الحياة الكومينالية نموذجٌ حضاريٌّ يُعيد صياغة العلاقةِ بين الإنسانِ والمجتمع – لنا حسين
الحياة الكومينالية نموذجٌ حضاريٌّ يُعيد صياغة العلاقةِ بين الإنسانِ والمجتمع

“تُعتبر الكومونالية مشروعاً حضاريّاً يُقدّم نموذجاً عمليّاً
لمواجهة الإبادة الرأسماليّة من خلال إعادة
توزيع السّلطة بشكلٍ ديمقراطيٍّ،
وبناء اقتصادٍ قائمٍ على الكفاية والتّعاون،
وتمكينِ المرأةِ بشكلٍ كاملٍ كشريكٍ أساسي“
لنا حسين
يُمثّل فكر الفيلسوف عبد الله أوجلان رؤيةً حضاريةً شاملةً تتجاوز التحليل السياسي الضيّق، لتصبح مشروع حياةٍ كامل قائم على الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. إنّ فهم الرأسمالية من منظوره ليس مجرّد تحليل اقتصادي، بل كشف لبنية إبادة متكاملة تؤثّر على الإنسان والمجتمع والطبيعة، وتستهدف بشكلٍ خاص المرأة التي كانت وما زالت مركز الحياة وروح المجتمع.
الرأسمالية وفق فكر المفكر عبد الله أوجلان لا تكتفي بإنتاج سلعة أو خدمة، بل تحوّل الإنسان نفسه إلى سلعة، تفكّك الروابط الاجتماعية، تستنزف الموارد الطبيعية بلا رحمة، وتستعبد المرأة جسدياً وفكرياً محولةً إيّاها إلى أداةٍ لإدامة الهيمنة الذكورية وتحقيق الربح الفردي. الإبادة الرأسمالية بهذا المعنى ليست مجرّد موت أو فقدان للموارد، بل هي تفكيك متدرّج للهوية والروح والذّاكرة الجمعية، ومحاولة مستمرة لتدمير أي قدرة للمجتمع على الاستمرار ككيانٍ حيٍّ ومتماسك.
في تحليله للتاريخ؛ يؤكّد المفكر عبد الله أوجلان أنّ المرأة كانت أوّل ضحايا هذه الآليات. فهي التي حافظت على الروابط الاجتماعية منذ بداية المجتمعات الأمومية، وكانت حاملة المعرفة الثقافية ومربية الحياة وموصلة الإرث الجماعي، وعندما جُرّدت من هذا الدور، بدأت المجتمعات تميل نحو التسلّط والاستغلال، ومع الوقت أصبح التاريخ الإنساني سجلاً طويلاً من العنف والهيمنة الذكورية. من هنا يرى القائد الأممي عبد الله أوجلان أنّ أيّ مشروعٍ تحرري لا يمكن أن ينجح دون إعادة تمكين المرأة، وإعادة إشراكها في كل مجالات الحياة، لأنّ تحرر المجتمع يبدأ بتحررها.
في مواجهة هذه الإبادة، يُقدّم الفيلسوف عبد الله أوجلان مشروع الكومونالية كنموذجٍ حضاري شامل، يُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمجتمع والطبيعة والمرأة على أسس الحرية والمساواة والمشاركة المباشرة. الكومونالية ليست مجرّد إعادة تنظيم سياسي أو اقتصادي، بل هي رؤية وجوديّة تهدف إلى إعادة بناء المجتمع بأكمله على أسس من الديمقراطية المباشرة، التكافل الاجتماعي، العدالة الجندرية، وإعادة التوازن بين الإنسان والطبيعة. في هذا المشروع يتحقق توزيع المهام بشكلٍ ديمقراطي ولامركزي، ويصبح الاقتصاد وسيلةً لتأمين حياة كريمة للجميع وليس أداةً للربح الفردي، وتتم إعادة إنتاج الثقافة والهوية بوعيٍ جماعي يضمن استمرار المجتمع واستقراره.
المرأة في هذا السياق ليست رمزاً فارغاً أو تكميليّاً، بل محور التغيير ومصدر القوة الفاعلة التي تجعل المجتمع قادراً على التجدد والمواجهة. التجربة العملية في روج آفا – شمال وشرق سوريا تُعتبر نموذجاً حيّاً على هذا التمكين، حيث لم تعد المرأة مجرّد تابعة أو عنصر ثانوي، بل أصبحت قائدة سياسية تشارك في المجالس المحلية والإدارات، وفاعلة اقتصادية تؤسس وتدير التعاونيات الزراعية والصناعية، ومبدعة ثقافية وفكرية تشارك في الأكاديميات التعليمية والثقافية، ومدافعة عن المجتمع تحمل السلاح في وحدات حماية المرأة، مؤكّدة أنّ المرأة هي القوة الحقيقية التي تحمي المجتمع وتعيد بناءه.
تحرر المرأة بحسب فكر الفيلسوف عبد الله أوجلان ليس رفاهية اجتماعية، بل شرط أساسي لبقاء المجتمع وصموده. المرأة الحرّة هي التي تُعيد التوازن الاجتماعي، وتخلق ديناميكية جديدة تمكّن المجتمع من مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية المستدامة، وإنتاج مجتمع متكامل قادر على الصمود أمام أي تهديد داخلي أو خارجي. من خلال إشراك المرأة في كل مجالات الحياة (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، يتحوّل المجتمع إلى كيانٍ متماسك قادر على إعادة إنتاج قيم العدالة والمساواة، وتجاوز أزمات الفردانية والاغتراب التي أنتجتها الرأسمالية.
في هذا الإطار؛ تُعتبر الكومونالية مشروعاً حضاريّاً يُقدّم نموذجاً عمليّاً لمواجهة الإبادة الرأسمالية، من خلال إعادة توزيع السلطة بشكل ديمقراطي، وبناء اقتصاد قائم على الكفاية والتعاون والتضامن الاجتماعي، وتمكين المرأة بشكلٍ كامل كشريك أساسي وقائد للتغيير، والحفاظ على الهوية الثقافية والتاريخية وإعادة إنتاج المعرفة بما يضمن استمرار المجتمع واستقراره. فهي بذلك لا تهدد الإنسان بالطغيان أو العزلة، ولا الطبيعة بالاستنزاف، ولا المرأة بالتبعيّة، بل تُعيد للإنسانيّة كرامتها وحقّها في الحياة الحرّة المتساوية، وتجعل من المرأة معياراً للمجتمع الحرّ ومستوى حقيقي لنجاح المشروع الحضاري.
الإيمان بالكومونالية هو إيمانٌ بأنّ المستقبل يبدأ من تمكين المرأة، وأنّ كلّ خطوةٍ نحو هذا النموذج هي خطوةٌ نحو مجتمعٍ أكثر عدلاً وإنسانية. المرأة الحرّة ليست نصف المجتمع فحسب، بل قلبه وروحه النابضة، وهي القوّة المحرّكة للثورة الحضارية التي تبني المجتمع على أسس من العدالة والمساواة والحرية. التجربة العمليّة في روج آفا أثبتت أنّ إشراك المرأة في كل ميادين الحياة يجعل المجتمع أكثر مرونة وأكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر استعداداً لإنتاج حياةٍ جماعية متكاملة، ما يؤكّد أنّ تحرر المجتمع لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كانت المرأة محور هذا التغيير، وقادرة على قيادة المجتمع إلى الحرية الحقيقية. ما ميّز هذه التجربة هو ارتباطها العميق بالفكر الكومونالي الذي يُعيد بناء السياسة من القاعدة، ويمنحُ المجتمعات المحليّة القدرة على إدارة نفسها بعيداً عن تبعية الدولة.
الكومينات الخاصّة بالمرأة في روج آفا سعت أيضاً إلى تمكين المرأة في كافة المجالات، وعملت بشكلٍ جاد على حل المشاكل النسائية (العنف الأسري، زواج القاصرات، التمييز القائم على النوع الاجتماعي).
لقد وضعت الكومونالية المرأة في قلب المشروع الحضاري، ليس فقط بوصفها شريكةً في القرار، بل كعنصرٍ فعّال في صياغة السياسات الاقتصادية، وصناعة الثقافة، وصيانة البيئة، والدفاع عن الأرض والمجتمع. إنّ هذا الدور المتكامل يُعيد تعريف الحرية والعدالة والمساواة بطريقةٍ تجعل من المجتمع كلّه كياناً حيوياً ومستداماً. كما أنّ الكوموناليّة توفّر نموذجاً عمليّاً يوضّح أنّ المجتمع الذي يضمن للمرأة حقوقها ويمنحها القدرة على التأثير هو مجتمع قادر على الصمود أمام الإبادة الرأسمالية، وأكثر استعداداً لمواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية، وأكثر قدرة على إنتاج مجتمعٍ متكامل قائم على التضامن والتعاون والمشاركة. بالتالي؛ إنّ البشرية لن تجد طريقها للخلاص إلا من خلال تطبيق مبادئ الكومونالية (المشاركة، الديمقراطية المباشرة، التكافل الاجتماعي، والمساواة الجندرية).
