الحياة الكومينالية مشروع تحرري بديل في مواجهة التمييز والهيمنة – خديجة بكر
الحياة الكومينالية مشروع تحرري بديل في مواجهة التمييز والهيمنة

“الحياةُ الكوميناليّة تسعى إلى إعادةِ بناءِ العلاقةِ بين الإنسانِ والطبيعة،
وبين الفردِ والمجتمع على أسس أخلاقيّة وتشاركيّة
لا تستندُ إلى الرّبح أو السّيطرة بل إلى التّضامنِ والعدالة،
وتعتمدُ على التشاركيّة وتطوير الذّات في خدمةِ المجتمع“
خديجة بكر
تعيشُ المجتمعات البشريّة اليوم في ظلّ أنظمةٍ اقتصادية وسياسية واجتماعية أنتجت الكثير من التفاوتات, سواء على أساس الطبقة أو العرق أو الجنس أو حتى الانتماء الفكري. بينما تزداد الهيمنة النيوليبرالية على مقدرات الإنسان والحياة، برزت نماذج اجتماعية بديلة تسعى إلى قلب الموازين واستعادة المعنى الحقيقي للعيش المشترك.
ما مزّقته وبعثرته تلك الأنظمة القمعيّة نظّمته الحياة الكومينالية في الإدارة الذاتية الديمقراطية، بتشارك مكونات المنطقة في إدارة وتنظيم نفسها بما يتناسب مع ظروف المنطقة، حيث تمزج الكومينات في شمال وشرق سوريا ألوانًا مختلفة من الشرائح والطوائف والأديان حتى باتت لوحة فسيفسائية تجسّد التعايش المشترك، وأخوة الشعوب الحقيقة التي افتقرت إليها المنطقة في ظلّ الأنظمة الديكتاتورية الفاشية التي انتهجت سياسة (فرق – تسد)، وخلقت النزاعات الطائفية، وتغلغلت في المجتمع حتى يتسنّى لها بسط سيطرتها عليهم. لذلك فإنّ الحياة الكومينالية كانت خير مثالٍ لمحاولة إعادة صياغة الحياة الاجتماعية وتنظيمها، بأسس عادلة وبطريقةٍ تشاركية أفقية.
الأساس الفلسفي للفكر الكومينالي
تنطلق الحياة الكومينالية من قراءة نقديّة لفكر الدولة القومية من قبل المفكر عبد الله أوجلان، والتي يراها مصدراً للاستبداد والتعصب العرقي والجنسي، والقمع القومي الذكوري المؤسساتي، والهيمنة الاقتصادية. في المقابل يقترح مشروع الأمة الديمقراطية كمفهوم بديل يقوم على الاعتراف بالتعددية القومية والثقافية، والتمثيل الشعبي، والتنظيم المجتمعي من الأسفل إلى الأعلى، وضمن هذا الإطار فإنّ الحياة الكومينالية ليست فقط آلية تنظيمية بل هي نمط وجود بديل يهدف إلى إعادة إحياء القيم المجتمعية الأصلية مثل التعاون والعدالة والتشاركية، والتعايش السلمي، والمشاركة الفعّالة بين أخوة الشعوب التي تم تدميرها عبر قرون من الدولة المركزية والرأسمالية الصناعية والهيمنة العالمية.
ماهي الحياة الكومينالية؟
الحياة الكومينالية أو الحياة التشاركية الجماعية تقوم على مبدأ المجتمع المنظّم ذاتياً حيث تُنتفَى فيه علاقات الهيمنة، وتحلّ محلّها علاقات التعاون والمساوات والاعتماد المتبادل. تسعى هذه الحياة إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين الفرد والمجتمع على أسس أخلاقية وتشاركية لا تستند إلى الربح أو السيطرة بل إلى التضامن والعدالة.
تستلهم الكومينالية في صورتها المعاصرة أفكار المفكر الأمريكي موراي بوكتشين الذي قدّم مفهومًا للبلدية التحررية، باعتبارها النموذج القادر على تجاوز الدولة القومية والرأسمالية، من خلال بناء سلطات محلية شعبية تدير شؤونها بنفسها عبر المجالس والهيئات الشعبية. قد طرح الفيلسوف عبد الله أوجلان فكرة ومشروع الأمة الديمقراطية وطوّرها لتناسب الواقع الكردي والشرق أوسطي، فكانت النتيجة مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية في روج آفا كردستان.
تنظيم الحياة الكومينالية من القاعدة إلى القمة
التنظيم في الحياة الكومينالية لا يبدأ من الأعلى إلى الأسفل كما في نظام الدول المركزية بل من القاعدة الشعبية، أي من الكومينات وهي وحدات مجتمعية صغيرة، وهي أصغر خليّة مجتمعية جغرافية، هي قرية أو أحياء يجتمعُ فيها أعضاء وأفراد وعضوات من المجتمع لتنظيم أمورهم ولمناقشة قضاياهم واتخاذ قرارتهم بأنفسهم. يُعد الكومين هو الأقرب والأنسب إلى واقع المجتمع المتعايش دون امتلاكه أي صفة سياسة معنيّة، بل هو الحل الأمثل للتعددية الديمقراطية. مع تأسيس الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا اتُّخِذَ من الكومين عموداً فقرياً لانطلاقة أي مشروع تنظيمي، لتتمكن الكومينات من أداء دورٍ فعال في إرساء مفاهيم الحرية الاجتماعية، والتعايش السّلمي المشترك، وإفساح المجال للجميع بالمشاركة بطوعية فيها.
تضم الكومينات لجاناً مختلفة، يُنتخب أعضاؤها من قبل أبناء الحي أو القرية، ويختلف عدد اللجان في كل كومين حسب الضرورة والحاجة ولكلٍّ منها واجبات مختلفة، حيث يتولى الكومين الأمور الأساسية المتعلقة بالشؤون اليومية. فيما يلي أمثلة على الحياة الكومينالية:
أ. النظام الاقتصادي الكومينالي: يقف النظام الكومينالي في مواجهة النظام الرأسمالي الذي يقوم على استغلال الملكية والتنافس، بينما يعتمد الاقتصاد الكومينالي على:
- التعاون والتشارك عبر المشاريع التعاونية (الكومبراتيفات) التي يديرها المجتمع.
- العدالة في التوزيع: يتم توجيه الإنتاج لتلبية احتياجات المجتمع لا لزيادة الأرباح فقط.
- الاستدامة البيئية: يجب أن يكون الإنتاج متوافقًا مع مبادئ الاستدامة البيئية التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.
- التمكين المحلي يتم الاعتماد على الموارد المحلية لتنظيم عملية الإنتاج والاستهلاك داخل المجتمع قدر الإمكان، أي مبدأ الاكتفاء الذاتي.
من خلال هذا النموذج لا يُنظر إلى الاقتصاد كقطاعٍ منفصل بل كجزءٍ من حياةٍ مجتمعيّة كاملة هدفه تأمين الاحتياجات لا تنظيم رأس المال.
ب. العدالة المجتمعيّة بدل العدالة القضائيّة: في الحياة الكومينالية يتم تجاوز نموذج المحاكم والأنظمة العقابيّة من خلال نظام /العدالة المجتمعية/حيث تُحلُّ النزاعات داخل الكومينات عبر لجان الصلح وترتكز على مبدأ الإصلاح والمصالحة لا العقوبة. هذه العدالة البديلة تُعيد للمجتمع دوره كمنظم وحاضن بدل الاعتماد على مؤسسات مفصولة عن الناس، كما هو الحال في الأنظمة القضائية التقليدية التي غالباً ما تكون الإدارة في يد السلطة السياسية.
ت. التعليم والحياة الثقافية: يولي مشروع الإدارة الذاتية أهمية خاصّة للتعليم الكومينالي الذي يهدف إلى تحرير العقل من الهيمنة الأيديولوجية للدولة القومية والرأسمالية والدينية المفروضة، حيث التعليم يُنظّم من قِبل المجتمع نفسه بلغاته وثقافاته المتنوعة في الحياة الكومينالية، ويركز على تاريخ المجتمع الحقيقي لا التاريخ المشوّه للدولة القومية – المساواة الجذريّة (المساواة الاجتماعية) – التعددية الثقافية – الدفاع الذاتي المعرفي ضد التلقين المؤسساتي.
كما تشكل الحياة الثقافية جزءاً أساسياً من الحياة الكومينالية حيث تُعيد إحياء الفنون الشعبية والاحتفالات المجتمعية والطقوس بوصفها أدوات للترابط المجتمعي.
ث. الدفاع الذّاتي المجتمعي: الدفاع الذاتي في مشروع الإدارة الذاتية لا يعني فقط البُعد العسكري، بل هو منظومة مجتمعية شاملة تهدف لحماية المجتمع من كافة أشكال العدوان (الثقافي والاقتصادي والسياسي والعسكري). في هذا السياق تكون الحياة الكومينالية شكلاً من أشكال الدفاع الذاتي لأنّها تفرز التماسك الاجتماعي وتحمي المجتمع من التفكك والتسلّط.
ج. النقد الذّاتي والمساءلة: من المبادئ الأساسية التي تحكم الحياة الكومينالية هو النقد الذاتي والمساءلة، حيث لا يُنظر إلى الأخطاء على أنّها إخفاقات شخصية فقط بل هي فرصة لفهم الذات والجماعة وتطوير الأداء المجتمعي، حيث تُعقد اجتماعات دورية لمراجعة السلوك الجماعي والمجتمعي وتقديم النقد البناء، مما يعزز الشفافية والمشاركة.
ح. الدور المحوري للمرأة في الحياة الكومينالية: من الركائز الأساسية في الحياة الكومينالية ضمن مشروع الإدارة الذاتية هو تحرر المرأة ومشاركتها المتساوية في كل مستويات الحياة والتنظيم. يرى المفكر عبد الله أوجلان أنّ المرأة هي المُستعمَرة الأولى في التاريخ، وأنّ تحررها شرطٌ أساسي لتحرر المجتمع.
لذا؛ فإنّ في كلّ كومين هناك لجان للمرأة مستقلة تُمثّل النساء كافة وتدير شؤونهنّ بما ينسجم مع احتياجاتهن وتطلعاتهن، وتعمل بالتوازي مع الهيكل العام، كما يُمنع اتخاذ أي قرار يمسُّ النساء دون مشاركتهن المباشرة وموافقتهن، ومن ضمن ذلك تمثيل المرأة لنفسها في نظام الرئاسة المشتركة لضمان التوازن والعدالة الاجتماعية. بالتالي فإنّ الحياة الكومينالية تنظّم حياة الفرد والمجتمع، وتوّفر بيئة تشاركيّة تمكّن الجميع من المساهمة في اتخاذ القرارات، وترتبط الكومينات فيما بينها من خلال مجالس تمثيلية مثل مجالس القرى ثم البلدان ثم المقاطعات في شكلٍ هرمي مقلوب.
الركائز الأساسية لتنظيم الحياة الكومينالية: هي “اللامركزية – الديمقراطية المباشرة – العدالة الاجتماعية – الاقتصاد التعاوني – الحماية الذاتية – البيئية – تحرر المرأة.
السؤال الذي يُطرح كثيراً؛ هل الحياة الكومينالية قادرة على ضمان حقوق الفرد؟
يتطلّب ذلك النظر إلى مفهوم الحقوق في السياق الكومينالي، فبدل أن تُفهم الحقوق بوصفها امتيازات فردية تنتزع من الدولة أو تُطالب بها، تصبح الحقوق ناتجة عن الانتماء العضوي للمجتمع، أي أنّ الفرد يحصل على حقوق من خلال مشاركته النشطة في الحياة الجماعية لا من خلال تمثيل بيروقراطي أو دولة أبوية. في هذا النموذج يتم تفكيك مركزية السلطة التي طالما كانت أداة لقمع الفرد. إنّ الحياة الكومينالية لا تضمن الحقوق الفردية فقط بل تُعيد تعريفها في سياق مجتمعي، فهي تنطلق من مبدأ أنّ الحرية الفردية لا يمكن أن تتحقق في مجتمع يسوده التمييز والاستغلال والطبقية، على عكس الليبرالية الغربية التي ترى الحرية في الانعزال والملكية الخاصة، ترى الكومينالية أنّ:
- الحق في السكن والعمل والتعليم والرأي والمشاركة السياسية وغيرها يجب أن يُضمن جماعيًا.
- الفرد في الكومينالية ليس مجرّد مستهلك أو تابع بل هو فاعل سياسي و اجتماعي يُشارك في كل القرارات التي تمسُّ حياته.
- تعطي الأقليات الأثنية والدينية واللغوية كامل حقوقها ويتم تمثيل مباشرة في الكومينات لضمان عدم التهميش.
بذلك فإنّ الكومينالية قادرة على تحقيق العدالة الشاملة لأنّها لا تنظر إلى الحقوق كامتيازات فردية بل كمسؤوليات مجتمعية متبادلة.
هل الكومينالية قادرة على تخطّي التمييز والنظام الطبقي والأيديولوجيا الليبرالية؟
نعم؛ إنّ الكومينالية هي جوابٌ واضح وصريح لمواجهة التمييز والنظام الطبقي، لأنها اعتمدت على التشاركية وتطوير الذات في خدمة المجتمع وذلك من خلال:
- مواجهة التمييز الجنسي: من خلال اعتماد نظام الرئاسة المشتركة في كافة المؤسسات وتحقيق نسبة ٥٠% من النساء في التمثيل العام. بذلك لم تعد المرأة فقط تابعاً بل أصبحت مشاركة في صنع القرار، ومحرّكاً أساسياً للتحول الاجتماعي، ومواجهة التمييز القومي والأثني.
- مواجهة التمييز الطبقي: وذلك عبر تفكيك البنية الاقتصادية للرأسمالية، وإنشاء اقتصاد تعاوني وتقاسم الموارد والعمل الجماعي، وبالتالي تفكك الأساس الاقتصادي للطبقية، وبدلاً من الاستغلال تُبنى علاقات إنتاجية تكافلية، حيث ترفض الحياة الكومينالية منطق التراكم الرأسمالي فلا يُنظر إلى الإنسان كوسيلة للإنتاج بل كجزء فاعل في الإنتاج المشترك.
- مواجهة مع الليبرالية والفردانية: إنّ الأيديولوجية الليبرالية برغم حديثها عن الحرية إلا أنّها تؤسس لفردانية انعزالية تعزل الفرد عن مجتمعه ونفسه في منافسة دائمة مع الآخر، هذا التركيز على الذات قد يقلل من الشعور بالانتماء والمسؤولية تجاه المجتمع. أما الكومينالية تعيد دمج الفرد في جماعته دون قمع فرديته بل من خلال تطوير الذات في خدمة المجتمع.
تجربة الحياة الكومينالية في روج آفا
في عام 2012 أعلنت مناطق روج آفا وشمال وشرق سوريا بدء مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية بعد انسحاب النظام السوري السابق من هذه المناطق، وفي ظل فراغٍ سياسي وأمني بدأت المجالس والكومينات كأدوات تنظيم مجتمعي. تم تأسيس آلاف الكومينات في المدن والقرى وبدأ الناس بتنظيم حياتهم بأنفسهم. تدار هذه الكومينات من قبل السكان المحليين وتتخذ فيها القرارات، وشملت عملها مجالات الأمن عبر قوات الحماية المجتمعية والتعليم والزراعة والصحة وغيرها.
تم تحقيق التعددية والاعتراف بالهويات لأنّ روج آفا تحتضن خليطاً من الكرد والعرب والسريان والأرمن والشيشان، كما تم اعتماد اللغات والثقافات المختلفة في التعليم، وتمثيل كافة المكونات في الكومينات والمجالس مما عزز الوحدة المجتمعية على أساس التعدد. ناهيك عن أن المرأة اتخذت الدور الطليعي في تنظيم الكومينات وتأسيس وحدات حماية المرأة وبناء اقتصاد للمرأة ومراكز تدريب فكرية وثقافية. بذلك؛ تجاوزت مناطق شمال وشرق سوريا نموذج الدولة القومية الذي يقوم على القمع والسلطة لتقدم نموذجاً فريداً يعتمد على اللامركزية.
الحياة الكومينالية ليست يوتوبيا أو خيالاً نظرياً بل واقعاً ملموساً في العديد من المناطق أبرزها مناطق روج آفا، إنّها مشروع اجتماعي تحرري يعيد الاعتبار للفرد ككائن اجتماعي يساهم في بناء مجتمعه بحرية، ويشارك بإرادته في صياغة القرارات التي تمسُّ حياته اليومية ومستقبله. لذلك فإنّ الكومينالية تُمثّل خياراً حقيقاً لمستقبلٍ أكثر عدلاً يُعاد فيه نسج العلاقات الاجتماعية على أساس التعاون والحرية والكرامة، وإعادة الاعتبار للمجتمع والمرأة والطبيعة والحرية بمعناها العميق، وخلق شخصية حرّة، ناهيك عن أنّ الحواجز بين الطبقات والفئات تتلاشى شيئاً فشيئاً. لهذا فإنّ الخطوة الأولى في إنشاء الأمة الديمقراطية هي خلق الشخصية الواعية المتحررة من رواسب الدولة والسلطة، والبعيدة عن الأنانية والمصلحة الشخصية والعائلية والعشائرية. هذه الشخصية لا تتشكل من فراغ، بل من خلال الانخراط الفعلي في مجتمع حر قائم على قيم التضامن والمساواة، والعمل ضمن مجتمعٍ حر وحياة كومينالية.
