الكومونة أسلوب الحياة الديمقراطية الجماعية – عدالت عمر

الكومونة أسلوب الحياة الديمقراطية الجماعية

” الكومونة هي المدرسةُ الأولى التي ينشأ فيها فردُ الأمّةِ الديمقراطيّة،

 ويُمكنُ للفرد العيشُ في أكثر من كومونة بما يتناسبُ مع خبراته ومهاراته،

 وعليه أن يجعلَ مسؤوليتهُ تجاه الكومونة مبدأه الأساسي،

وهنا يكمنُ دوره في بناءِ ونهوضِ الأمّة الديمقراطيّة”

 

عدالت عمر

 

لقد بدأت البشرية حياتها الاجتماعية بشكلٍ كومينالي، فقد شعر البشر بقوتهم من خلال تلك الحياة، لهذا كانوا يعتبرون حياتهم الاجتماعية وطوطمهم الذي يرمز إليهم أموراً مقدّسة يجلُّونها ويحترمونها كثيراً، وقد كانت الحياة الاجتماعية هي الشيء المقدّس الأوّل بالنسبة للإنسان في تلك المرحلة. لقد بدأت القوّة الاجتماعية بالصيغة الكلانيّة التي أظهرت قيمة كبيرة لحياة البشر ورفعت من شأنها، فالإنسان اجتماعيٌّ بطبيعته وبهذا الشكل تأسس وبنى نفسه، ولكي يحافظ الإنسان على طبيعته الاجتماعية فهو بحاجة إلى المجتمعية، والمجتمعية تعني أنّ الإنسان بقدر ما يعيش لنفسه فإنّه يعيش بنفس القدر للآخرين، فلا يُميّز بينه وبين غيره ولا يُنشئ عداوة معهم. فبالوحدة والاتحاد بين البشر يُصبح العيش راقياً وتكون الحياة طبيعية، فلو نظرنا للإنسان ككائن حي موجود بكل مكوناته التي يحملها كالفكر واللغة والثقافة وتنوع الحياة فإنّنا لا نجد أيّاً منها يحمل الطابع الفردي، بل جميعها تحمل الطابع الاجتماعي.

لكن مع تطوّر المدنية في العالم الشرق أوسطي والأوروبي، حاولوا بشتّى الوسائل الممكنة القضاء على الروح المجتمعية وقيمها الأخلاقية، وتجريد المجتمع من السياسة الأخلاقية، والعمل على تفريق كلا الجنسين، أي إبعاد وطمس هوية المرأة، وذلك بهدف استعباد المجتمع لتحقيق وصولها إلى نظامٍ خالٍ من القيم والتقاليد المجتمعية، وباسم الحداثة الرأسمالية التي تبحث عن الربح الأعظم وكسب المادة بشكلٍ فظيع، بالإضافة إلى تسببها بحروب أسفرت عن إبادةٍ وتطهيرٍ عرقي وثقافي وجسدي، وتدمير البيئة والإخلال بالتوازن البيولوجي العالمي، وإفراغ وامتصاص ما في باطن الأرض، وتلويث كلّ ما هو على سطحها والتسبب بالكوارث المناخيّة.

انتهجت الدولة القومية سياسة في تحويل المجتمع إلى حشدٍ من العبيد المجردين من هوياتهم المجتمعية وشخصياتهم الكومونالية والمجتمعية التاريخية برمتها، والكادحين، كالنمل دون كللٍ أو ملل، وقد شخّصها الفلاسفة من أمثال “نيتشه وفوكو” بقتل المجتمع أو الإنسان على يد الحداثة.

بالنسبة إلى الشرق الأوسط، جاء تصميم وهيكلية الدولة القومية بعد اتفاقية “سايكس- بيكو” المرسومة بالمسطرة على الخرائط، والتي تحوّلت إلى أداةٍ لزرع الفتن وإشعال الصراعات المستمرّة منذ أكثر من قرن، وما تزال حتى اليوم وقوداً للحروب والانقسامات. غير أنّ هذه الأزمة لا تقتصر على الشرق الأوسط وحده، بل تتجلى في مختلف بقاع العالم، حيث تواجه الدولة القومية مأزقاً بنيوياً عميقاً نتيجة بنيتها الصلبة غير القادرة على التكيّف مع تنوع المجتمعات واحتياجاتها المتجددة. إنّ ظاهرة تصدّع قشرة الدولة القومية تكشف حدود هذا النموذج الجامد، وتفتح المجال أمام البحث عن بدائل ديمقراطية تشاركية أكثر انسجاماً مع متطلبات العصر.

بعد ظهور الدولة القومية الحديثة، ظهرت محاولاتٌ لتوحيد أوروبا لكنّها لم تتعدى الطابع الشكلي والمرحلي، ومنها محاولة نابليون بونابرت في القرن التاسع عشر، وأدولف هتلر في أربعينيات القرن العشرين. لم تتمكن تلك المحاولات من الاستمرار إلا لفترات قصيرة وانتقالية، لأنّها عملت على أخضاع الأمم والشعوب لحكمها العسكري وامتناعها عن منح الحريات الثقافية والأثنية والديمقراطية، مما أدى إلى غياب الاستقرار، وبالتالي كان مصيرها الفشل في النهاية.

من الأهمية لفتُ الانتباه إلى أنَّ الأشكال الفيدرالية أو الكونفدرالية للدولة القومية ليست بحلٍّ ديمقراطي، بل إنّها حلول مرتكزة على أشكالٍ مختلفة من الدولة، ولن تذهب في دورها أبعد من زيادة وطأة القضايا مرة أخرى. قد تجلب حلولاً نسبيّة لها وفق النظام الرأسمالي، ولكنّه محالٌ أن يفضي إلى حلولٍ جذرية. إذاً فنموذج الحل الديمقراطي ليس مجرّد خيال حل فقط بل هو أسلوب الحل الأول، ولئن كانت الحركات الاشتراكية والتحررية الوطنية تروم إلى إحراز النجاح، فعليها عدم البحث عن الحل خارج نطاق الديمقراطية. ومن الحقائق الساطعة أّنّ الدولة القومية لا تُعبّر عن واقع مناطقي ولا كوني، بل على النقيض فهي تعني إنكار كل ما هو كوني أو مناطقي محلّي.

الأمّة الديمقراطيّة

 

طرح المفكر عبد الله أوجلان مفهوم الأمة الديمقراطية لأوّل مرّة – كحلٍ للقضية الكردية وأزمات الشرق الأوسط وجميع القضايا البشرية العالقة – بدءاً من عام 2003-2005، والذي يتضمّن حلاً لجميع القضايا المُعاشة، بحيث يُنعش ثانيةً دمقرطة العلاقات الاجتماعية، ويضمُّ الهويات المتباينة بروح الوفاق والسلام، كما يُسلّحه بوعيٍ مجتمعي سديد، وإعادة المنطقة إلى عهدها الخصيب القديم التي كانت يوماً ما جنّة والتي تحوّلت إلى جهنم مستعر. سيلعبُ الكرد والعرب وباقي المكونات هذه الانطلاقة ثانيةً – وستكون من شمال وشرق سوريا – دوراً ريادياً بتبنيهم الأمة الديمقراطية في بناء الحضارة الديمقراطية كما لعب أسلافهما الأوائل في فجر الحضارة الإنسانية.

نظرية الأمة الديمقراطية تعني وقف حركة تمزيق الوحدة الثقافية وتقطيعها على نمط القصاب، أي وقف الدولتية القومية، والتخطيط للعالم الذهني اللازم لعودة البدء بالوحدة المتكاملة العامرة بروح الحرية والديمقراطية. وضع الفيلسوف عبد الله أوجلان هذه النظرية نتيجة أبحاث عميقة للتاريخ البشري والتطوّرات المجتمعية، وما يُعاش من انسداد نتيجة الحداثة الرأسمالية ومرتكزاتها الثلاث (الدول القومية – الصناعوية – رأس المال المالي)، وتجاهها طرح نظرية العصرانية الديمقراطية بمرتكزاتها (الأمة الديمقراطية – الصناعة الإيكولوجية – الاقتصاد الكومينالي).

يقول الفيلسوف عبد الله أوجلان عن منهل هذ الطرح إنّها “تركيبة جديدة وزبدة مركّزة مستخلصة من جميع الحقائق والمقاومات ومن كافة الصياغات الكامنة في الأغوار الغائرة لتاريخهم ومجتمعاتهم، بدءاً من العقائد الإلهية الأمومية الأعرق قدماً، ومروراً بالزرادشتية ووصولاً إلى الإسلام، كما يتوجب عليهم إدراكها وتبنيها وتطبيقها على أرض الواقع، حيث إنَّ جميع التعاليم الميثولوجية والدينية والفلسفية القديمة، وكافة الحقائق التي يسعى علم الاجتماع المعاصر إلى تعليمها، بالإضافة إلى كل ما تُسمّى حروب المقاومة والتمرّدات إلى ذكره من حقائق فراداً وجمعاً كل ذلك يجد تمثيله في ذهن وبدن عملية إنشاء الأمّة الديمقراطية”.

أمّا ذهنية الأمة الديمقراطية فهي تجمع شمل جميع الثقافات التاريخية في أجواء عامرة بالسلام والمساواة والحرية والديمقراطية، فبينما تُنشأ كلُّ ثقافةٍ نفسها كمجموعةٍ وطنية ديمقراطية من جهة، فبمقدورها من الجهة الثانية أن تحيا مع الثقافات الأخرى المتشابكة معها اتحادات وطنية ديمقراطية أرفع مستوى، ولا تبقى ثمّة حاجة لصهرها بعضها بعضاً، بعد تخطّي مفهوم الأمة الأحادية وبدلاً من ذلك يجري العيش ضمن اتحادات ثقافية متكاملة، مثلما حصل على مرّ التاريخ، وكذلك توفّر الأمة الديمقراطية إمكانية العيش المشترك بمشاطرة الإدارات الشبه مستقلة.

الأمة الديمقراطية هي تلك الأمة التي لا تكتفي بالشراكة الذهنية والثقافية فحسب، بل وتوحّد كافة مقوماتها في ظل المؤسسات الديمقراطية المستقلة وتديرها. هذا هو الجانب المعين فيها، أي أنّ طراز الإدارة الديمقراطية وشبه المستقلة، هو الشرط الرئيسي في لائحة صيرورة الأمة الديمقراطية، وهي بجانبها هذا بديل للدولة القومية.

كما أنّ الأمة الديمقراطية هي نموذج الأمة التي لا تُقدّس إدارتها عكس الدولة القومية، لأنّ الإدارة مُسخّرة في خدمة الحياة اليومية كظاهرةٍ شفّافة، والجميع مؤهّل لأن يكون إدارياً في حال تلبيته متطلباتها ومقتضياتها، أي أنّ الإدارة قيِّمة ولكنّها ليست مقدسة.

مفهوم الوطنية ليس إطاراً مغلقاً أو عقيدةً متصلّبة، بل هو فضاءٌ مفتوح الأطراف، يتسع لتعدد اللغات والرموز والأعلام، ويقوم على التشارك بدلاً من التصادم. فالوطنية الحقيقية هي العيش المشترك على درب التعاون والاندماج، لا على درب التضادِّ والانقسام، وهو ما لم يعد ممكناً فحسب، بل غدا ضرورةً من ضرورات استمرار المجتمع التاريخي.

أمّا الحداثة البديلة في إطار الأمة الديمقراطية، فهي العصرانية الديمقراطية، والتي تقوم على أرضية مؤسساتية تتشكل من اقتصاد محرر من الاحتكار، وإيكولوجيا قائمة على الانسجام مع الطبيعة وتقنية صديقة للإنسان والبيئة. وبالاستناد إلى هذه المرتكزات الأساسية يُمكن التفكير في بعدين رئيسيين يشكلان المدخل للتحوّل نحو الأمة الديمقراطية.

يتم تطبيق هذا المشروع بطريقين:

  • يعتمد الطريق الأول الوفاق مع الدولة القومية، ويجد تعبيره الملموس في حل الدستور الديمقراطي، وهو يحترم ميراث الشعوب والثقافات التاريخية والاجتماعية، ويعتبره أحد الحقوق الدستورية الأساسية التي لا استغناء عنها للتعبير عن نفسها وتنظيم ذاتها ونيل حريتها. وبمعنى آخر من العصيب للغاية أن يرى مشروع شبه الاستقلال الديمقراطي النور على أرض الواقع مالم تتخلَ كلتا الأمتين عن ميولها الدولتية.
  • أمّا طريق الحل الثاني لشبه الاستقلال الديمقراطي، هو تطبيق مشروعه بشكلٍ أحادي الجانب ولا يعتمد على الوفاق مع الدولة القومية، حيث يطبق أبعاد شبه الاستقلال الديمقراطي على أرض الواقع بمعناها العام، مؤمناً بذلك حق الشعب السوري في التحول إلى أمة ديمقراطية يمكن تعريف الأمة الديمقراطية بنطاقٍ عام من خلال أبعاده (السياسية – الاجتماعية – الاقتصادية – الأمنية – الدبلوماسية – القانونية وغيرها).

 أول وأهم أبعاد الأمة الديمقراطية هو الفرد الحر والحياة الكومونة الديمقراطية

يجب على الفرد في الأمة الديمقراطية أن يكون كومونالياً (تشاركياً) على خلاف الفرد الذي أنتجته الأفكار والمعتقدات الرأسمالية، والذي تهيّأ له بأنّه يتمتع بالحرية بينما هو ليس إلا عبداً للسلطة ورأس المال، فالفردية الرأسمالية شكّلت بناءً على إنكار المجتمع في ظل ترسيخ الأمة القومية، بالمقابل فإنّ فرد الأمة الديمقراطية يجد حريته في تشاركية المجتمع أي في العيش ضمن مجموعات صغيرة أكثر فعالية.

فالكومونة هي المدرسة الأولى التي ينشأ فيها فرد الأمة الديمقراطية، والكومونات متنوعة تشمل ميادين الحياة الاجتماعية كافة، ويمكن للفرد العيش في أكثر من كومونة بما يتناسب مع خبراته ومهاراته، وعليه أن يجعل مسؤوليته تجاه الكومونة مبدأه الأساسي وهنا يكمن دوره في بناء ونهوض الأمة الديمقراطية. الفرد في الأمة الديمقراطية هو فردٌ فعّال يُقدّم نشاطات في كل ميادين الحياة الاجتماعية، فهو لا يُمثّل عبء وعائق في وجه مجتمعه بل هو سبب ودافع نحو التقدّم والنهوض الاجتماعي.

مفهوم الكومين(الكومونة)

الكومونة قبل كل شيء هي الوحدة التي تنظّم جميع فئات المجتمع، وتتخذ القرارات اللازمة بشأنها وبإدارتها، وهي حجر الأساس للإدارة الذاتية الديمقراطية وقوّتها المركزية، فبدون الكومونات لا تتكوّن المجالس. تُعتبر الكومونة هي القوّة الأصغر تنظيميّاً للشعب، ولهذا فإنّ الكومونة هي أسلوب الحياة الديمقراطية الجماعية، وهي بشكلٍ مباشر التنظيمات الأساسية للديمقراطية، وهي وحدات المجتمع الأخلاقي والسياسي، فعلى الأقل يُعبّر كل شخص عن ذاته في كومونة ما، والكومونة هي مجموعة من الناس في الحي أو القرية تقوم بإدارة أمورها الحياتية، ومعالجة مشاكلها في جميع النواحي الاقتصادية والثقافية والصحية والاجتماعية والزراعية والأمنية وغيرها، وهي الإدارة المصغّرة عن الإدارة الذاتية.

الكومين ليس فقط لتلبية احتياجات الحي أو القرية الأساسية، إنّما هو صورة مصغّرة عن شكل الهيئات الإدارية الديمقراطية ولكن بأساليب وطرق مختلفة، ليكون الخلية الأصغر المسؤولة عن تقديم أسهل وأسرع الطرق لخدمة الشعب وتنظيم الحياة الاجتماعية، ويكون المجتمع قادراً على إدارة نفسه وذلك عن طريق لجان مختصّة في كافة المجالات، وله الصلاحيات في أخذ القرارات التي تخدم مصالح الحي أو القرية، لأنّ أعضاء الكومين هم من سكّان الحي أو القرية ويشاركونهم متطلباتهم ومشاكلهم وهمومهم.

فعندما يُبنى النظام الديمقراطي المجتمعي على الكومونة، فإنَّ الديمقراطية تصبح هي النظام الأساسي لحل مشاكل واقع المجتمع الذي تسود فيه، ومصدراً للقرارات، وبدايةً لنمط حياةٍ جديدة ترتكز على التنظيم في جميع الميادين الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. الكومونة بقدر ما هي مشاركة وجدانية للأفراد وللمجتمع فإنّها ترتكز على حقيقة الطبيعة الإيكولوجية والكونية.

مفهوم الكومونة في فلسفة القائد الأممي عبد الله أوجلان

 

يُولي القائد الأممي عبدالله أوجلان أهمية كبيرة للكومينات والمجتمعات، ودائماً كان يركّز على إيمانه المطلق بتكاتف المجتمعات المختلفة وتجمّع الثقافات مع بعضها البعض، بحيث تتحقق المساواة والعدالة الاجتماعية، ويؤكد بأنّ الجماعات والكومينات تساعد على تحقيق مجتمعٍ ديمقراطي في سياق الحياة الكومينالية.

يقول الفيلسوف عبد الله أوجلان عن الكومين في كتابه الجديد (مانيفستو السلام والمجتمع الديمقراطي) إنّ المجتمع في حقيقته هو عبارة عن كومونالية، المجتمعية تعني الكومون والكومون البدائي يعني الكلان، في الأربعة آلاف سنة قبل الميلاد، تم تطوير الصيغة المجتمعية ويمكن تسمية ذلك بالقبلية، كما يمكن تسميتها بالعشائرية، فالعشيرة أيضاً هي شكل من الكومون أو وحدة من الكومونات، والقبيلة هي أيضاً كومون، بينما الأسرة لم تتكون بعد. العائلة والقبيلة تأتيان بنفس المعنى، لأنّهما يعبران عن نفس الظاهرة، أي أنّ العائلة لم تنفصل عن القبيلة والقبيلة لم تنفصل من العائلة بعد. ومع تطوّر النيوليتية وميلادها يحدث تطورٌ بارز، فالقبيلة على الأغلب ترتبط بالعصر النيوليتي وقبل العصر النيوليتي كان يسمى بالكلان. إنّ مصطلح المجتمع السياسي الأخلاقي هو تعبيرٌ آخر للتعبير عن الكومون والتعبير عن الكومون في مواجهة الدولة، أي أنّها لغةٌ تخصُّ مرحلة السلام، فهي يجب أن تكون سياسية ونحن سندافع عن حرية الكومون. فالمجتمع الأخلاقي السياسي كما ذكرنا هو في نفس الوقت يعني الكومون المتحرر. إنّه شيءٌ أخلاقي وسياسي بل إنّه ليس حقوقياً، فالحقوق موجودة وسيتم تطويرها، والتعبير العلمي لهذا الوضع هو تحرر الكومونات، فنحن سنكون كوموناليون، وسنستخدم مصطلح الكومون بدلاً من مصطلح الطبقية، ليكون ملفتاً وأكثر علميةً. البلديات لا زالت كومونات والكوم موجودةٌ لدينا، أليس هناك الأخلاق، أليست هناك معايير أخلاقية، كلّها موجودة بالطبع وفي الحقيقة فإنّ الكومون سيعتمد على الأخلاق والقواعد الأخلاقية أكثر من الاعتماد على القوانين، كما أنّ الكومون هو الديمقراطية بعينها والسياسة الديمقراطية تعني السياسة الحقيقية وهي اسم الكومون، إنّها صفةٌ أخلاقية وسياسية، كما أنّ الكومون تكوينٌ أخلاقيٌ وسياسي، أي أنّ الاسم هو صفة في نفس الوقت ونحن نسمي هذا التوجّه بإصلاحٍ جذريٍ جداً في الماركسية، حيث نستخدم الكومون بدلاً من مصطلح الطبقية في الماركسية”.

لهذا السبب علينا العمل والنضال من أجل العودة إلى المجتمعية، فهي المبدأ الذي منح الإنسان معنى وجوده ونظام عيشه المشترك، وهي الضامن لبقاء البشرية واستمرارها. فالمجتمع حين يفقد روح التعاون والتشارك، يفقد جوهره الإنساني، ويتحول أفراده إلى جزر معزولة يسهل إخضاعها للأنظمة المستبدة. إنّ بناء الحياة الكومونالية لا يعني مجرّد تنظيمٍ اجتماعي، بل هو استعادة للقوّة الكامنة في الروح الجماعية، وإحياء للأخلاق المشتركة التي تحمي الحرية والكرامة. هنا نستنتج؛ أنّه بقدر ما نعمل على نشر هذا الشكل من الحياة الكومينالية، بقدر ما نفتح الطريق أمام مستقبلٍ يليقُ بالإنسان الحر، مستقبلٍ لا يقوم على التسلّط والهيمنة، بل على الشراكة الحقيقية في كافة مجالات الحياة. لذلك فإنّ طريق الخلاص لا يكون إلا عبر ترسيخ أسس المجتمع الديمقراطي التشاركي الذي يحقق العدالة ويصون إرادة الإنسان ويحمي حقوق الفرد وهويته.