية الخارجية، بل بإيمان الإنسان بقدراته وطاقاته وعدم انغلاقه بما توارثه عن الآخرين، وفي أحيان كثيرة يكون ما ورثه خاطئًا. إنّ إعادة النظر في قداسة المفاهيم والأفكار والعادات وعدم ممارسة النقد حيال الكثير المتوارث منها على أنّه شيءٌ ممنوع أن يتغير أمرٌ مهمٌ جدًا ومطلوبٌ كثيرًا.

 باسم القرابة والوصايا على المرأة يمكن أن يولد نوعٌ آخر من الاستبداد المجتمعي. إنّ محبة الآخرين لا تُبرر امتلاكهم بأنانية بل تركهم يقررون مسار حياتهم ومساعدتهم في توسيع خياراتهم، وكما قيل العصافير تأتي إلى النوافذ من تلقاء نفسها لكنّها لا تأتي إلى الأقفاص أبدًا. إنّ حبس المرأة داخل دوائر الوصاية والتابوهات المحرّم نقاشها أو نقدها يعني حبسها في قفص وبتر جناحيها ومنعها من التحليق حيث المكان المناسب لإبداع الإنسان.

كما شوّه النظام الاستبدادي في سوريا الروح والفكر، فإنّ إعادة إنتاجه أو بقائه على صعيد المجتمع أو الفكر يشكّل تمثيلًا بالروح بعد تشويهها. لا يجب الضغط على عقل المرأة ولا إفساد روحها، ولا إجبارها على طاعةٍ منبعها الوصايةُ المستبدّة الظالمة، وإلا كان منبع طاعتها الخوف وليس الرغبة في الالتزام بعادات وتقاليد معينة. إنّ الطاعة المبنيّة على الخوف في الدين والحب والسياسة لا تولّد إلا نفاقًا في الشعور وإهدارًا لروح المرأة.

إنّ الوطن الذي يعيش فيه المواطنون محرومين ومهمّشين تكون فيه كل الخطابات السياسية زائفة، فالوطن حيث الحرية والحب، وحيث لا يكون المبتغى رغيف خبزٍ لمواجهة الجوع ولا مدفأةً لمكافحة البرد، بل يكون المبتغى الاستمتاع بالحياة وإطلاق الإبداع وحرية الفكر والاعتقاد.

إنّ وعي المرأة بذاتها وأهميتها يجعلها غير محتاجة لأن يُمثّلها أحد، بل يكثر من تمثّلهم وتتكلم باسمهم وتدافع عنهم، فتنتقل من لعب دور الضحية إلى أن تصبح بطلة، فلا تتباكى على الاضطهاد ولا تبكي على خذلانها، ولا تتوجع على ضياع فرصها، بل تمسح دمعة الضعيف وتخلق الفرص للمهمشين وتدافع عن المضطهدين، فتنتقل من دائرة رد الفعل إلى صناعة الفعل.

اليوم تحتاج المرأة إلى أن تتقلّد مناصب مؤثّرة وأن تُدمَج في إطار عملية إعادة بناء الإنسان. وحينما ترفض المرأة أي عملية إقصاءٍ مجتمعي أو سياسي لأي طرف مستضعف ولأي خطاب مهيمن ولأي خطاب للنبذ والكراهية فهي تدافع عن نفسها، عن كيانها، عن وجودها.

إنّ المرأة السورية منذ 2011، كانت أكثر الأطراف تضررًا من حالة الصراع الدائر بين الأطراف. اضطرت إلى العمل بما لا يناسب مؤهلاتها أحيانًا وبما لا يُناسب خياراتها ولا يتّفق وإبداعها، فتساوت مع الكثير من الرجال في ظروف القهر، إنّما المطلوب هو العدالة، عدالة الوجود وعدالة الحياة.

كما أنّ الكتب تساعد المرأة على التحرر من أسر اضطهاد الماضي وقيد المتوارث، وكما أنّ الخيال يطلق قدراتها الكامنة، والحب يجعلها تعيش لذّة الحاضر، فإنّ المطلوب هو التوافق على هوية الوطن الجامعة، حيث تكون المرأة عنصرًا مكوّنًا لا انفصال بينه وبين كرامة الإنسان وحقه في أن يمارس حرية ضميره وفكره وإبراز تفرّد وجوده.

إنّ الانتماءات الضيّقة تُضيّق خيارات المرأة، وهناك علاقةٌ وثيقةٌ بين رحابة الانتماء إلى وطنٍ جامع ووجود مكان للمرأة مؤثر وفاعل. للأسف نحن كبشرٍ ولاسيّما في مجتمعاتنا العربية نميلُ إلى من يكتبُ ما يشبهنا وما يقترب من تلك الأفكار المغروسة في رؤوسنا، نركن إلى الثابت غير المتحرّك، مع أنّ القلم الذي يهزُّ الساكن فينا يجب ألا يجفّ مداده.

إنّ نبذ الآخر المختلف الذي يقف على النقيض من مفهوم الـ “نحن” يؤدّي بالنهاية إلى قتله وتصفيته من المفاهيم الجامعة. ابتُلينا بالهدر، هدر الفكر وهدر الموارد، وتنفيرُ الطاقات الإنسانية التي تكون فيها طاقات المرأة الأقل حظًّا.

كما أنّ العقل الشحيح ينتمي إلى مرحلة ما قبل الدولة، يؤمن بأنّ القوة حيث يصنع الانتصار للإنسان حتى لو على صعيد خسارة إنسان آخر وربما إنهاء وجوده، وفي ظل اقتناص الفرص تضيع فرص المرأة. مع أنّ هذه البلاد رحبة تتسع للجميع.

إذًا؛ لا يمكن عزل حكاية المرأة عن حكاية مجتمع، ولا حرية تعبيرها عن أزمة التعبير في مجتمعنا، ولا حظها الأقل في توافر الفرص عن تدهور حق الإنسان عمومًا في الحصول على كل ما يساعده على التألق والتأثير، فيبقى الإنسان في دائرة الانفعال في حين أنّ المطلوب أن يُبادر الفرد ويُسهم في صناعة مستقبل بلاده، ويعيش الحاضر، هذه النقطة الزمنية التي لا نُجيد التحرّك ضمنها دون البكاء على الماضي والعجلة غير المخططة للقفز نحو المستقبل.

لا يوجد عقابٌ أكبر للمرأة من أن تعيش في مجتمعٍ يسوده الكره وتُخيّم على مفاهيمه روح التنافس الشرس على المحدود والمتاح من الموارد. وعندما تحدّث ألبير كامو عن العبثيّة وجد أنّ الحب هو أحد أهم القيم التي تضفي على وجود الإنسان المعنى وتحرره من كل القيود البشعة، وهو يقول: “بؤس هذا العالم وعظمته في كونه لا يهبُ الحقائق أبدًا وإنّما الحب، فالعبثيّة تسود والحب ينقذنا منها”.

أتحرّكُ قُبالة المرآة ثانيةً، أُعيد ترتيب خصلات الشعر الرماديّة المائلة إلى البياض، أبتسم، أتذكّر قول جدّتي عن الأواني، أركن الكتاب قليلًا على الطاولة، وتنتابني فكرة أنّه من الجيّد أنّي لحظتُ أولى خصلات الشعر البيضاء وأنا أقرأ وليس وأنا أنظفُ الأواني.