كيف يمكن للكومون أن يصبح أسلوب حياة؟ هيفيدار خالد

كيف يمكن للكومون أن يصبح أسلوب حياة؟

“يبرزُ وجهُ الاختلافِ بين نظامِ الدّولة ذو الطّابع الذّكوري

 والكومون الذي يربطُ ما بينهُ وبين المرأة الكثير،

 فالكومون يعتمدُ على الرّوح الجماعيّة،

أمّا النّظامُ الدولتي فهو يدفعُ نحو التفرقة ما بين المجتمعات،

 ومحاربةِ الرّوح الكومينالية”

 

هيفيدار خالد

عادت أهميّة الكومون إلى الواجهة من جديد مع إطلاق المفكّر عبد الله أوجلان مرحلة السّلام والمجتمع الديمقراطي، وتغيير استراتيجية النضال، وإعداده مانيفستو السلام والمجتمع الديمقراطي، وإعلان حزب العمال الكردستاني حلّ نفسه وإنهاء الكفاح المسلّح الذي دام أربعة عقودٍ من الزمن، بُذلت خلال تلك العقود جهودٌ حثيثة على طريق الحياة الكومينالية الحرّة، ومساعٍ مثمرة من أجل تحقيق المجتمع الديمقراطي السياسي والأخلاقي القائم على الروح والأخلاق الجماعية والتشاركيّة، المناهضة لروح الفردانية الحداثوية التي يفرضها نظام الحداثة الرأسمالية العالمية عنوة على الشعوب القديمة والعريقة في المنطقة، ويحاول جاهداً ترسيخها وتكريسها في المجتمع بهدف القضاء على قيمه الأخلاقية الأصلية والقيّمة. يؤكّد الفيلسوف عبد الله أوجلان في لقاءاته مع وفد إمرالي مرارًا على أهمية الحياة ضمن الكومون في المجتمع، كما يُشيد بدوره الحيوي في الرّفع من شأن الحياة الجمعية، ويُنوّه إلى أنّ الكومون شرط أساسي ونموذج أمثل لأفراد المجتمع.

نظام الحداثة الرأسمالية المتغطرس على وشك غزو العالم بالتكنولوجيا الحديثة التي أتقنها من أجل تكريس هيمنته وسلطته على العالم بشكلٍ كامل، ووصل إلى القمّة مع ما يسمّى بالذكاء الاصطناعي، وتمكّن من القضاء على القيم الإنسانية الحيّة في المجتمع كافةً، فقد جُرّد الإنسان من روحه وكيانه، واليوم يحاول فصله عن جذوره إلى أن وصلت الحال به إلى تجريد الفرد من فكره، فصنع آلات وروبوتات آلية تفكر وتقرر عنه وتحدد مصيره أحيانًا، وتكتب وتتحدث نيابةً عنه، وتسمع عنه، ليُشكّل بذلك مرجعه الأساسي في كل شيء، ولا يمكن له التخلّي عنه أو التفكير خارج الإطار الذي يُحدّد له، بمعنى لا يمكن التفكير خارج الصندوق كما يُقال، ويقتل فيه روح الإبداع والتحدّي والنّضال والمقاومة والصمود والمواجهة والعطاء ويبقيه مشلولًا.

النّظام العالمي الذي يُهيمن على العالم ويستمر حكمه من خلال نظام الدولة القومية الذي يُعد النموذج البدائي الفاشي، ويشهد تراجعًا لافتًا يومًا بعد آخر، ويفقد الألق الذي كان يتباهى به عبر التاريخ، ويخدع من خلاله المجتمعات الأهلية الأصلية، ويستهدف البيئة والطبيعة معًا، ويُكبّد الإنسان خسائر كبيرة محاولًا بذلك النيل من كلّ شيء عبر شعارات رنانة مُستهلَكة عفا عليها الزمن، ولم يجلب للشعوب سوى التخلف والانغلاق والتشدد والفشل وهدر دماء الأبرياء والتفرقة فيما بينهم، وزرع روح الفتنة بين الشعوب والثقافات والمعتقدات. الإنسان الذي يُعدّ بطبعه عنصرًا اجتماعيًّا لا يمكنه العيش منعزلًا عن الآخرين ومن غير الممكن أن يعيش وحيدًا، أصبح اليوم وحيدًا لا حول له ولا قوة مع هاتفه الخلوي وعالمه الافتراضي القابل للانهيار في أي لحظة وبثانية واحدة إذا ما توقف النظام الإلكتروني عن العمل وتوقفت شبكات الإنترنت حيث يُقيم.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا؛ كيف لهذا الإنسان الاجتماعي أن يتحول إلى إنسان فردي انطوائي يُفضّل العيش وحيدًا، ولا يريد مشاركة الحياة مع الآخرين؟ بل يكتفي بالعيش مع وسائل التكنولوجيا الحديثة التي جرّدته من قيمه الاجتماعية والأخلاقية كافةً، وتمكّنت من فصله عن الجماعة التي يعيش معها، ونسفت روحه الكومينالية التي اكتسبها بالفطرة من محيطه الطبيعي الذي كان يعيش فيه بين مجموعات وقبائل وكلانات (كانت نموذجًا حيًّا ضد ذهنية الدولة آنذاك)، ووحدات صغيرة كانت سببًا رئيساً في بقائه وحمايته من الموت والزوال. الفرد في نظام الدولة اليوم يُفضّل المدينة وضجيجها على القرية وحياتها الهادئة النظيفة الطبيعية. الإنسان لم يعد كالسابق من حيث قيامه بمشاركة آلام الذين يعيشون من حوله وهمومهم. كل ذلك إنّما هو نتاج سياسات نظام الدولة القومية الجاثم على الصدور، مُخلّفًا وراءه كوابيس مدمّرة على الجميع.

نعود إلى موضوع الكومون وأهميته باعتباره الوحدة التي تُساهم في إدامة المجتمع وحمايته وتطويره، وهذا ما يقوله المفكر عبد الله أوجلان منذ البداية وحتى يومنا هذا، ويؤكّد أنّه لا يمكن للفرد والمجتمعات أن تستمر ديمومتها دون العمل في الكومون، ودون إنشاء الكومونات في القرى والبلدات والمدن الصغرى والكبرى كافةً. الحياة الحرّة ممكنة عبر التنظيم في الكومون، وإذا خرج الفرد من الكومون لا يُمكن له أن يستمر في حياته بشكل طبيعي. للمرأة دورٌ كبيرٌ في تطوير العمل الجماعي الكومينالي، والتاريخ الإنساني شاهد على ذلك كيف قادت المرأة المجتمع الطبيعي وطوّرت الزراعة وأدوات الإنتاج، ووفّرت سُبل العيش للمجتمعات البشريّة.

من هنا؛ يبرز وجه الاختلاف بين نظام الدولة ذو الطابع الذكوري المهيمن، والكومون الذي يربط ما بينه وبين المرأة الكثير. فالكومون يعتمد على الروح الجماعيّة والعيش والتكاتف والعمل معًا، أمّا النظام الدولتي فهو يدفع نحو التفرقة ما بين المجتمعات والشعوب والثقافات، ومحاربة الروح الكومينالية، والاندفاع نحو التخلف وخلق النعرات الطائفية والعرقية ما بين الأقليات الدينية والعرقية دومًا.

في وقتنا الحالي؛ يستطيع الكومون أن يلعب دورًا مصيريًا في تطوير المجتمع لأنّه الأساس، وهو الذي ينقذه من الحروب التي تخلقها الدولة القومية وتخلق الأزمات الاقتصادية. بالكومون يستطيع المجتمع تأمين اقتصاده المجتمعي، وذلك من خلال الجمعيات والتعاونيات الاقتصادية التي تتخذ من تأمين فرص العمل للأفراد في المجتمع هدفاً، لا السعي والهرع وراء الأرباح والمبالغ الكبيرة. كما أنّ المجتمع يستطيع عبر تشكيل كوموناته أن يُنظّف مدينته ويحميها من كل شيء، ذلك عبر تأسيس لجان الحماية الذاتية في القرى والمدن ونشرها في الأماكن كافةً، وإنشاء وحدات خاصة تساهم في إدارة منظومة الحماية المجتمعية.

يقول المفكّر عبد الله أوجلان في مانيفستو المجتمع الديمقراطي عن الكومون إنّ “الكومون يعني البلدية، لكنّها أصبحت خاوية من المضمون”، ويؤكد أنّ “الكومون في حقيقته هو جماعية كبرى، هو الكلان. حتى الأسرة هي كومون لكنّها أُضعِفت جدًّا وأُفرغت من مضمونها. البلديات أُفرغت من مضمونها، وبقايا العشائر والقبائل موجودة، لكنّها أيضًا مفرغة”. إذاً كيف يمكن لنا إعادة روح الكومون من جديد؟ وإعادة الألق للبلديات لتعمل بين صفوف الشعب، وتؤمّن لهم كل متطلبات الحياة الأساسية ومقوماتها المطلوبة، ومحاربة ذهنية الدولة القومية التي تُحفّز على التطفل والهدر والبطالة وقتل المواهب في المجتمع الكومينالي المتحرر، من رُسُب الدولة التي تغتصب أسمى القيم الإنسانية التي يجب أن يتحلّى بها الإنسان؟

يجب على الجميع العمل وفق هذه المبادئ من أجل تحقيق المجتمع الديمقراطي والأخلاقي والسياسي، وذلك من خلال النضال في وجه الثلاثية التي يُعرّفها المفكر عبد الله أوجلان في مرافعاته باسم “فرسان المحشر الثلاثة” ألا وهي: “الرأسمالية والدولة القومية والصناعوية”.

في الخُلاصة؛ الكومون هو السبيل نحو الخروج من بين فكّي كمّاشة نظام الإبادة الذي يعمل على ترسيخه نظام الدولة القومية التي باتت تعيش اللحظات الأخيرة من عمرها. دون الكومون لا يُمكن للأفراد الزّعمُ بأنّهم على طريق حياة كريمة تليقُ بهم وبتاريخهم المشرق. الكومون هو سر بقاء الجميع مُنظّمين أحرار، سائرين نحو تحقيق حياة اشتراكية إنسانية.