الاستراتيجية الجديدة.. السّياسة الديمقراطيّة والكوميناليّة – فاطمة العلي

 

الاستراتيجية الجديدة.. السّياسة الديمقراطيّة والكوميناليّة

“يبرزُ مشروعُ السّياسة الديمقراطيّة والكوميناليّة

 كخيارٍ بديلٍ يسعى إلى تجاوز هيمنة الدّولة القوميّة،

 وبناءِ مجتمعٍ قائمٍ على الحرّية والمساواة والعدالة الاجتماعيّة،

 ليُعيد للناس حقّهم في إدارة حياتهم وصياغةِ مستقبلهم”

 

فاطمة العلي

 

الديمقراطية هي شكلٌ من أشكال الحكم يشارك فيه جميع المؤهلين على قدم المساواة، سواء بشكلٍ مباشر أو عبر ممثلين منتخبين، في اقتراح القوانين وتطويرها وإقرارها، وهي لا تقتصر على البعد السياسي فقط، بل تشمل أيضاً الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تمكّن المواطنين من ممارسة حقهم في تقرير المصير بحرية ومساواة.

من أهم أسس الديمقراطية الالتزام بالمسؤولية، احترام النظام، ترجيح كفّة المعرفة على القوة والعنف. يُنظر إلى الديمقراطية بهذا المعنى الواسع على أنّها نظامٌ اجتماعيٌّ مميز، يقوم على قناعة المجتمع به والتزامه بمبادئه، كما أنّ الديمقراطية تعكس ثقافة سياسية وأخلاقية تتجسد في التداول السلمي والدوري للسلطة. مع أنّ الديمقراطية تعني في أصلها حكم الشعب لنفسه، إلا أنّ المصطلح يُستخدم كثيراً للإشارة إلى الديمقراطية الليبرالية، لأنّها الشكل الأكثر انتشاراً في دول الغرب والعالم.

في القرن الحادي والعشرين يُعد استخدام لفظ الديمقراطية للإشارة إلى الديمقراطية الليبرالية خطأ شائعاً في الخطاب السياسي سواء في الغرب أو في الشرق. فالديمقراطية تعني بالأساس نظام الحكم القائم على التداول السلمي للسلطة وحكم الأغلبية، بينما تُركز الليبرالية على حماية حقوق الأفراد والأقليات، أي أنّها تُقيد سلطة الأغلبية في تعاملها مع الأقليات والأفراد، بخلاف الأنظمة الديمقراطية التقليدية التي قد لا تتضمن دستوراً يفرض مثل هذه الحماية.

تحت مظلّة الديمقراطية الليبرالية، يعيش في مطلع القرن الحادي والعشرين أكثر من نصف سكان العالم، خصوصاً في أوروبا وأمريكا والهند ومناطق أخرى، بينما يعيش الجزء الآخر تحت أنظمة تدّعي أشكالاً مختلفة من الديمقراطية، مثل الصين التي تطرح مفهوم الديمقراطية الشعبية. تتعارض الديمقراطية في جوهرها مع أنماط الحكم التي يحتكر فيها فرد واحد السلطة كما في الملكيات المطلقة، أو تلك التي تهيمن فيها قلّة قليلة كما في الأوليغارشية. مع ذلك؛ فإنّ هذا التعارض يعود بجذوره إلى الفلسفة الإغريقية التي صاغت المفهوم الأولي للديمقراطية، باعتبارها أداة تتيح للشعوب مراقبة قادتهم والإطاحة بهم عند الضرورة من دون اللجوء إلى الثورة.

 

الديمقراطية الحديثة (السياسة الديمقراطية):

 

لم يتواجد في عام 1900، نظام ديمقراطي ليبرالي واحد يضمن حق التصويت وفق المعايير الدولية، ولكن في عام 2000 كانت 120 دولة من دول العالم أو ما يوازي 60% من مجموعها تُعدّ ديمقراطيات ليبرالية استناداً على تقارير مؤسسة بيت الحرية “فريدم هاوس”، وهي مؤسسة أمريكية يزيد عمرها عن 64 عاماً، هدفها هو تعزيز ونشر الحرية في جميع أنحاء العالم، وهو ما يعكسه اسمها وشعارها. كان هناك 25 دولة في عام 1900 وهو ما يمثل حوالي 19% من إجمالي عدد الدول في العالم كانت تطبّق (ممارسات ديمقراطية محدودة) شراكة الحياة التي يسودها التعاضد والتعاون فيما بين المواطنين والمجموعات على خلفية التعددية والحرية والمساواة.

كما هو معروف أنّ الدولة القومية ليس لها تعبير لا منطقي – محلي ولا كوني، ففي الدولة القومية يطغى التعصب القومي على الذهنية المشتركة لدى أمة الدولة. في حين وعي الحرية والتعاضد هو الذي يسود الأمة الديمقراطية، فجسم أمة الدولة هو مؤسسة الدولة، في حين جسم الأمة الديمقراطية هو الإدارة الذاتية الديمقراطية. لذلك يبرز مشروع السياسة الديمقراطية والكومينالية كخيارٍ بديلٍ يسعى إلى تجاوز هيمنة الدولة القومية، وبناء مجتمعٍ قائمٍ على الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، ليعيد للناس حقّهم في إدارة حياتهم وصياغة مستقبلهم.

لقد كان النظام السياسي والإداري في سوريا كما في الدول الأخرى نظاماً مركزياً مرتبطاً مباشرةً بالسلطات في دمشق، لم يتم فيه أخذ خصوصيات المجموعات الأثنية والثقافية والاقتصادية للمناطق بعين الاعتبار. إنّ النمطيّة التي فُرضت على السوريين أيضاً كانت من الأسباب الأساسية في انفجار الحراك الشعبي في سوريا، لا يمكن أن تتحول المجتمعات إلى إرادة دون أن تملك حق إدارة الذات، ونظراً للتنوع الثقافي والأثني الموجود فإنّ نظام الدولة القومية المركزية لا يمكن أن يكون حلاً في سوريا. ففي الفترة الماضية ولعدم أخذ خصوصيات المناطق بعين الاعتبار أدى ذلك الى انفجار الشارع السوري. إذاً سوريا بحاجة إلى نظام لامركزي يعتمد على إدارات ذاتية تحدد من خلال دستور ديمقراطي يوافق العلاقة بين المركز وهذه الإدارات الذاتية.

 مفهوم الكومونة في فلسفة المفكر عبد الله أوجلان هي تلك المؤسسة التي تستند إلى وحدة القلوب، هي الميدان الحر الذي ترى فيه الشخصية معناها وتحقق أهدافها، هي ذلك الموقد الذي تنضج على ناره كلٌ من الإنسانية، الخبرة والعدالة، وحقوق الإنسان

بالتالي؛ الكومونات متعددة ومتنوعة في جميع مجالات الحياة الاجتماعية، وبإمكان الفرد الانخراط ضمن عدة كومونات بما يتناسب مع أوجه الاختلاف والتباين لديه، ومن المهم أن يعرف الفرد كيف يعيش ضمن الكومونة بما يتوافق مع مهاراته وعمله، ويجب أن يعتبر أنّ مسؤوليته تجاه الكومونة التي ينتمي إليها ثابتة وأساسية.