المرأة والكومين عنوانان للحضارة – أيلم جركس
المرأة والكومين عنوانان للحضارة

“المرأةُ مرتبطةٌ ميتافيزيقيًا بروح الكومين، روح الجماعة،
وهذه من خصائصها التي تجعلُها صامدةً ومتماسكة،
فالكومين نموذجٌ متطوّر في الشّرق الأوسط،
ومن خلاله يُمكن حلُّ المشاكل الاجتماعيّة”
أيلم جركس
عبر التّاريخ وتطوّرات العصور البشرية، عندما بدأ الإنسان بالتجمّع وبناء ذاته وتنظيم مجتمعه واكتشافه للعالم وإبداعه في الإنتاج، نشأت مفاهيم تنظيمية واجتماعية تعكس هذا التطور. من بين هذه المفاهيم يبرز مصطلح الكومين.
الكومين في معناه الحقيقي يعود إلى كلمة “كوم” وهي كلمة آريّة تعني “تجمّع” أو “مجموعة”، وهو مصطلح اجتماعي وتنظيمي غير بعيد عن الحياة اليومية. الكومين ظاهرة اجتماعية وجماعية موجودة لدى مختلف شعوب العالم، وتُستخدم هذه الكلمة كثيرًا في اللهجات الكردية والعربية، وحتى في بعض اللغات الأوروبية والآسيوية. تعود أصول هذا المفهوم إلى تاريخ عريق مليء بالتطورات البشرية، خاصّة في مناطق ما بين نهري دجلة والفرات، ويمتدّ حتى نهر النيل حيث كان الإنسان يتنقّل بحثًا عن العيش والمأوى، متأثّرًا بالبيئة المتعايشة ومساهمًا في تبادل الثقافات بين الشعوب.
بهذا؛ تعلّم الإنسان من الإنسان، وخاصة أثناء فترات التحوّل التاريخي التي أثّرت في الواقع الحياتي، وهذا ما يُظهره علم الأصول اللغوية (الإيتيمولوجيا). فكلمة “كومين” نسمعها كثيرًا في لهجاتنا اليومية، مثل عبارة “كوم ورد” التي تعني “مجموعة من الورود”، ما يدل على أنّ الكلمة ليست غريبة عن الإنسان، بل هي قريبة جدًا من حياته اليومية.
لكن من أول من نطق بالكلمة (الكومين)؟
بحسب التحليل التاريخي والرمزي، يُقال إنّ أوّل من نطق كلمة “كوم” أو “كومين” كانت المرأة. دائمًا ما نتناول في دراساتنا مراحل تطور المجتمعات البشرية، ونبحث عن ملامحها من خلال الأساطير والميثولوجيا والآثار، وصولًا إلى الحقيقة المدفونة في عمق كوكبنا والموجودة في المواقع الأثرية.
في مرحلة المجتمع الطبيعي، أو ما يُعرف بعصر النيوليتك، والذي كان بدايةً للحضارات وثورةً زراعية نتيجة اكتشاف النباتات والأعشاب والموارد الطبيعية، التفّ المجتمع حول الأم المقدّسة. في تلك المرحلة؛ سادت مفاهيم العدالة والمساواة والتسامح، وكان لكل فرد دور في المجتمع. بُنيت العلاقات الاجتماعية على مكارم الأخلاق، وكانت الأخلاق قوانين الكومين التي تأسست على مفهوم المرأة كركيزة للفرد والمجتمع. سادت روح الجماعة، والاعتماد على الاكتفاء الذاتي، ولم يكن للكومين اسمه المعروف اليوم، ولكن نظامه العملي كان موجودًا فعلًا، وهو شكل من أشكال المجتمع الديمقراطي. لم تكن هناك قوانين صارمة مثل “العين بالعين والسن بالسن” كما في قانون حمورابي، بل كان يُقاس كل شيء بالأخلاق والقيم. ورغم وجود آليات للمحاسبة، كان الطرد من الكومين أحد العقوبات لمن يرتكب الخطأ.
في بداية الحياة الكومونية؛ لعبت المرأة دورًا طليعيًا في خلق الحياة والطبيعة وتنشئة الإنسان وإبداعاته. ولكن، هل استمر هذا الهيكل؟ للأسف لا.
مع تغيّر العصور وظهور الحاكم والمالك والعبيد، تحوّل الواقع الاجتماعي إلى نظام مختلف تمامًا عن المجتمع الطبيعي والديمقراطي. ازدادت الكثافة السكانية، وظهرت العشائر والقبائل التي رغم استقلاليتها النسبيّة حافظت على شكل من أشكال الكومين، حيث كانت العشيرة تتكاتف مع المرأة، وكان أفرادها يتعاونون فيما بينهم، وتُعقد اتفاقيات تحوّل النزاعات إلى سلم. لكنّ التطورات الحضارية أدّت إلى ظهور نظام الملكيّة والعبوديّة، وهو أساس بناء الدولة، ما أدى إلى تفكك الروابط الاجتماعية، وظهور الاستغلال، العنف، والاحتكار. فقدت المجتمعات الثقة ببعضها، وبدأت الفجوة بين الفرد والمجتمع تتسع.
ظهور الرأسمالية الحديثة زاد من تعميق هذه الفجوة، حيث استغلت الظروف البيئية، وأضعفت أدوار الأفراد، وجعلت الجماهير مجرّد متفرجين في مسرح الحياة، بينما كانت هي تستغل الموارد الطبيعية لتحقيق أرباحها. أصبحت المصلحة الفردية والأنانية سمة العصر، وظهرت مشاكل اجتماعية واقتصادية وبيئية كثيرة. قامت الرأسمالية بتحويل كل شيء إلى مادة، وأدت سياسات الدولة المتسلطة إلى تفاقم الظلم (الفقير مقابل الغني، الظالم والمظلوم، الحاكم والمحكوم، المالك والعبد). أصبحت المجتمعات تعاني من الجمود العقلي، وظهرت أزمات أخلاقية وروحية كبيرة. الإنسان بات كمن وضع في فم الأسد ليُفترس نفسيًا وروحيًا.
الرأسمالية سعت إلى تحويل الإنسان إلى آلة، تتحكم به السوق الكبيرة والشركات التجارية التي خلقت أزمات اقتصادية ونفسية واجتماعية. أصبحت فلسفة الحياة اليومية تقوم على “عِش اليوم فقط”، دون تفكير بالمستقبل أو استفادة من الماضي. أما في العصور القديمة، فكان الاقتصاد قائمًا على تبادل ما هو ضروري فقط، بينما النظام الرأسمالي جعل الاقتصاد والتجارة في خدمة مصالح فئة قليلة.
في القرون 18 و19 و20، تحوّل الإنسان إلى كائن ميكانيكي، وبدأ اللعب بمصيره وكسر معنوياته. التكنولوجيا أيضًا ساهمت في نشر العنف والإجرام وإفساد العقول خاصةً لدى الشباب، من خلال الترفيه الفارغ والابتعاد عن كشف الحقيقة. نعم؛ هناك تطورات علمية واكتشافات مهمّة، لكنّها جرت ضمن إطارٍ ضيّق يخدم الرأسمالية والدولة القومية التي بدورها قسّمت المجتمع، وخلقت التفرقة بين الأديان والطوائف والمذاهب، ووضعت المادة قبل القيم، وأخضعت المرأة لتكون مجرّد “متاع” أو “وسيلة للزينة”، وسجنتها داخل قفص مليء بالتزييف. لكن رغم كلّ هذا حافظت المرأة على روحها الأمومية. لم تستسلم المرأة عبر التاريخ، بل قاومت واحتفظت بأخلاقها وإنسانيتها لأنّها بطبيعتها تعيش روح الكومين.
كما ذكرنا؛ فالكومين هو التجمّع البشري القائم على أساس ديمقراطي، هدفه بناء مجتمع أخلاقي وسياسي واقتصاد تشاركي. إنّه نموذج لـ ”الاقتصاد الكومينالي” أي اقتصاد جمعي تعاوني يؤمّن الاحتياجات دون الحاجة إلى استغلال الآخرين. في جوهره؛ المجتمع هو حدث “كومونالي”، وتجسيده يتمثّل في “الكلان”، أي التجمّع الجماعي. عبر الكومونالية؛ تُنتج حلول للمشاكل المجتمعية، وتتشكّل إدارات ديمقراطية ذاتيّة تبدأ من الحيّ، حيث تُناقش جميع الأمور وتُخطط وتُطبّق وفق نموذج التنظيم الكوموني. يستطيع الكومين الدفاع عن نفسه لأنّه يعتمد على القواعد الأخلاقية والأنظمة الديمقراطية، ومن خلال الأكاديميات المجتمعية التي تساهم في بناء الوعي والمعرفة والتخطيط. هنا؛ تلعب المرأة دورًا كبيرًا في بناء الكومينات، فهي القادرة على الجذب والتنظيم والدفاع، لأنّها عانت من الحداثة الرأسمالية وتبحث اليوم عن إثبات إرادتها. المرأة مرتبطة ميتافيزيقيًا بروح الكومين، روح الجماعة، وهذه من خصائصها التي تجعلها صامدة ومتماسكة. فالكومين نموذج متطوّر في الشرق الأوسط، ومن خلاله يمكن حل المشاكل الاجتماعية.
المفكر عبد الله أوجلان الذي ربط تحرر المجتمع بتحرر المرأة يؤكّد أنّ أيّ ثورة لا تضع قضية المرأة مركزها ستفشل في بناء مجتمع قائم على الحياة النِديّة، كما أراد دمج تحرر المرأة وبناء الكومين وذلك بهدف خلق نموذج بديل عن الدولة القومية المستبدّة وأحد دعائم الرأسمالية. هذا الدّمج يُطبّق اليوم في مناطق شمال وشرق سوريا التي شهدت ثورة عظيمة بريادة المرأة نتج عنها مشروع ديمقراطي قائم على الكومينالية، مما يعكس فكر الفيلسوف عبد الله أوجلان حول الحرية والديمقراطية.
هنا يُمكنني القول؛ إنّ الكومين ليس مجرّد هيكلٍ إداري بل وسيلة لإحياء الروح الجماعية بين الفرد والمجتمع كونه يُساهم في حماية الهويات الأثنية والدينية والثقافية. بالتالي يُعتبر الكومين نمطاً جديداً من أنماط الحكم الديمقراطي الذي يُشرك الجميع وخاصّةً النساء في إدارة شؤون حياتهم اليومية، كما أنّه خطوة جديدة نحو حياة كريمة تليق بنضال شعوب المنطقة وتاريخها المشرق.
