الكومين.. البُنية الأساسيّة لمجتمعٍ ديمقراطيٍّ حر – شفين داوي

الكومين.. البُنية الأساسيّة لمجتمعٍ ديمقراطيٍّ حر

“يُعدّ تشكيل الكومين ضرورةً ملحّة لأيّ مجتمعٍ

 يسعى إلى التحرر من سيطرة الدولة المركزيّة والسّلطة الرأسماليّة،

 وذلك لأنّه يُشكّل البنية الأساسيّة للمجتمع الديمقراطي الحر”

شفين داوي

‏يُعدّ النظام الكومينالي والحياة التشاركية في فكر الفيلسوف عبد الله أوجلان، حجر الأساس في بناء مجتمعٍ ديمقراطي حر قادر على تجاوز أزمات العصر التي فرضها النظام الرأسمالي والدولة القوميّة. من هذا المنطلق؛ يولي المفكر عبد الله أوجلان أهمية مركزية للكومين، ليس كهيكل تنظيمي فقط، بل كنموذج حياة وأسلوب في تنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

فالكومين هو التجسيد العملي لفكرة المجتمع الأخلاقي والسياسي، حيث تُتخذ القرارات بشكلٍ جماعي مباشر، دون وسيط سلطوي أو هرمي، وهو يضمن مشاركة جميع أفراده في إدارة شؤونهم الحياتية بشكل ديمقراطي ومتساوي. يرى المفكر عبد الله أوجلان أنّ النظام الرأسمالي الذي أنتج الفردانية المفرطة، الاستهلاك غير المحدود، والهيمنة الاقتصادية والسياسية، قد قاد البشرية إلى عزلة اجتماعية، وانهيار في الروابط المجتمعية، وتفكك في القيم الإنسانية. لذلك فإنّ إصراره على النظام الكومينالي يأتي كخطوة استراتيجية لإنقاذ الإنسان من هذا الانهيار، وإعادة بناء المجتمع على أسس التكافل والتعاون والمساواة.

‏كما أنّ الدولة القومية في رؤيته تمثّل قمّة الهيمنة والتسلّط، وتُعدّ أداة لإلغاء التعددية الثقافية، وصهر الشعوب ضمن هوية واحدة مفروضة، وهو ما يرفضه المفكر عبدالله أوجلان جذرياً، ويقابل هذه الهيمنة بمفهوم “الأمة الديمقراطية”، حيث تُبنى العلاقات بين المكونات المختلفة على أساس الحرية والاحترام والتعايش المشترك، دون الحاجة إلى مركزية الدولة القومية أو احتكار القوة.

تشكّل الكومينات البناء الأساسي للأمة الديمقراطية، إذ تمثّل الإرادة الحرّة للشعوب والمجتمعات المحلية. يؤكد الفيلسوف عبد الله أوجلان أنّ الحياة التشاركية التي تقوم على الإنتاج المشترك والتوزيع العادل للموارد، ليست مجرّد فكرة طوباوية، بل هي ضرورة واقعية في مواجهة الفقر والتهميش والعزلة التي فرضها النظام العالمي القائم. لذلك فإنّ دعوته المتكررة لتنظيم الكومينات في كل مكان وزمان، وخاصة في هذا العصر، تعكس إيمانه العميق بأنّ خلاص البشرية لن يكون عبر الدول أو الأنظمة الحاكمة، بل عبر الشعب ذاته عندما يُنظّم نفسه، ويعيد امتلاك قراره ومصيره.

‏يُعدُّ تشكيل الكومين ضرورةً ملحّة لأيّ مجتمعٍ يسعى إلى التحرر من سيطرة الدولة المركزية والسّلطة الذكورية والرأسمالية، وذلك لأنّه يُشكّل البنية الأساسية للمجتمع الديمقراطي الحر، حيث تُبنى العلاقات الاجتماعية والسياسية على مبدأ المشاركة المباشرة، الإرادة الحرّة، العدالة الاجتماعية. الكومين هو التعبير العملي عن الإرادة الجماعية للمجتمع، وهو المساحة التي يستطيع من خلالها الأفراد وبشكل خاص الفئات المهمشة أن يُعيدوا صياغة حياتهم وفق حاجاتهم وقيمهم، بعيداً عن الإملاءات الفوقية. في هذا السياق تبرز أهميّة تشكيل كومينات المرأة الشّابة كجزءٍ جوهري من النضال المجتمعي من أجل الحرية والكرامة. فالمرأة الشابة تُعاني من أشكال متعددة من التهميش والاستغلال، سواء من العائلة، أو المجتمع، أو النظام السياسي والاقتصادي السائد، حيث تُفرض عليها أدوارٌ نمطيّة، ويُمنع عنها اتخاذ القرار في حياتها، أو المساهمة الفاعلة في بناء المجتمع.

‏كومينات المرأة الشّابة تُمثّل ثورة داخل الثورة، لأنّها تُعيد للمرأة الشابة صوتها ودورها ومكانتها. في هذه الكومينات تتعلم الفتيات الشابات كيف ينظمن أنفسهن، ويتّخذن قراراتهن بشكلٍ جماعي، ويطورن قدراتهن الفكرية والعملية، ويعشن روح التضامن الحقيقي. هذه المساحات الحرة تسمح لهنَّ بالخروج من العزلة، وكسر قيود العادات البالية، والنظام الذكوري الذي طالما سجن المرأة داخل أدوار الطاعة والصمت.

عبر الكومينات لا تُمنح المرأة الشابة فقط فرصة المشاركة، بل تُفتح أمامها طرق التغيير، فتتحول من كائن خاضع إلى فاعل قيادي في المجتمع. بذلك لا تسهم الكومينات في تحرير المرأة فحسب، بل تُسهم في تحرير المجتمع بأسره، لأن لا تحرر حقيقي يمكن أن يتحقق دون تحرر المرأة الشابة التي هي قوة الحياة المتجددة، وصاحبة الدور الأكبر في بناء أجيالٍ أكثر وعياً وحرية. إنّ كومينات المرأة الشابة تُرسّخ نموذجاً جديداً من العلاقات الإنسانية والسياسية، وتضع الأساس لمجتمعٍ أكثر عدالة، وأقل عنفاً، وأكثر قدرة على مقاومةِ أنظمة الهيمنة والاستعباد.

‏يُعدّ تشكيل الكومينات الخاصّة بالمرأة أداةً فعالة في حمايتها من الإبادة والإقصاء الممنهج داخل المجتمعات التي تتسم بسيطرة النظام الذكوري والقمع الثقافي. فالإقصاء لا يكون بالضرورة عبر العنف المباشر، بل يتم أيضاً عبر تغييب دور المرأة و تهميش صوتها وتحجيم وجودها في الفضاء العام، وهي كلّها أشكال من الإبادة الرمزية والاجتماعية. بهذا؛ توفّر الكومينات النسائية إطاراً تنظيمياً يسمح للمرأة بتنمية وعيها الذاتي، وممارسة دورها المجتمعي بفعاليّة، وتطوير آليات دفاع ذاتية جماعية تحميها من التهميش والعنف.

الكومين ليس فقط مساحة اجتماعية، بل هو بُنية سياسيّة وثقافية تُنتج علاقات جديدة بين النساء تُبنى على التضامن والتكافل وتُحررهن من التبعية والهشاشة. من خلال هذه البنية التشاركية تستطيع المرأة أن تمتلك القرار بشأن حياتها، وأن تواجه أي شكل من أشكال السيطرة والإخضاع سواء من الأسرة أو المجتمع أو المؤسسات. لذلك فإنّ الكومينات النسائية لا تحمي المرأة من الإقصاء فحسب، بل تُعيد تأسيس وجودها كفاعلٍ رئيسي في الحياة العامّة، وتمنحُها قوةً مجتمعية جماعية تُشكّل درعاً حقيقياً ضد كل محاولات الإبادة أو التهميش.

‏يُعتبر تنظيم المجتمع شرطاً أساسياً وركيزةً حيويةً لنجاح النظام الكومينالي الذي يُعدّ نموذجاً جديداً للحكم الذاتي والعيش الديمقراطي المباشر. فعندما يكون المجتمع منظّماً بشكلٍ جيّد، فإنّه يُتيح لأفراده القدرة على المشاركة الفعّالة في اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهم اليومية، وهذا هو جوهر النظام الكومينالي الذي يقوم على المشاركة الشعبيّة، والإدارة الذاتية بعيداً عن هيمنة الدولة المركزية أو النخب السياسية. إذ يُمكن للتنظيم المجتمعي أن يُخرج طاقات المجتمع الكامنة ويوجهها نحو بناء مؤسسات محليّة ديمقراطية تُمارس السلطة بشكلٍ مباشر وشامل، مما يُعزز شعور الأفراد بالانتماء والمسؤولية تجاه مجتمعهم.

‏يعملُ تنظيم المجتمع على بناء شبكةٍ من الكومينات التي تُشكّل خلايا اجتماعية صغيرة متماسكة لكلٍّ منها استقلالية في اتخاذ القرار، مع تواصلٍ مستمر مع الكومينات الأخرى ضمن بُنيةٍ أفقيةٍ وشاملة. هذا التنظيم يخلق بيئة تتميز بالشفافية والمشاركة الجماعية، حيث يُمكن لكلِّ فردٍ- وخاصةً الفئات المهمّشة مثل النساء والشباب- أن يعبّر عن آرائه ويُشارك في إدارة شؤون مجتمعه، وعليه تتحقق العدالة الاجتماعية من خلال توزيع الموارد وفرص التنمية بشكلٍ متساوٍ، كما يُحارب التهميش والاستغلال الذي أنتجته الأنظمة القديمة، مما ينعكس إيجابياً على الواقع الاجتماعي، ويُعزز التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع.

عندما نتحدث عن الكومونة من المهم الإشارة إلى أنّها ليست شيئاً نُنشئه من الصفر. كلمة “كومونة” مشتقّة من كلمة “مجموعة” أو “تجمّع”. أي أنّه عندما تعيش مجموعة من الناس معًا أو تعمل معًا فإنّها تصبح جماعة، ولكن هل تصبح هذه المجموعة أيضاً كومونة في الوقت نفسه؟ هذه المجموعة ليست كومونة بعد مثل الكومونات التي نتحدّث عنها عندما نتحدث عن الكونفدرالية الديمقراطية، لأنّه لا تزال هناك نقاطٌ مهمّة لكي يُصبح هذا التجمع كومونة.

هذا التجمع الذي ذكرناه لا يزال موجوداً بيننا. على سبيل المثال( الحي، أو المجموعة التي تمارس الرياضة معاً، أو الفصل الدراسي) كل هذه تجمّعات لأشخاص يقومون بشيٍء ما معًا، لكننا قلنا إنّها ليست كومونات بعد، لأنّ هذه التجمعات تقتصر في الغالب على وظيفة. هدف الكومونات التي نتحدّث عنها هو تنظيم حياة المجتمع بشكلٍ عام.

دعونا نشرح النظام الجماعي باستخدام مثال القرية؛ من المهم أن نفهم لماذا ننتظم في المجتمعات؟ لفترة طويلة جداً (قرابة 5000 عام) لم يكن المجتمع منظّمًا. استولت بعض المجتمعات على كل ما يفيدها، أي السلطة. لكن قبل ذلك استمرّ المجتمع في العيش في بنية جماعية، ولا تزال آثار هذه الحياة قائمة حتى اليوم. في ذلك الوقت كانت الحياة جماعية، ومن هنا جاءت كلمة “كومونة” أو “جماعية”.

كيف تبدو الحياة الجماعية؟ الحياة الجماعية تعني أنّ مجموعة من الناس يعيشون معاً ويتشاركون نفس المعايير والأهداف. أي أنّ كلّ فردٍ في القرية يُصبح عضوًا طبيعيًا في الجماعة. بغضّ النظر عن مكان عمله، يكون الجميع أعضاءً في الجماعة. أساس حياتهم هو معاييرهم، المعيار الرئيسي هو أنّه لا يمكن للمرء أن يعيش بدون مجتمع، ولا يمكن للمجتمع أن يعيش بدون مجتمع، ماذا يعني هذا؟

هذا يعني أنّنا لا نستطيع العيش بدون مجتمع، أي أنّ حياتنا مستحيلة بدون التقاء الآخرين. هذه المعايير تستمد أساسها أيضاً من ثقافتنا. احترام بعضنا البعض، واتخاذ إرادة المرأة كأساس، ومساعدة بعضنا البعض، والحفاظ على تاريخنا وثقافتنا هي مبادئنا التوجيهية. نحن بحاجة إلى العودة إلى جذور ثقافتنا، وحمايتها ونشرها في كل مكان. من المعايير الأساسية الأخرى للحياة الجماعية ألا يُترك أحد بدون عمل. يعمل الجميع لصالح مجتمعهم، ويبذلون قصارى جهدهم، يقوم كل شخص بعمله وفقًا لقوته ومعرفته، وبهذه الطريقة يكمّلون بعضهم البعض.

تبدأ المجتمعات عملها على هذا الأساس. حالياً تتمثل المهمة الرئيسية للمجتمع في تنظيم الحياة اليومية، لكننا لا نتحدث عن توزيع الخبز والوقود هنا، معنى المجتمع أكبر من هذا، ولكي نتمكّن من أداء هذا الواجب يتم تنظيم اللجان داخل المجتمع وفقًا للاحتياجات. في معظم المجتمعات توجد لجان مثل الدفاع عن النفس، البيئة، الاقتصاد، التعليم، المرأة والشباب، وما إلى ذلك، ولكن يمكن توسيع هذه اللجان حسب الحاجة.

يعيش جميع أعضاء اللجنة في القرية، وبالإضافة إلى عمل البلدية يشاركون أيضاً في أعمالهم الخاصة. تعمل كل لجنة وفقًا لمسؤوليتها. على سبيل المثال، تنظم لجنتها الخاصة الدوريات في القرية وتكون مسؤولة عن أمن القرية، أو تتعامل اللجنة الاقتصادية مع احتياجات كل أسرة. من المهم هنا ملاحظة أنّ البلدية تشبه أيضاً التعاونية.

ما هي التعاونية؟ إذا فهمنا معنى كلمة تعاونية فإنّها تعني العمل معًا. تعمل القرية بأكملها معًا، كل منها متخصص في مهمّة، وبهذه الطريقة يتم تلبية جميع احتياجات القرية. فهناك حدائق مشتركة يعتني بها الجميع ومنتجاتها للجميع.

يُنتخب النواب من بين أعضاء البلدية، وتُجرى هذه الانتخابات وفقًا لنظام الرئاسة المشتركة، ويمثّل الرئيسان المشاركان بلديتهما في المجلس. في المجلس يجتمع نواب البلدية ويناقشون الأوضاع الحالية مع بعضهم البعض. لا يمكن للمجلس إلغاء قرارات أي بلدية، وفي الوقت نفسه يمكن أن تصبح قرارات البلدية قرارات جميع البلديات. على سبيل المثال؛ إذا قررت بلدية التوقف عن رمي نفاياتها في كل مكان، بل جمعها في مكان محدد، وبالتالي تنظيف محيطها، فإنّ البلديات الأخرى ستتبنى هذا المبدأ وتطبقه.

لكي يتجذّر نظام البلدية ويُطبّق، فإنّ الأهم هو بناء وعي ديمقراطي وحر مشترك. لا مكان لخصائص الحداثة الرأسمالية كالجشع والملكية والتمييز على أساس الجنس في البلديات. البلدية ليست مجرد مكان لحل المشاكل، بل هي أكثر مكان لبناء حياة حرة. من المهم لنا أن نُدرك أنّنا في النظام الشيوعي لا نسمح لأنفسنا بالخضوع لأيّ قوة خارجية، ونلبي احتياجاتنا بأنفسنا، ونتحمل مسؤولية أمننا بأنفسنا، ونحلّ مشاكلنا بأنفسنا، هذه هي إرادة شعبٍ حر.

‏أمّا من ناحية النهوض بالواقع الاجتماعي لشعوب المنطقة، فإنّ النظام الكومينالي يُقدّم بديلًا فعّالًا لمعالجة المشاكل المزمنة التي تواجهها مثل الفقر، البطالة، الانقسامات العرقية والدينية، ضعف الخدمات الأساسية. فالكومينات لا تقتصر على كونها هياكل إدارية فقط، بل هي فضاءات لإعادة بناء العلاقات الاجتماعية على أسس جديدة تعتمد على التشاركية والاحترام المتبادل.

من خلال هذا النظام يتم تحفيز الإنتاج المشترك وتنظيم العمل بشكلٍ يضمن استفادة الجميع وتقليل الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى تعزيز ثقافة الحوار والتعايش السلمي بين مكونات المجتمع المختلفة، مما يُسهم في تعزيز الاستقرار والأمن الاجتماعي.

‏كما أنّ النظام الكومينالي يُعزز دور الفئات المهمّشة، ويمنحها منابر حقيقية للتعبير عن نفسها والمشاركة في صنع القرار، الأمر الذي يغير من ديناميكيات السلطة التقليدية القائمة على الهيمنة والسيطرة. فالمرأة الشابة مثلاً تجد في الكومين مساحةً لإعادة اكتشاف صوتها وقوتها، مما يؤدي إلى تغييرات جوهرية في البنية الاجتماعية والسياسية، ويُسهم في بناء مجتمع أكثر عدلًا وإنصافًا.

‏بالتالي؛ يؤكّد تنظيم المجتمع في إطار الكومينالي على ضرورة الديمقراطية المباشرة، حيث لا يقتصر الحكم على النخب أو المؤسسات الحكومية، بل يتم من خلال تفاعل المجتمعات المحلية ذاتها، وهذا ما يجعل النظام الكومينالي نموذجًا واقعيًا قادرًا على مواجهة تحديات العصر، ويضع أسساً متينة لنهوض اجتماعي حقيقي مستدام يعتمد على القوة الذاتية للمجتمع وليس على سلطة مركزية مفروضة.

‏يمكن القول إنّ تنظيم المجتمع هو العامل الحاسم الذي يُفعّل نظام الكومينالي، ويُمكّنه من تحقيق أهدافه في بناء مجتمع ديمقراطي حر، حيث تُحترم الحقوق، تُوزّع الموارد بشكلٍ عادل، تُبنى علاقات قائمة على التضامن والتعاون. بذلك يصبح النظام الكومينالي أداةً فاعلةً للنهوض بالواقع الاجتماعي لشعوب المنطقة، من خلال بناء مجتمع قادر على استعادة قراره ومصيره بنفسه بعيدًا عن التسلّط والهيمنة الخارجية. جوهر هذا النظام يكمن في إشراك جميع الفئات الاجتماعية- نساءً ورجالاً، شباباً وكباراً، عرباً وكرداً وسرياناً وغيرهم- في صنع القرار، وتعزيز روح الاقتصاد المجتمعي، وترسيخ قيم الأخوّة والعيش المشترك. هنا نستنتج أنّ الكومين مشروعٌ إنسانيٌّ شاملٌ يسعى إلى إعادة تعريف معنى الحرية والعدالة في القرن الحادي والعشرين.

في الختام؛ كانت مناطق شمال وشرق سوريا التي انطلقت منها ثورة روج آفا المعروفة بثورة المرأة، الساحة الأولى لتجربة النظام الكومينالي كنموذجٍ عملي لبناء مجتمعٍ جديد يقوم على العدالة والحرية. شعوب هذه المنطقة التي عانت لسنوات طويلة من التهميش والاستبداد، بدأت بتأسيس شكلٍ مختلفٍ من الحياة السياسية والاجتماعية، يقوم على المشاركة الشعبيّة بدلاً من السلطة المركزيّة، ولأنّ شمال وشرق سوريا تتميّز بتنوعٍ قومي وديني واسع، فقد ساهم النظام الكومينالي في تعزيز التعايش بين المكوّنات المختلفة، إذ يجلس العربي والكردي والسرياني معاً في مجلسٍ واحد، ويعملون بروحٍ جماعيّة على حلّ القضايا المشتركة.