دور الكومين في تحقيق الاقتصاد المجتمعي وتفعيل دور المرأة – سما بكداش

دور الكومين في تحقيق الاقتصاد المجتمعي وتفعيل دور المرأة

“مشروعُ الاقتصاد الكومونالي برؤيةِ المرأة ليس بعيدَ المنال،

وهو بديلٌ عملي للنظام الاقتصادي العالمي،

وسبيلٌ لبناءِ مجتمعٍ ديمقراطي حقيقي

يضعُ الإنتاج في خدمةِ الإنسان والطبيعة،

ويؤسسُ لسلامٍ دائمٍ بين البشر وبيئتهم”

 

سما بكداش

اعتاد الباحثون والمفكرون عبر التاريخ على تصنيف النّظم الاجتماعية استناداً إلى علاقاتها الاقتصادية، لأنّ البنية الاقتصادية هي التي تُحدد طبيعة المجتمع وقيمه ونمط حياته. فقد عرف الإنسان في بداياته المجتمع الكومونالي (المشاعي) القائم على الملكية الجماعية، تلاه المجتمع العبودي الذي قام على علاقة السيد والعبد، حيث كان العبد مجرّد أداةٍ للإنتاج. ثم جاء النظام الإقطاعي المعتمد على التبعيّة للأرض، تلاه النظام الرأسمالي الذي حوّل العمل إلى سلعة، وأخيراً ظهر النظام الاشتراكي الذي سعى إلى القضاء على الطبقات.

هذا التسلسل لم يكن عبثيّاً، بل جاء نتيجة تطوّر القوى المنتجة – من أدوات وتكنولوجيا ومعرفة – وتغيّر العلاقات الإنتاجية بين البشر، ما انعكس على شكل المجتمعات وطريقة توزيع الثروة. أمّا في العصر الحديث، ومع تعمّق أزمات الحداثة الرأسمالية تفاقم الفقر واللا مساواة والبطالة، وأصبحت الأزمة الاقتصادية العالمية متعددة الأبعاد.

رغم شعارات الرأسمالية في تحرير العمل من العبودية والإقطاع، أعادت إنتاج الاستغلال بصيغٍ جديدة، حيث أصبح الإنسان سلعة في سوق العمل، وتحوّلت الطبيعة إلى موردٍ يُستنزَف بلا رحمة. هذه الأزمة ليست طارئة، بل نتيجةً منطقيةً لبُنية النظام القائم على المنافسة والسعي وراء الربح الأقصى، دون إعطاء أي اعتبار للعدالة الاجتماعية أو المبادئ والاستدامة البيئية.

خلال سنواتٍ طويلة من الأزمات الاقتصادية، سعى العديد من الفلاسفة والحركات الثورية للبحث عن بدائل لحلِّ هذه الأزمات والمشاكل الاقتصادية، ولكن أغلب الثورات والمساعي – كما في الثورة الروسية والصينية – انحرفت عن أهدافها الحقيقية، وانتهت إلى أنظمة بيروقراطية مركزية أعادت الانخراط في المنظومة الرأسمالية بشكلٍ من الأشكال.

اليوم ونحن في القرن الحادي والعشرين – ومن خلال طرح المفكر عبد الله أوجلان تحليلات معمّقة لأزمات المجتمعات  التي تعاني منها الشعوب ومنها المشكلة الاقتصادية، باحثًا عن بدائل جذرية مرتبطة بالإنسان والمجتمع المحلي، وبعد قراءة معمّقة لكل الثورات والحركات والتاريخ والنظريات الاقتصادية – يُطرح مفهوم الاقتصاد الكومونالي والاكتفاء الذاتي القائم على تلبية احتياجات المجتمع عبر أصغر وحدة تنظيميّة وهي “الكومين”.

الكومين الذي هو تجمّع لأهالي حي أو قرية أو عدّة أحياء يديرون شؤون حياتهم بشكلٍ مباشر، ودون وساطة بيروقراطية بما في ذلك الإدارة الاقتصادية. فبدلاً من أن تُحدد السلطة المركزية أو الشركات الكبرى الإنتاج والتوزيع، يقوم الكومين بالتخطيط وفق حاجات المجتمع الفعلية، ويؤسس التعاونيات التي توفّر العمل وتدير الموارد بشكلٍ جماعي يمنع الاحتكار. هذا النموذج يمثل بديلاً جذرياً للأنظمة الاقتصادية السائدة، ويستند إلى رؤية الفيلسوف عبد الله أوجلان في تجاوز أزمات الحداثة الرأسمالية نحو تنمية متوازنة. الاقتصاد الكومونالي في فكر الفيلسوف عبد الله أوجلان ليس مجرّد نموذجٍ إنتاجي، بل جزءٌ من مشروعٍ سياسي أوسع يقوم على الإدارة الذاتية الديمقراطية، حيث تُمثّل الكومينات وحداتها الأساسية.

هذه الفكرة مستوحاةٌ من تجارب إنسانية قديمة، مثل حضارة ميزوبوتاميا، مهد أول ثورةٍ زراعية في التاريخ، حين ظهرت القرى وأنماط التعاون، وكانت المرأة في قلب العملية الإنتاجية  كمزارعة ومدبرة ومخططة لشؤون المجتمع. كان الاقتصاد حينها قائماً على الملكية المشتركة والتعاون قبل ظهور الملكية الخاصة أو الاستغلال الطبقي.

إنّ إحياء هذه التجربة في يومنا هذا لا يعني استنساخ الماضي، بل استلهام قيمه الجوهرية (المساواة، التعاون، والتوازن مع الطبيعة) وإعادة صياغتها في نموذجٍ عصري، يلبي حاجات المجتمع الحديث، ويمنح الأفراد القدرة على المشاركة الفاعلة، وبناء حياةٍ أكثر عدلاً.

يمكن القول إنّ الكومين يتحوّل إلى أداةٍ قويّة لبناء اقتصاد اجتماعي، ذلك عبر مشاريع إنتاجية صغيرة ومتوسّطة تُلبّي حاجات المجتمع، مثل المزارع التعاونية، الورش الحرفية، معامل الغذاء والصناعة الخفيفة، وخدمات التعليم والصحة. لا تقوم هذه المشاريع على الربح الفردي، بل على أن تعود الفائدة للجميع، مع توزيع الأرباح بعدالة أو إعادة استثمارها لخدمة المجتمع، مما يُعزز الاكتفاء الذاتي ويُقلل الاعتماد على السوق الخارجية.

في ثورة روج آفا – شمال وشرق سوريا، نجد تجسيداً عمليّاً لهذه الفكرة، إذ لا تعمل الكومينات كخدمات محلية فحسب، بل تعمل على ترسيخ القيم الديمقراطية، وتعزيز مشاركة المرأة في المجتمع، وإدارة مشاريع اقتصادية جماعية. فهناك مزارع قمح وخضروات جماعية، وورش خياطة تديرها نساء، وتعاونيات لتربية المواشي والدواجن توفّر دخلاً ثابتاً لعشرات العائلات، وتقلل الحاجة للاستيراد.

هذا الاقتصاد يقوم على مبادئ أساسية وهي الإنسان قبل الربح، المشاركة الديمقراطية، التوزيع العادل للموارد والاستدامة البيئية. هنا تبرز المرأة كركيزة أساسية، إذ تقود المشاريع التعاونية وتفتح فرص عملٍ جديدة، وتكسر التبعيّة الاقتصادية، ما يُعزز مكانتها الاجتماعية والسياسية وينعكس إيجاباً على المجتمع بأسره.

بالتالي؛ للكومين أهمية قصوى لدى الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا كونه حجر الأساس في ترسيخ مشروع الأمة الديمقراطية التي تتباها في مناطقها، حيث لعبت الكومينات دوراً بارزاً في تعزيز التعايش بين المكونات المختلفة. فالعرب والكرد والسريان والآشوريون وغيرهم يجتمعون في إطارٍ واحدٍ لإدارة شؤونهم اليومية، بعيداً عن الذهنية القومية أو الطائفية الضيقة. هذا النموذج منح التجربة بُعداً إنسانياً وحضارياً جعلها محط أنظار الكثير من الحركات الديمقراطية في العالم.

مع ذلك؛ يواجه هذا النموذج تحدّيات عديدة منها عدم ترسّخ ذهنية الاقتصاد المجتمعي بالصورة المطلوبة، وضغوط الأنظمة المركزية والأسواق العالمية، والموروثات الثقافية التي تحدُّ من مشاركة النساء أو تقبُّل الملكية المشتركة، إضافةً إلى ضعف تفعيل بعض الكومينات. يمكن تجاوز هذه العقبات عبر تطوير آليات العمل، تبادل الخبرات، إنشاء صناديق تضامن وتمويل محلية. إنّ مشروع الاقتصاد الكومونالي برؤية المرأة الحرّة ليس بعيد المنال، وهو بديلٌ عملي للنظام الاقتصادي العالمي، وسبيلٌ لبناء مجتمعٍ ديمقراطي حقيقي، يضع الإنتاج في خدمة الإنسان والطبيعة، ويؤسس لسلامٍ دائم بين البشر وبيئتهم.

هنا يُمكنني القول إنّه وبقدر ما نعملُ على نشر هذا الشكل من التنظيم الكومونالي، بقدر ما نفتحُ الطريق أمام مستقبلٍ يليق بالإنسان. مستقبل لا يقوم على التسلط والهيمنة، بل على الشراكة الحقيقية والعدالة والمساواة. فالكومون هو تعبيرٌ عن إرادة الناس الحرّة، وهو الشكل الأقدر على تمكين الأفراد من إدارة حياتهم بأنفسهم بعيداً عن الاستغلال والتبعيّة. من خلاله يُمكن تحويل القيم الإنسانية الكبرى إلى ممارسة عملية تعكسها حياة الناس اليومية، من الاقتصاد إلى السياسة، ومن التعليم إلى الثقافة.

الأهم من كل ذلك، أنّ هذا الشكل من التنظيم يضع تحرير المرأة في موقع محوري. فمشاركتها الكاملة في إدارة الكومونات هي ضمانةٌ حقيقية لاستمرار قيم الحرية والمساواة، إذ لا يمكن الحديث عن مجتمع ديمقراطي دون أن تكون المرأة جزءاً أساسياً في صنع القرار.