دور المرأة في الحياة السياسية – هيفين إسماعيل
دور المرأة في الحياة السياسية

“لنتّجه نحو أفقٍ أكثر إنصافاً يجب أن نعي أنّ السّياسة
ليست ساحة صراعٍ لإثبات القوّة،
بل مساحة لصياغةِ المستقبل الجّماعي،
والمرأة أثبتت أنّها قادرة على فعل ذلك بحكمة
واتّزان وبُعد نظر”
هيفين إسماعيل
لطالما خُيّل للكثيرين أنّ السياسة ميدانٌ صارم، تحكمه الصراعات، والانفعالات، والتّحالفات المبنيّة على النفوذ الذكوري، فصُوّرت كعالم لا مكان فيه للدبلوماسية الناعمة أو التفاوض المتّزن، غير أنّ النساء حول العالم أثبتن العكس تماماً، أثبتن أنّ السياسة لا تقتصر على الهيبة الذكورية بل تتطلب بُعداً إنسانياً وشمولياً، كما أعدنَ تعريف معايير القيادة السياسية بالحكمة وبعد النظر والقدرة على بناء جسور الثقة.
في القرن الحادي والعشرين لم يعد من المقبول التعامل مع السياسة على أنّها “نادي الرجال المغلق”، بل بات يُنظر إلى تمثيل النساء على أنّه مرآة حقيقية لواقع المجتمعات، وجزءٌ لا يتجزأ من التنمية الديمقراطية.
تاريخياً؛ كانت مشاركة النساء في صنع القرار السياسي محدودة إن لم تكن معدومة، سواء بسبب قوانين تمييزية تمنع التصويت، أو أعراف اجتماعية تحتكر المجال العام للرجال. مع ذلك؛ تمكّنت النساء عبر نضالات شاقة وحركات نسويّة محلية وعالمية، من تفكيك هذه القيود جزئياً.
لم يكن الطريق سهلاً لكنّه كان مثمراً بالحد الأدنى، فقد بدأت النساء بتشكيل كتلٍ مؤثرة في البرلمانات والمجالس المحلية والحكومات، بل وصل بعضهن إلى قمّة الهرم السياسي، رافعات راية التغيير الشامل، من خلال تبني قضايا شعبية وتمثيل أصوات غائبة عن مراكز السلطة.
حسب بيانات الاتحاد البرلماني الدولي (IPU)، بلغت نسبة النساء في البرلمانات العالمية عام 2023 حوالي 26.7٪، وهي أعلى نسبة تُسجّل في التاريخ على الإطلاق، لكنّها لا تزال تعكس خللاً واضحاً في تحقيق التمثيل المتوازن، ما يُشير إلى أنّ النضال مستمر والمسيرة طويلة.
هناك عددٌ لا محدود من التجارب النسائية التي غيّرت القواعد السياسية العالمية، و من المهم أن نسلّط الضوء على بعض النماذج السياسية النسوية التي أثبتت عبر تجاربهن أن القيادة النسائية ليست فقط ممكنة، بل إنّها تضيف بُعداً جديداً للسياسة المعاصرة منها:
- جاسيندا أرديرن – نيوزيلندا: عُرفت بجمعها بين الحزم والرحمة، فعندما واجهت بلادها هجوماً إرهابياً على مسجديّ كرايستشيرش، قادت استجابة غير مسبوقة، وتحدّثت بلغة موحّدة، وأقرّت إصلاحات سريعة لضبط حيازة السلاح، سياسة جاسيندا إنسانية الطابع، جعلت من القيادة فعل رعاية لا مجرّد سلطة.
- سيريا كالا – بوليفيا: كونها أوّل امرأة من السكان الأصليين تتبوأ منصباً وزارياً، واجهت تحديات مركبّة. لم تقتصر مساهمتها على التمثيل الرمزي، بل سعت فعلياً إلى تغيير البنى التقليدية عبر تمكين المجتمعات المهمّشة، ورفعت الصوت ضد التمييز المزدوج العرقي والجنسي وساهمت في إعادة تعريف الهوية السياسية في بوليفيا.
- ماري روبنسون – إيرلندا: أوّل رئيسة لإيرلندا (1990–1997) ، وهي محامية تُعرف بنضالها في مجال حقوق الإنسان، رفعت من شأن إيرلندا دولياً، وبعدها توّلت منصب مفوّضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، حيث خاضت معارك دفاعًا عن العدالة الدولية.
- إلين جونسون سيرليف – ليبيريا: حصلت على لقب “المرأة الحديدية الإفريقية”. أعادت بناء دولة منهارة بعد الحرب، وركّزت على تعليم الفتيات، وتقوية البنية الصحية، وتمكين النساء اقتصادياً، ومكافحة الفساد، ما جعلها من أبرز رموز القيادة النسائية في إفريقيا.
- ليندا توماس-غرينفيلد – الولايات المتحدة: مندوبة أمريكا الدائمة لدى الأمم المتحدة، قدّمت نموذجًا دبلوماسياً إنسانياً في المحافل الدولية يعتمد على بناء الجسور والاحترام المتبادل، مثّلت صوتاً نسوياً صاعداً في صناعة القرار الدولي، خاصة في ملفات الأمن الغذائي والعدالة المناخية وسعت لخلق تحالفات قائمة على الاحترام لا الهيمنة.
المرأة في السياسة: إضافة أم تصحيح مسار؟
الزعم بأنّ النساء يشكّلن “إضافة” للسياسة يُعد تبسيطاً لدورهن، بل بلغةٌ أخرى يُعدّ تحريفاً. في الواقع إنّ تمثيلهن هو تصحيحٌ لمسارٍ إقصائي قديم، وإعادة تعريف لمفهوم الشرعية السياسية، فالنساء لا يطرحن فقط قضايا الجندرة، بل يجلبن رؤى متعددة في ملفات الاقتصاد، البيئة، الصحة، الأمن والتعليم.
هناك عدّة أرقام وإحصائيات عالمية تُثبت التأثير الإيجابي للنساء، حيث تشير دراسات إلى أنّ مشاركة النساء في البرلمانات تؤدي غالباً إلى اعتماد قوانين اجتماعية أكثر تقدماً، وتقلّ فيها نسب الفساد، وتُقدّم خلالها سياسات أكثر مراعاة للبيئة والعدالة الاجتماعية. كما يُعرف عن القيادات النسائية تعزيز الشفافية وإشراك المجتمعات المحلية في صنع القرار.
رغم النجاحات؛ إلا أنّ النساء ما زلن يواجهن تحديات بنيوية تقف عائقاً أمام مشاركتهن السياسية الفاعلة منها:
- العنف السياسي: من التهديدات الإلكترونية إلى حملات التشويه الإعلامي.
- التمثيل الرمزي: حين تُختار النساء لمناصب دون صلاحيات حقيقية.
- نقص التمويل: وهو ما يعيق حملاتهن الانتخابية.
- الثقافة النمطيّة: مجموعة من الأفكار والمعتقدات المسبقة حول دور المرأة وقدراتها، والتي ما زالت تؤثر على تقييم المجتمع لقدرة المرأة على القيادة.
إذا أردنا الاتجاه نحو مشاركة سياسية منصفة، وأن نضمن تمكين حقيقي للنساء سياسياً واجتماعياً، يجب تفعيل سياسات تدعم مشاركتهن منها:
1- تبنّي حصص تمثيلية (كوتا) فعّالة تضمن مشاركة النساء في المراكز القيادية، ذلك من خلال تخصيص مقاعد أو نسب محددة لهن في المجالس التشريعية والمنتخبة.
2- إطلاق برامج لتدريب القيادات النسائية الشابة: من خلال توفير برامج تدريبية متخصصة، يمكن بناء قدرات النساء الشابات وتمكينهن من تولي المناصب القيادية ومسؤولية التغيير.
3- تمويل الحملات النسائية وتوفير منصات إعلامية مُنصفة: يجب توفير الدعم المالي للحملات الانتخابية التي تقودها النساء، بالإضافة إلى توفير منصات إعلامية عادلة لنشر أفكارهن وبرامجهن.
4- مراجعة القوانين الانتخابية لضمان بيئة خالية من التحيّز: تهدف هذه المراجعة إلى ضمان أن تكون القوانين الانتخابية عادلة وشاملة، ولا تضع أي عوائق أو تحيّزات ضد مشاركة المرأة في العملية الانتخابية.
كما يجب أن ندرك أنّ السياسة ليست ساحةً للصراع من أجل الهيمنة أو استعراض القوة، بل هي إطارٌ جامعٌ لصياغة مستقبلٍ مشترك يقوم على العدالة والكرامة الإنسانية. فالسياسة في جوهرها أداةٌ لإدارة الاختلافات وتحويلها إلى قوةٍ بنّاءة لا إلى معارك تُنهك المجتمع وتبدد طاقاته. هنا يبرز الدور الفريد للنساء اللواتي أثبتن في مختلف المراحل التاريخية أنهنَّ قادرات على ممارسة السياسة بمنطقٍ مختلف، منطق يقوم على الحكمة والاتزان والرؤية البعيدة المدى.
لعلّ التجارب الحديثة في مناطق عديدة ومنها شمال وشرق سوريا، أظهرت أنّ المجتمعات التي منحت النساء دوراً محورياً في صياغة مستقبلها، استطاعت تحقيق خطوات ملموسة في بناء السلام، ترسيخ العدالة، إعادة صياغة مفهوم العيش المشترك.
فالنساء في شمال وشرق سوريا لعبن دوراً محورياً في بناء نموذج ديمقراطي جديد وفريد قائم على المساواة والعدالة. لم يقتصر دورهن على المشاركة الميدانية في الدفاع عن الأرض، بل امتدّ إلى قيادة المجالس والمؤسسات من خلال نظام الرئاسة المشتركة، وصياغة السياسات التي تعزز التعايش بين المكونات.
إن إشراك النساء في صياغة السياسات يفتح المجال أمام مقاربات جديدة لحل النزاعات، لذلك فإنّ حضور النساء لم يقتصر على الدفاع عن حقوقهن، بل شمل الدفاع عن حقوق كل الفئات المهمشة. بالتالي حين تكون السياسة مساحة مفتوحة للجميع، يصبح المستقبل أكثر أماناً وأكثر إنصافاً.
لذلك؛ آن الأوان أن نكفّ عن تكرار السؤال التقليدي هل تصلح النساء للسياسة؟ فهذا السؤال تجاوزه الزمن وإجابته واضحة في كل تجربة نسوية ناجحة غيّرت مسار التاريخ وفتحت أبواب الأمل لمجتمعاتها. لم يعد النقاش حول أهليّة النساء للمشاركة في القرار، بل حول الخسائر الفادحة التي تتكبدها المجتمعات حين يتم تهميشهن أو إقصاؤهن عن دوائر صنع السياسات.
فما الذي نخسره فعلاً حين نصف المجتمع يُستبعد عن صياغة المستقبل؟ نخسر الحكمة التي تراكمتها عبر الأجيال، نخسر الرؤية الشاملة التي تنظر إلى الإنسان قبل السلطة، ونخسر القدرة على بناء حلول جذرية وعادلة تُلبي حاجات الجميع، بالإضافة إلى أنّنا نفقد فرصة حقيقية لتحقيق السلام، والتنمية المستدامة.
النساء لا يطلبن الإذن لدخول عالم السياسة، فهن أثبتن بأفعالهن لا بأقوالهن أنّ السياسة لا تكتمل دون بصمتهن. في كل مكان شاركت فيه النساء بفاعلية، كان التغيير أعمق وأصدق لأنّهنّ يحملن في قراراتهن بُعداً إنسانياً يجعل السياسة أداة للبناء لا أداة للصراع.
ربما حان الوقت لنعيد تعريف مقاييسنا، أن نتوقف عن قياس السياسة بعلوّ الصوت، وضجيج الشعارات، ونبدأ بقياسها بالأثر الأعمق الذي يتركه القرار في حياة الناس. فحين تصبح السياسة مساحة لتحقيق العدالة والكرامة للجميع، عندها فقط يمكن القول إننا نسير نحو مستقبل أكثر إنصافاً وازدهاراً.
