الفنُّ التشكيلي فضاءٌ واسعٌ للإبداع – الفنانة التشكيلية: روز عمر

الفنُّ التشكيلي فضاءٌ واسعٌ للإبداع

الفنُّ التشكيلي يُعتبرُ مساحةً حرّة ومفتوحة أمام المرأة

لتبوحَ بما يدور في داخلها من مشاعر وأفكار،

وهو في الوقتِ نفسه وسيلةٌ للتعبير عن قضاياها العادلة،

وإبراز التحدّيات التي تواجهها ضمن مجتمعها”

الفنانة التشكيلية: روز عمر

أنا روز رودي عمر، ولدتُ عام 2008، كبرتُ وترعرعتُ في مدينة قامشلو. هذه المدينة التي لم تعرف الانكسار، تضم كافة المكونات من كرد وعرب وسريان وأرمن وآشور وغيرهم، والجميع يتعامل فيما بينهم على أسس قوية من الارتباط والمحبة والتعاون والإخلاص، ما يضفي على المدينة الثراء الثقافي والمجتمعي.

أنتمي إلى جيلٍ جديد من المبدعين الذين ينقلون الفن التشكيلي إلى واقعهم الحالي، ويجعلونه لغةً تُعبّر عن الهوية والانتماء. كانت أولى خطواتي في عالم الرسم منذ أربع سنوات، وكانت البداية حلماً صغيراً سرعان ما تحوّل إلى شغفٍ لا ينطفئ. لم يكن الأمر مجرّد عملٍ بل أصبح جزءاً من هويتي. أحب العمل بكل جوارحي وأؤمن أنّ اليد التي تعمل تصنع المعجزات، وأنّ القلب الذي يحب ما يفعل لا يخذله الطريق أبداً.  أمي هي التي آمنت بي عندما كنتُ لا أملك الثقة الكافية بنفسي، أمي التي رافقتني في خطواتي الأولى، وشجعتني أن أعبّر، أن أتعلّم. لولا دعمها ربّما كنتُ ترددت لكنّها كانت نوري في بداية الطريق وسندي في كل مرحلة.

في البداية كنت أرسم أشياء أشعر بأنّها حقيقية، أشياء قريبة مني ومن تجاربي. مع الوقت طوّرت موهبتي بالريشة وصقّلتها بالتجارب والممارسة، لأكتسب خبرةً مميزةً في عالم الألوان المائية، إضافةً إلى تجربتي بالألوان الزيتية. بدأت أمزج بين الألوان، أستكشف كيف يمكن للون أن يحكي حكاية، وكيف يمكن للشّكل أن يوصل إحساساً.

أرسم الشخصيات والوجوه والمشاعر التي تسكنها، أعبّر عن آلام شعبي من خلال لوحاتٍ تحمل بين خطوطها وألوانها مشاعر الألم، الصمود، والأمل، النصر. وأحياناً أغوص داخل الخيال وكأنّه مكانٌ أرتاح فيه وأعيد فيه ترتيب أفكاري.

أستخدمُ الألوان الزيتية لأمنح لوحاتي ملامح واقعية، كما ألجأ إلى الفحم لتصوير قسوة الحياة وظلالها الداكنة، في حين أُدخل الألوان المائية بخفّة لأعكس بهاء الطبيعة وصفاء الروح. هذا التنوع في أدواتي يُتيح لي فضاءً واسعاً للتعبير، فأنتقل بين الألم والفرح، بين الحلم والواقع، لأصوغ عوالم فنيّة متكاملة.

ما يُميّز الألوان الزيتية أنّها بطيئة الجفاف مقارنة بالألوان المائية أو الأكريليك، وهذا يمنح الفنان وقتاً كافياً للعمل على التفاصيل الدقيقة، وتعديل اللوحة مراراً حتى تصل إلى الشكل المطلوب، كما أنّ البطء في جفافها يسمح بمزج الألوان على سطح اللوحة مباشرة، مما يخلق تدرّجات لونية ناعمة وغنيّة بالظلال والضوء.

أمّا الرسم بالفحم هو أسلوبٌ فنّي، يُستخدم الفحم – عادة على شكل عصيٍّ أو أقلام – لإنشاء صورٍ على الورق أو أسطحٍ أخرى. يتميّز الفحم بقدرته على إنشاء مجموعة واسعة من التأثيرات، من الخطوط الداكنة والسميكة إلى الظلال الناعمة والتدرّجات الرمادية. لوحاتي لا تقتصر على الجانب الجمالي فحسب، بل تحملُ في طياتها رسالةً اجتماعية وإنسانية عميقة، فأنا أسعى من خلالها إلى كشف ما تعانيه المرأة من تهميش وقيود. كما أنّي أوثّق تفاصيل الحياة اليومية، وأعكس تطلّعات الإنسان للحرية والكرامة. في إحدى لوحاتي جسّدت الواقع الصعب الذي تعيشه النساء من خلال ألوان متباينة وخطوط متعرّجة تعكس القيود الاجتماعية والنفسية، ورغم ثقل الألم تخترق خيوط الضوء الظلال، لتمنح الأمل والإصرار على المقاومة.

إلى جانب موهبتي الفنيّة فأنا حاليّاً طالبة بكالوريا وأسعى للدخول إلى كلية الطب البشري، وهذه المرحلة تتطلب الكثير من الجهد والتركيز، فأحدهما يقوم على العلم والآخر يقوم على الإبداع والخيال. في الوقت الذي أدرس فيه أجد في موهبتي متنفّساً يُعيد إليّ طاقتي الداخلية، لذلك لا ينفصل مجال دراستي عن موهبتي لأنّهما يُشكلان بالنسبة لي لوحةً تعكس قدرتي على التنوع.

من صفات الفنان التشكيلي الناجح الإبداع والخيال والإصرار والشغف، وهذا ما يمنحه القدرة على رؤية ما وراء الواقع وتحويله إلى عملٍ فنّي مؤثر. إضافةً إلى ذلك يتحلّى الفنان الناجح بالجرأة في التعبير، كما أنّه يمتلك رؤيةً خاصةً تجعله قادراً على تحويل الفكرة إلى لوحةٍ تنبض بالحياة. ناهيك عن أنّ الفنان الناجح يتميّز بالصبر، لأنّ اللوحة تحتاج إلى وقتٍ وجهدٍ وتكرارٍ حتى تخرج بالشكل الذي يعكس روحه. لدي أجواءٌ خاصّة في الرسم تجعل كل لوحةٍ من لوحاتي مميّزةً وحيّة. فأنا أرسم في الليل حين يسود الهدوء ويغيب ضجيج النهار. هذا الهدوء يساعدني على التواصل مع أفكاري بشكلٍ أعمق، فأشعر بكل لون وكل خط على اللوحة وكأنّه جزءٌ من روحي. كما أستمع أثناء الرسم إلى موسيقا هادئة تساعدني على التركيز وتجعل الأجواء أكثر راحة وسكينة.

شاركتُ في معارض مهمّة في مدن مختلفة مثل الرقة، الحسكة، قامشلو، عامودا ورميلان. كل معرض كان فرصةً لي لأقدّم فني للجمهور وأشارك رسالتي الإنسانية بطريقة مباشرة، كما تمكّنت من أن أترك أثراً ملموساً في كل مكان.  في كل معرض شاركت فيه كنت أرى التفاعل الكبير من الحضور، فكانوا يقفون أمام لوحاتي يتأمّلون تفاصيلها ويسألونني عن المعاني التي تحملها. هذا الاهتمام منحني دافعاً كبيراً للاستمرار وتطوير نفسي. كان بعض الأشخاص يطلبون منّي أن أرسم لهم موضوعات معينة تُعبّر عن مشاعرهم أو قضاياهم، بينما كان آخرون يرغبون في شراء لوحاتي لتزيين منازلهم أو مكاتبهم.

الفن التشكيلي بالنسبة لي يُعتبر مساحةً حرّة ومفتوحة أمام المرأة لتبوح بما يدور في داخلها من مشاعر وأفكار، وهو في الوقت نفسه وسيلةٌ للتعبير عن قضاياها العادلة، وإبراز التحديات التي تواجهها ضمن مجتمعها. من خلال الريشة والألوان تستطيع الفنانة أن تضع العالم أمام مرآة مختلفة، مرآة صادقة تُظهر تفاصيل المعاناة وتُبرز الجمال والأمل والحلم بمستقبلٍ أفضل. بالتالي لعب الفن التشكيلي على مدار التاريخ دوراً مهمّاً في رسم معالم هوية الشعوب وتحديد مساراتها، وتحوّل في كثيرٍ من الأحيان إلى مرجعٍ تاريخي لدراسة ثقافة وحضارة الشعوب.

يُمكنني القول إنّ ثورة روج آفا كان لها أثرٌ عميق في حياتي، فهذه الثورة التي عُرفت بثورة المرأة وانطلقت نحو مسيرة الحرية والمساواة، زرعت في داخلي الأمل والإصرار على أن أواصل طريقي الفني، لأنّ الفن بدوره يمكن أن يكون جزءاً من هذه المسيرة.

رغبتي في الحياة هي أن أواصل طريقي في الفن، وأحقق حلمي الكبير في افتتاح معرضٍ خاصٍّ بي في المستقبل، أضع فيه كل ما رسمته بريشتي من مشاعر وتجارب وأفكار. كما أتمنّى أن ينهض المجتمع الكردي بخطواتٍ ثابتة نحو مستقبلٍ أفضل، وأطمح أن أُعلم الأجيال القادمة، وأن أفتح أمامهم الطريق ليدركوا قيمة الفن والإبداع، ويؤمنوا بأنّ كل إنسان يستطيع أن يُعبّر عن ذاته بطريقته الخاصّة.

أدعو كل شخص أن يسعى لتحقيق أهدافه مهما كانت الظروف صعبة، وألا يتخلّى عن هواياته وأحلامه. لأنّ الإنسان الذي يؤمن بنفسه وبما يحمله من طاقات قادر على تجاوز كل العقبات والوصول إلى ما يطمح إليه.