المرأة والحياة الكوميناليّة في فكر الفيلسوف عبد الله أوجلان – شيرا أوسي

المرأة والحياة الكوميناليّة في فكر الفيلسوف عبد الله أوجلان

“إنّ مشروع المفكّر عبد الله أوجلان حول المرأة والحياة الكوميناليّة

 ليس مجرّد رؤيةٍ سياسيّة،

 بل دعوة فلسفيّة لتحوّلٍ جذري في نمطِ الوجود البشري،

وخطوة نحو حياةٍ كريمةٍ تحفظ القيم الإنسانية

ونموذج للعيش وفق منظومة تشاركيّة “

 

شيرا أوسي

 

في قلب مشروع التحوّل المجتمعي الذي يطرحه المفكر عبد الله أوجلان، تبرز المرأة ليس ككائن ثانوي أو كعنصرٍ هامشي في الحركات التحررية، بل كجوهرٍ أصيل في إعادة صياغة العلاقات الاجتماعية، وإعادة تعريف مفاهيم السياسة والأخلاق والمعرفة. إنّ ما يقدّمه الفيلسوف عبد الله أوجلان ليس دعوة لتحرير المرأة فحسب، بل لإحداث ثورةٍ ذهنيّة ومجتمعيّة تبدأ من موقع المرأة، وتُفضي إلى تأسيس حضارةٍ جديدة تتجاوز منظومة الدولة القوميّة والرأسماليّة والسّلطة الذكوريّة التي هيمنت على مسار البشريّة.

يرى المفكّر عبد الله أوجلان أنّ أولى عمليات القمع في التاريخ البشري بدأت من قمع المرأة، حين تمّ فصلها عن مركز الحياة الجماعية، وتفكيك دورها المجتمعي، واحتكار قوتها الإنجابية والروحية. هذا الفقدان الأولي الذي أُنتج عبر منظومة السلطة الذكورية، هو الذي مهّد الطريق لاحقًا لتأسيس أنظمة القمع الطبقي والقومي والدولتي. لذلك فإنّ أيّ تحرر لا يبدأ من استعادة موقع المرأة، سيُعيد إنتاج منظومات القهر نفسها بأقنعة جديدة.

ضمن هذا الإطار؛ لا تُطرح الحياة الكومينالية كبديل إداري أو شكلي عن أنظمة الحكم القائمة، بل كنموذج تحوّلي شامل، يُعيد تنظيم المجتمع من القاعدة، ويُؤسس لعلاقات إنسانية تتجاوز منطق الهيمنة. الكومين في فكر الفيلسوف عبد الله أوجلان ليس مجرّد وحدة حكم محلي، بل هو فضاء أخلاقي- سياسي تتجسد فيه قيم التعاون والتكافل والمشاركة المباشرة، وينشأ فيه الإنسان الجديد المتحرر من اغترابه عن ذاته وعن مجتمعه.

في هذا الفضاء الجديد؛ تحتلُ المرأة دورًا محوريًا ليس بوصفها “نصف المجتمع” كما يُردد بخفّة، بل بوصفها حاملة لذاكرة القيم الجمعية، ولقدرة فطرية على بناء العلاقات الأفقية، والعيش وفق منظومة تشاركية. المرأة من منظور المفكر عبد الله أوجلان ليست فقط متضررة من النظام الرأسمالي، بل هي أيضًا القوة الثورية الوحيدة القادرة على إحداث التحوّل الجذري فيه، لأنّها تُعاني من اغتراب مركّب (اقتصادي، رمزي، وجندري).

الرأسماليّة في تحليل الفيلسوف عبد الله أوجلان ليست فقط منظومة استغلالٍ مادي، بل آلة تمزيق رمزي أيضًا، إذ حوّلت المرأة إلى كائن استهلاكي، جرّدتها من بُعدها المجتمعي، وأعادت إنتاجها وفق حاجات السوق إمّا (كأداة جنسية، أو كرمز للتسويق، أو كيد عاملة رخيصة). الأسوأ من ذلك أنّها شيّدت علومًا ومؤسسات قامت بإخفاء هذا القمع خلف خطاب التقدّم والعقلانية.

من هنا؛ تأتي أهمية مشروع “الجنولوجيا” الذي صاغه المفكر عبد الله أوجلان كمحاولة لإعادة تعريف المعرفة الإنسانية من منظور المرأة. الجنولوجيا لا يقف عند حدود النقد، بل يتجاوزها إلى تأسيس علم بديل يُعيد للمرأة صوتها في التاريخ والفكر والمجتمع. فهو ليس مجرّد علم نَسوي، بل مشروع حضاري مضاد للمعرفة السلطوية، وللعلوم الاجتماعية الذكورية التي صاغت المجتمعات لتخدم منطق الدولة والسوق.

داخل الكومين؛ يُصبح هذا المشروع قابلًا للتطبيق. فالمرأة في الكومين لا تُختزل إلى أدوار تقليدية أو تزينيّة، بل تتصدر القيادة المجتمعية، وتبني مؤسساتها التنظيميّة الخاصّة بها من مجالس نسائيّة إلى أكاديميات فكريّة تتيح لها التحرر من القوالب المفروضة، والمساهمة الفعّالة في صياغة الحياة المشتركة. لكن هذه الإمكانية لا تتحقق تلقائيًا بل تتطلب مجهودًا مضاعفًا من المرأة ذاتها. إنّ ما يُطلب منها كما يؤكد الفيلسوف عبد الله أوجلان، هو خوض “ثورة ذهنية” عميقة تتجاوز مجرّد المطالبة بالحقوق نحو تفكيك البنية الداخلية التي تشرّبت قيم التبعية، والخضوع، والإنكار الذاتي. فالثورة تبدأ من الداخل، ومن نقد الذات، ومن استعادة الثقة والوعي والدور التاريخي.

إلى جانب هذا التحوّل الذهني؛ يتوجب على المرأة تنظيم ذاتها باستقلالية، لا كفصل عن المجتمع، بل كضرورة لتفادي إعادة إنتاج الذكورية داخل الفضاءات التشاركية. إنّ التنظيم النسائي داخل الكومينات سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي هو الضامن الحقيقي لاستمرار الدينامية التحررية، وهو ما يقطع الطريق على محاولات تدجين الثورة النسوية ضمن قوالب السلطة الذكورية.

كما يرى المفكر عبد الله أوجلان أنّه لا تحرر للمرأة دون تحرر متزامن للطبيعة. فالقمع الذي مورس على المرأة، قد وُجّه أيضًا للطبيعة، فكلاهما تعرّضا للتشييء، للاحتكار، وللاغتصاب الرمزي والمادي. لهذا؛ فإنّ الحياة الكومينالية ليست فقط مشروعًا إنسانيًا، بل بيئيًا أيضًا يعيد بناء علاقة الإنسان بالطبيعة، ويُخرج الاقتصاد من منطق الربح والاستهلاك، نحو منطق الحاجة والتوازن.

في هذا السياق؛ لا تعود المرأة فقط فاعلة سياسية، بل تُصبح مرجعيّة قيمية، حاملة لمشروع أخلاقي يُعيد للسياسة معناها الإنساني. فالمرأة هي التي تحفظ نسيج العلاقات المجتمعية، وتُعيد الاعتبار لمفاهيم مثل التضامن، والاحترام، والرعاية، التي تمّ تهميشها لصالح مفاهيم السيطرة والمصلحة والمنفعة.

أمّا الدولة القومية؛ فهي النقيض المطلق لهذا المشروع. فهي تقوم على مركزية السلطة، وتوحيد الهوية، ومصادرة التعدد، وقمع المبادرات الذاتية. إنّها تُعيد إنتاج الذكورية باسم القانون، وتُقصي المرأة من المجال العام، حتى عندما تسمح لها بالدخول إليه، تفعل ذلك ضمن شروط النظام الذكوري ذاته.

في مواجهة هذا النظام؛ ترى المرأة كما يؤكد القائد الأممي عبد الله أوجلان، أنّها ليست مجرّد رمز للمعارضة، بل صاحبة مشروع بديل. إنّ قدرتها على بناء الحياة من الأسفل، وعلى تأسيس فضاءات تشاركية، وعلى إنتاج معرفة مختلفة، تجعل منها الفاعل الأول في تأسيس مجتمع أخلاقي سياسي جديد. هذا المجتمع لا يُبنى على أنقاض القديم فقط، بل على أساس رؤية جديدة للعلاقات، للزمن، وللغاية من الحياة ذاتها.

في النهاية؛ إنّ مشروع المفكر عبد الله أوجلان حول المرأة والحياة الكومينالية ليس مجرّد رؤية سياسية، بل دعوة فلسفية لتحوّل جذري في نمط الوجود البشري. في هذا المشروع تُصبح المرأة هي الفاعل الأساسي، وصاحبة القرار، والضامنة لاستمرار الحياة الحرّة. الكومين ليس مجرّد إطار تنظيمي بل تجسيد فعلي لعالم مختلف تتصالح فيه القيم مع الممارسة، وتعود فيه السياسة إلى معناها الأخلاقي، وتصبح فيه المرأة قائدة لا بوصفها تمثّل فئة، بل لأنّها تحمل مشروعًا تحرريًا كونيًا.

إنّ تحرر المرأة كما يؤكد القائد الأممي عبد الله أوجلان، لا يُختزل في المساواة الشكلية، ولا في الاندماج ضمن بُنى السلطة القائمة، بل في قدرتها على قيادة تحوّل المجتمع نحو نمط جديد من الحياة، تتناغم فيه الحرية مع العدالة، والمجتمع مع الطبيعة، والمرأة مع ذاتها.

إنّ مجتمعًا لا تتحرر فيه المرأة، هو مجتمع لم يولد بعد، ومن دون حضورها الكامل، الواعٍ، والمنظم، سيظل أي مشروع تحرري ناقصًا، وأي ثورة مهددة بالارتداد. فعندما تكون المرأة في موقع القيادة تُصبح القرارات أكثر قربًا من الواقع وأكثر تعبيرًا عن حاجات الجميع، خاصّة الشرائح المهمّشة. عليه؛ فإنّ الكومين بقيادة المرأة ليس حلمًا طوباويًا، بل ضرورة تاريخية لبناء مجتمع عادل وحر، وحاجة وجودية لبقاء الإنسان والكون على قيد الحياة، وخطوة نحو حياة كريمة تحفظ القيم الإنسانية.