الكومين بدلاً من الدولانية القوموية – أمينة أوسي
الكومين بدلاً من الدولانية القوموية

“ يُعتبرُ الكومين الأساس الحقيقي للديمقراطيّة
لأنّه يعتمدُ تنظيمَ المجتمع من الأسفل إلى الأعلى،
ويقلّصُ دورَ المركزيّة مع منع الاحتكار السياسي والاقتصادي والثقافي
مما يُساهم في إعادة التّوازن إلى بنية المجتمع،
ويُعزّز الثّقة المجتمعيّة والتّضامن”
أمينة أوسي
كل الأزمات التي نشهدها لها جذور تتعلق بأزمة الوعي المجتمعي والمعرفي منه على وجه الخصوص، فانتفاء المستوى المعرفي من أوساط الحياة الاجتماعية وعلى رأسها السياسية خلقت على الدوام ما يُعرف بالأزمة، والأزمة السورية أساسًا تندرج بشكلٍ مباشر ضمن المقايسة العملية لمثل هذا الانتفاء.
بالحديث عن مفهوم السيادة بالمفهوم الحقيقي وليس من مصنع التشدّق التعليلي؛ هو الحديث عن القانون الكلّي الذي يصنعه الأفراد كلّهم أو المؤسسات كلّها أو المكونات أجمعها – كما في الحالة السورية- وغياب التعريف (شكلاً ومضموناً) أدى إلى غياب المفهوم ممارساتياً. أمّا مفهوم الدولة الذي يسبق مفهوم السيادة من حيث الزمان والتفصيلات المؤدّية إلى التكوّن، وإنّ الدولة التي تسبق أو أُحيل لها أن تسبق كل الوظائف المجتمعية الموجودة في بوتقة الدولة؛ أفشلتها لعدة أسباب، أهمها تباعد الأدوار الوظيفية، وتباعد السيمائيات البنيوية لمصطلح الدولة ضد عموم البُنى المعرفية المتشكّلة لمجتمع يسبق الدولة و(يُقَونِن) كل الظواهر في المجتمع في أصولها.
حتى تكون الدولة تلزم السلطة، والسلطة دائماً على باطل، خاصّةً إذا ما تم أخذ عامل الزمن بعين الاعتبار. زمنية تشكيل الدولة وديمومتها حتى تتكون؛ لا تنتج مفاهيم مثل “الثقافة والمدنية والسياسة والأخلاق والقانون والديمقراطية المباشرة والاقتصاد بالمتناول الحقيقي الملموس ومعمول بكل هذه الأساسيات المجتمعية وفق قوانين ناظمة لروح المجتمع”.
إذا أخذنا الأزمة السورية الحالية وفق هذا الفهم؛ فإنّ أي مشروع حل سياسي لا يراعي هذه الحالة أو “المظاهر الظرفية التاريخية في سوريا” سيكون بمثابة إعادة إنتاجٍ للاستبداد – ربّما- في صيغة الوسطية الظاهرة ذات البنية المتآلفة مع الصيغ المستبدة القديمة. فإذا اعتبر أنّ الكرد كقضية على أساس ثالوثها – الأرض والشعب والتاريخ- بحاجة إلى الحل، يفرض على الدوام إشكاليات الحل والأسئلة الناجمة عنها:
هل يكمن الحل في تأسيس الدولة الكردية؟ وإذا كان هو الحل؛ ما الغاية من الدولة؟ وإذا كانت غايتها هي مقايسة الذات الكردية المُغيّبة من قبل الاستبداد بكل أنواعها وتحقيق الحق الكردي؛ فهل سيكون عبر الجغرافية فقط أم عن طريق تحرير الوعي الشعبي؟ وهل نجحت الدول الناشئة أو التي تم تنشئتها في تحرير مجتمعاتها؟
من المؤكّد بأنّه وفي كل لحظة؛ توجد مطالب على شكل تساؤلات استراتيجية لم يتم حلّها بَعْدُ، ومثل هذه التساؤلات تحتاج إلى إجابات أو حلٍّ مُرْضٍ قبل الحديث عن أي شكل من أشكال الاستقرار. غالبًا ما تكون التساؤلات بجذور تاريخية عميقة (داخلي المنشأ) ومرتبطة في الوقت نفسه بنمطية صراعات معاصرة على النفوذ (خارجيُّ النفوذ). وفي هذا السياق فإنّه يتعذّر تعريف القضية الكردية بحالتها الراهنة، وهذا لا يتعلّق بسبب تفاصيل الحل المحلّي فقط والمتعثّر بدورها بطغيان الرفض الأغلبي من قبل المكونات الأخرى بعد إعمائها بالنفور والتشوفن طيلة السنين الماضية، بل بسبب وضعها الراهن المعقّد وتحوّلها إلى ملفٍ دولي أيضاً. ومن الخطأ ربط الحل باللّا حل- التقسيم والدولة- وإن كانت كذلك سنطرح السؤال الإشكالي الأول:
هل استطاعت كل الدول المستحدثة في الشرق دون استثناء أن تكون جالبة للتغيير وللحقوق وللمواطنة الحرة وأن تحقق الفردية النِديّة؟ لبنان كدولة، سوريا كدولة، السودان كدولة، تركيا كدولة…. كل الدول الشرق أوسطية كدول؛ هل استطاعت أن تحقق الجمال الاجتماعي والحق الاجتماعي كجزء أساسيٍّ من المهمات الواجب أن تحققها لشعوبها؟
لماذا الكومين؟
في ظل التحدّيات المتزايدة التي واجهت المجتمع في إدارة نفسه؛ ظهرت ضرورة تنظيمه من خلال كوميناتٍ تعتمد على المشاركة المباشرة من قبل الأهالي في اتخاذ القرار، بعيداً عن هيمنة الدولة المركزية ومؤسساتها البيروقراطية. نتيجة لذلك؛ توجّه المجتمع في روج آفا وشمال وشرق سوريا نحو تشكيل الكومينات، عندما تبنّى مشروع الأمة الديمقراطية المطروح من قبل السيد عبد الله أوجلان، ليُصبح المشروع السياسي الأمثل في حل الأزمات والفوضى في الشرق الأوسط.
بناءً على قراءتنا الصائبة للوضع السياسي ومستجدّاته المحتملة، وبقناعةٍ كاملة، بدأ أبناء شعبنا بتنظيم أنفسهم، متولّين إدارة شؤون المجتمع من خلال تشكيل كومينات في الأحياء والقرى والمدن، حيث لعبت دوراً فعّالاً في مناطقنا. كما لاحظنا المشاركة المباشرة من قبل الأهالي المتعطشين للحرية، والمتحلّين بالإرادة وتحمّل المسؤولية، في ظل نظامٍ قوميٍ شموليٍ كان طاغياً على سوريا لعقود طويلة.
لذلك؛ يُعتبر الكومين أداةً تمثيليةً حقيقية لإدارة الشعب، حيث لا غنى عنه لضمان استدامة الموارد وحماية مصالح الجميع، وبنفس الوقت يتيح الفرصة للمجتمع في إدارة نفسه من جميع الجوانب بشكل جماعي ومسؤول، مما يحقق توازناً بين فئات المجتمع ويمنحه فرصة إدارة شؤونه.
كما أنّ هذا التنظيم يعزز قيم التعاون والعدالة والمشاركة، ما يُرسّخ الروابط الاجتماعية ويقوي النسيج المجتمعي، ويحافظ عليه من أي تهديد محتمل في ظل الفوضى المتفشية في عموم المناطق الأخرى من سوريا.
فالكومين ليس مجرّد تنظيم إداري محلّي فقط، إنّما هو تجسيد عملي لمبادئ الديمقراطية المباشرة، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة البيئية، لأنّه من خلال الإدارة المشتركة يمكن تقليل الأضرار البيئية وضمان بقاء الموارد الحيوية ومشاركتها المجتمعية، مشجّعاً الأفراد على المشاركة في صنع القرارات المتعلّقة بإدارة الموارد وحل المشاكل اليومية بوسائل محلية وفعّالة دون الحاجة إلى انتظار قرارات من الأعلى، والمساهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
لذلك؛ يُعتبر الكومين الأساس الحقيقي للديمقراطية لأنّه يعتمد تنظيم المجتمع من الأسفل إلى الأعلى، ويقلّص دور المركزية مع منع الاحتكار السياسي والاقتصادي والثقافي، مما يُساهم في إعادة التوازن إلى بنية المجتمع، ويعزز الثقة المجتمعية والتضامن. فالكومين يُعد بمثابة منصّة لتحقيق المساواة بين الجنسين، بالإضافة إلى تحقيق العدالة بين كافة فئات المجتمع، بغض النظر عن الدين والجنس والقومية، ويقوم بتنظيم وإدارة شؤون المجتمع اليومية مثل التعليم، والاقتصاد، والأمن، وحتى العلاقات الاجتماعية، ويُرسخ الإحساس بالمسؤولية والانتماء.
دور المرأة في الكومين
المرأة هي الركيزة الأساسية في بناء الكومين، كما تلعب دوراً قيادياً في وضع السياسات، وإدارة اللجان، والمراقبة المجتمعية، حتى تتمكن من التحرر من الذهنية الذكورية، وتفتح أمامها المجالات لتكون فاعلة ومقرّرة في شؤون المجتمع، وذلك من خلال نظام الرئاسة المشتركة، وهو ما يعكس فلسفة المساواة الحقيقية في القيادة.
كما تُصبح المرأة قادرةً على إدارة لجان الصحة، والتعليم، والاقتصاد، والثقافة، والأمن، وذلك بوجود تمثيلٍ إلزاميٍّ للنساء في كل لجان الكومين، بالإضافة إلى وجود لجان نسوية مستقلّة تعمل على تنظيم شؤون المرأة بشكلٍ مباشر، وتدافع عن حقوقها ضمن المجتمع، وتكافح الذهنية الذكورية من خلال وجودها الفعّال ضمن الكومينات. فوجود المرأة يُساهم في تفكيك النظام الأبوي التقليدي، ويُعيد بناء العلاقات الاجتماعية على أسس العدالة والمساواة، مما يساهم في تربية وبناء الأجيال على ثقافة تشاركية خالية من التمييز الجنسي، كما تشارك المرأة في لجان الحماية الجوهرية، وترسّخ مفهوم الأمن المجتمعي بدلاً من أمن السلطة الذكورية الذي كان قائماً في السابق. بذلك تتحول المرأة من ضحية للعنف إلى قوّة فاعلة لها مكانتها في المجتمع من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فهذه التنظيمات تتيح للمرأة تأسيس تعاونيات نسوية ومشاريع إنتاجية تهدف لمنح الاستقلال الاقتصادي لها، كما وأصبح لها دور مميز في إحياء الثقافة والتراث واللغة في مناطق الإدارة الذاتية. رغم التحديات الكبيرة نستطيع القول بأنّه لا يمكن بناء كومين ديمقراطي دون قيادة المرأة بانية المجتمع الحضاري وناشرة ثقافة الحياة الحرة.
أهم التحديات التي تُعرقل تشكيل الكومينات بشكلها الحقيقي:
- غياب الثقافة الديمقراطية وعدم ثقة أفراد المجتمع بأنفسهم وبإدارة شؤونهم.
2- عدم التحلّي بروح المسؤولية اتجاه الجميع وضعف التعاون والتضامن فيما بينهم، إضافةً للتشكيك بقدرة النساء على تحمّل المسؤولية نتيجة العادات والتقاليد البالية، لذا فإنّ من واجب الجميع التركيز على توعية المجتمع من خلال إخضاعه لدورات تدريبية في الأكاديميات.
إنّ الفوضى العارمة المستشرية في بلدان الشرق الأوسط تُظهر للوسط حقيقة إفلاس حل الدولتية القومية وتشاطر السلطة بكل نواحيها وبكل سطوعها. فهذه الفوضى أسقطت كافة أقنعة الدولتيات القومية بكل أشكالها القائمة التي عجزت عن تقديم نفسها كمحررة لشعوبها بالدرجة الأولى، وأن تكون ممثلة لشعوبها في السباقات العالمية بالدرجة الثانية من مبدأ التلاقح الحضاري وتنافسها. بل إنّ قوة الحل متمثّلة بالإدارات الذاتية الديمقراطية وكونفدرالية الشعوب وإسقاط كافة أشكال المركزية، أي أنّ أراضي كردستان التي شكّلت مهدًا لبزوغ فجر الحضارة ماضياً؛ ستشكّل هذه المرّة مهدًا لبزوغ فجر الكونفدرالية الديمقراطية والديمقراطية الراديكالية – المباشرة- والحقيقية.
ثمّة قاعدة في الطبيعة مفادها أنّ كل شيء ينمو مجدداً على جذره. وصيغة الإدارة الذاتية الديمقراطية تُعتبر بمثابة (معايرة) متقدّمة للظرف السوري الحالي المقلق وذو الكثافة العالية من التشابك والتعقيد، مثل هذه الصيغة المعمول بها فعلياً منذ إحدى عشر سنة تقريبًا، تُعتبر من الرؤى النهضوية المتقدّمة وتحقيق مسألتي التحوّل والتغيير اللتان تضمنان حلّ كل الأزمات والمشاكل وأهمها حل للقضية الكردية، واعتبارها من أسس الحل الكلّي في سوريا. لكن في كل مرة سنجد بأنّ الركن الأساسي في هذه الانطلاقة متمثّلة بالكومين، وبإدارة الكومينات الفعليّة للمجتمع بصلاحيات فعلية وواقعية.
