المرأة والوطن.. علاقةٌ متجذّرة في جوهر الوجود الإنساني – روهلات مسلم

المرأة والوطن.. علاقةٌ متجذّرة في جوهر الوجود الإنساني

“شُبّهَ الوطن بالأم لأنّهما يشتركان في أسمى الصفات الإنسانية

ألا وهي الاحتواء، العطاء، التضحية،

فكما تحتضنُ الأمُ أبناءها دون تمييزٍ،

يحتضنُ الوطنُ أيضاً جميع الأممِ والثقافاتِ

والمعتقداتِ والمكونات”

 

روهلات مسلم

 

الوطنُ ليس مجرّد قطعة أرضٍ جغرافية يعيش عليها الإنسان لفترة طويلة من الزمن ويُنتج فيها القيم المادية والمعنوية، بل هو المكان الذي تتحقق فيه حرية الإنسان والمجتمع، وتزدهر فيه قيم العدالة والمساواة. فالوطن الحقيقي لا تحدده خطوطٌ مرسومةٌ على الخرائط وفق مصالح الدول القومية، بل تصنعه إرادة الشعوب التي تبني أوطانها على أسس الحرية والإنسانية.

سوسيولوجياً؛ الوطنُ هو الجغرافيا التي أَنجزتْ عليها البشريةُ كلَّ الثقافات والحضارات وتاريخ المجتمعات عبر العصور، واستوطنها الإنسان ديموغرافياً طيلة آلاف السنين. من هذا المنطلق يمكن القول بأنّ الوطنَ هو بمثابةِ الأمِّ الثانية، كما يعبّر المثل الكردي (لا يمكن أن تصبح والدة غيرك أمّاً لك، وكذلك الوطن). فالوطن هو المنزلُ والمهد والروحُ، أي أنّه مثلما لا يستطيع الإنسان العيش بدون بيت، فإنّه لا يستطيع العيش بدون الوطن. فبقاء الإنسان بدون وطن يعني فقدان اللغة والثقافة والهوية، وبالتالي يكون عرضةً للانصهار والزوال.

من الناحية الروحية، يقول المفكر عبد الله أوجلان: “الوطنُ ليس قطعةَ أرضٍ، بل هو الذاكرةُ والهوية التي يعيشها الإنسانُ بحريةٍ وكرامة”. انطلاقاً من هذا المفهوم، يُمكننا تسمية الوطن بالذاكرة الحيّة لأنّها تحفظ كلَّ الذكريات التي عشناها. كما وتؤثّر الجغرافيا والمناخ والبيئة وطبيعة الأرض بشكلٍ مباشرٍ في سلوك الإنسان ونمط حياته، كما تنعكس على ملامحه الجسدية مثل لون البشرة والعينين، تبعاً للطبيعة والبيئة التي ينتمي إليها.

لذلك؛ يُمكن القولُ بأنّ الوطن هو المكان والأرض والطبيعة والبيئة التي تشكّل جوهر انتمائنا وهويتنا. ليس الإنسان وحده من يستوطن الأوطان، بل تشاركه الكائنات الحيّة الأخرى هذا الانتماء، فالحيوانات والنباتات أيضاً تتخذ من أوطانها موطناً فريداً يتناسب مع طبيعتها. فعلى سبيل المثال، توجد بعض أنواع الكائنات الحيّة في الشّرق الأوسط ولا نجدها في الغرب، والعكسُ صحيح.

تعريف الوطنيّة

بحسب قاموس أكسفورد الإنجليزي؛ يوصف الوطني بأنّه الشخص الذي يدعم بلاده بقوة، ويكونُ مستعدّاً للدفاع عنه والوقوف في وجه الأعداء والمحتلين. أمّا موسوعة ستانفورد للفلسفة؛ فقد قدّمت تعريفاً معيارياً للوطنية باعتبارها حب الإنسان لوطنه. إنّ الرؤية العامّة للوطنية هي حبُّ الوطن والدفاع عنه بشتى الوسائل الإنسانية النبيلة, فهي ارتباطٌ وجداني بالأرض بكلِّ ما فيها من سهول وجبال وأنهار، وبكلِّ ذرةٍ من ترابها دون تمييز، وهي أيضاً استعدادٌ دائمٌ لحماية هذه القيم وصونها من أيِّ خطرٍ داخلي أو خارجي، حتى وإن تطلّب الأمر التضحية بالنفس أو بالأبناء.

بمعنى آخر؛ تجسد الوطنية وعياً بالواقع الاجتماعي والتاريخي والجغرافي للوطن، والرغبة الجامحة في حرية الوطن والارتقاء به. أي أنّ هذا الحب يجب ألا يفرّق بين منطقةٍ وأخرى، أوبين قوميةٍ وثقافةٍ ولغةٍ وطائفةٍ، بل يشمل الوطن بأكمله كوحدةٍ واحدة تجمع جميع أبنائه تحت راية الانتماء والكرامة المشتركة.

الإنسان الوطني يُكافح من أجل حماية الوطن من الهجمات الداخلية والخارجية – أي ضدَّ كلِّ هجومٍ ينوي احتلاله أو الإساءة إليه وجعل المجتمع عبداً للأعداء – لأنّ المواطن الحر يدافع عن الوطن على كافة الأصعدة العسكرية، الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية والثقافية.

الإنسان الوطني يسعى إلى بناء وطنه في مختلف المجالات العلمية، الطبية، الفنية، التكنولوجية، الرياضية، والاقتصادية، واضعاً نصب عينيه هدف الارتقاء بالمجتمع وخدمته بكل ما يستطيع. فالمعلّم يساهم في بناء أجيالٍ تسودها القيم والمبادئ، ليتمكن الوطن من أداء دوره الريادي في مسيرة الحضارة البشرية. الطبيب يعمل على خلق مجتمعٍ صحي ومعافى، محرراً أفراده من الأمراض والآلام. أمّا المهندس، فيسعى إلى تشييد وطنٍ جميل وإيكولوجي متطوّر، يجمع بين الإبداع والوظيفة لخدمة الإنسان والبيئة معاً. كما يقوم الغني بتوظيف أمواله في مشاريع تنموية تُسهم في ازدهار الاقتصاد وخلق فرص العمل. بينما يقف المقاتل مدافعاً عن أرضه وأمن وطنه، مضحيّاً بنفسه إذا لزم الأمر، ليرتقي شهيداً في سبيل وطنه. هكذا؛ فإنّ كلَّ وطنيٍّ من موقعه واختصاصه، يبذل الجهد ويكدُّ في سبيل رفعة الوطن وتقدّمه، مؤمناً بأنّ خدمة الوطن مسؤولية جماعية.

الوطنية الحقيقية تعني النضال من أجل العيش المشترك على أساس الحرية والمساواة في الحقوق، فهي ممارسة عملية تُترجم في الواقع، لا مجرّد شعارات. الوطنية ليست في خدمة المفهوم القومي المزيّف الذي تروّجه السلطات والدول القوميّة الرأسمالية، بل في خدمة الوطن المشترك الذي يجمع جميع أبنائه، ويعزز التعاون والتعايش بين مختلف مكوناته، ويصون حقوق الجميع دون استثناء، ويقوّي الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه المستقبل.

عندما يتعرّض الشعب للخطر، فإنّه يقوم بـ “حرب الشعب الثورية” للدفاع عن أرضه وحريته وكرامته. هذا ما أثبتته تجارب الشعوب المناضلة عبر التاريخ، مثل ثورة فيتنام، ثورة الجزائر، مقاومة كوباني، والنفير العام ضدَّ مرتزقة داعش الإرهابي، وكذلك مقاومة حيّ الأشرفية والشيخ مقصود في وجه المرتزقة، ومقاومة سد تشرين (سد الشهداء) التي جسّدت البطولة من خلال صمود المقاتلين في الخنادق، ومقاومة الشعب في شمال وشرق سوريا رغم الهجمات الجوية والبرية بالطائرات المسيرة التابعة لدولة الاحتلال التركي.

إنّ حرب الشعب الثورية تُمثّل أسمى تجلّيات الوطنية، لأنّها تعكس الإرادة الجماعية في حماية الوطن وتحقيق الاستقرار والأمان. فالوطنيةُ ليست كلمات تُقال، بل سلوك يُترجم بالعمل، التضحية، الإخلاص والتمسّك بالقيم التي تُوحّد أبناء الوطن وتدفعهم نحو مستقبلٍ أفضل. بهذا المعنى؛ يُمكننا القول بأنّ الوطنية ليست التعلّق بالأرض فقط، بل الدفاع عن قيم الحرية والعدالة والمساواة التي تُصان فوق تلك الأرض.

علاقة المرأة والوطن هي علاقة الروح بالجسد

متى يتعرّف الإنسان على الوطن؟ يتعرّف الإنسان على الوطن عندما يدرك معنى الاستقرار، وحين يبدأ بإنتاج قيمٍ مادية ومعنوية تعبّر عن انتمائه للمكان الذي يعيش فيه. هذا الوعي بالوطن لم يولد فجأةً، بل تشكّل عبر مراحل طويلة من تطوّر البشرية، منذ أن بدأ الإنسان يتّخذ التدابير التي تؤمّن له الأمان والاستقرار في حياته اليومية.

ففي عصر النيوليتيك (العصر الحجري الحديث)، حوالي 12000 سنة قبل الميلاد، حدث التحوّل الجذري الأول في حياة الإنسان، حين اكتشف الزراعة وبدأ بتربية الحيوانات، وهما من أعظم القيم الإنسانية التي مهّدت لبناء أولى القرى المستقرة. مع الاستقرار الزراعي، تطوّرت اللغة والثقافة والعلاقات الاجتماعية، وبرز دور الآلهات الأم للتعبير عن الخصب والحياة والولادة، ما يدلّ على مكانة المرأة المحورية في تأسيس المجتمع. في تلك المرحلة، نشأت أولى التشكيلات الاجتماعية المنظّمة مثل القبيلة والعشيرة، وبدأ يتكوّن مفهوم الوطن بالمعنى الجماعي، أي الأرض التي توحّد الناس وتجمعهم على أساس التعاون والعيش المشترك. مع مرور الزمن، تحوّل المكان إلى رمزٍ للانتماء والهوية.

كانت تلك الأرض تُعرف باسم وطن الجبال المقدسة، أو كما سُمّيت في الأساطير القديمة عرش الآلهة، ووطن الشمس، وهي المنطقة التي عُرفت لاحقاً باسم بلاد ما بين النهرين – ميزوبوتاميا – جنة هذه الدنيا. هناك وُلدت أولى بذور الحضارة، ومن هناك انطلقت شرارة الوعي الإنساني بالبيت والأرض والمجتمع.

منذ بداية البشرية، استمرّ الإنسان في كسب مكتسبات الحياة في هذه الجغرافيا الغنيّة، التي اعتُبرت أوّل وطنٍ استوطنه الإنسان تحت إدارة الأم الآلهة، فيما يُعرف بـ المجتمع الأمومي، حيث كانت المرأة مركز الحياة والتنظيم الاجتماعي. إنّ الآثار، النقوش، الرموز، والعوالم التاريخية المتواجدة في تلك الأرض حتى اليوم، تشهدُ على هذه الحقيقة التاريخية العظيمة.

العلاقة بين الوطن والمرأة علاقة متجذّرة في جوهر الوجود الإنساني. فالمرأة هي التي تنجب أبناء الوطن وتغرس فيهم حب الأرض منذ نعومة أظفارهم، وهي التي تُعلّمهم معنى الانتماء من خلال حنانها وصبرها وتضحيتها. إذا كان الوطن يرمز إلى الأمان، فإنّ المرأة هي منبعُ هذا الأمان. لذلك؛ لا عجب أن يُجسَّد الوطن دائماً في صورة الأم أو المرأة الحاضنة. شُبِّه الوطن “بالأم” لأنّهما يشتركان في أسمى الصفات الإنسانية ألا وهي الاحتواء، العطاء، التضحية. فكما تحتضن الأم أبناءها دون تمييز، يحتضن الوطن أيضاً جميع الأمم والثقافات والمعتقدات والمكونات، وكما تتألم الأم حين يُصاب أحد أبنائها، يتألم الوطن حين يُصيبه الشر أو الانقسام. الأم تمنح الحياة، والوطن يمنح المعنى لهذه الحياة.

لكي نعزز العلاقة بين المرأة والوطنية، علينا أن نضع المرأة في قلب العملية الوطنية، لا في هامشها. فالوطنية الحقيقية لا تكتمل إلا بمشاركة المرأة في صياغة فكرها وثقافتها وسياساتها. يجب أن تكون المرأة صانعة للقرار، لا مجرّد رمزٍ للعطاء. كلُّ خطوةٍ تخطوها المرأة نحو التعليم، العمل، المشاركة المجتمعية، هي خطوةٌ يخطوها الوطن نحو النهوض والتحرر والكرامة.

إنّ تمكين المرأة وتقدير دورها ليس مطلباً اجتماعياً فحسب، بل هو فعلٌ وطنيٌّ بامتياز. فالوطن لا يزدهر إلا حين تتفتح فيه طاقات جميع فئات المجتمع من الجنسين في كافة مجالات الحياة، وتعمل أيديهم معاً لبناء مستقبلٍ يليق بعطائهم و وطنهم. هكذا؛ تبقى المرأة قلب الوطن النابض، والوطن الحضن الذي لا يغيب دفؤه، والعلاقة بينهما ليست علاقةً رمزيةً فحسب، بل هي علاقة حياةٍ متبادلة، لا يقوم أحدهما إلا بالآخر. تشبيه الوطن بالأم ليس مجرَّد استعارةٍ لغوية، بل هو حقيقةٌ يعيشها كلُّ إنسانٍ ينبض قلبه بالحب والانتماء. فكما أنّ الأم لا تُقدّر بثمن، كذلك الوطن لا يُعوّض بوطنٍ آخر.

يرى القائد الأممي عبد الله أوجلان أنّ تحرير المرأة هو الخطوة الأولى نحو تحرير الوطن والإنسان، لأنّ مجتمعاً يستعبد المرأة لا يمكن أن يكون مجتمعاً حراً أو وطنياً بالمعنى الحقيقي. الوطن الذي تُقصى فيه المرأة عن دورها الطبيعي في البناء والمشاركة، هو وطنٌ فاقدٌ لروحه الأخلاقية والإنسانية. لا يمكن قيام وطنٍ ديمقراطي دون ثورةٍ تحرريةٍ نسائية تُعيد التوازن إلى العلاقات الاجتماعية وتكسر الهيمنة الذكورية المتجذّرة في بنية التاريخ والسياسة.

إنّ المرأة في جوهر فكر الأمّة الديمقراطية، هي القوة الأخلاقية والسياسية القادرة على تفكيك الذهنية الذكورية التي أنتجت أنظمة الاستبداد والحروب، والتي حوّلت الإنسان إلى وسيلةٍ للسيطرة بدل أن يكون شريكاً في الحياة. من هنا؛ تصبح المرأة قلب الوطنية الديمقراطية ومحورها الأساسي، فهي لا تُمثّل نصف المجتمع فحسب، بل تُمثّل الضمير الجمعي والقدرة على الاستمرار في مواجهة كلِّ أشكال القهر والظلم.

النساء المناضلات يُجسدن في نضالهنَّ روح الثورة الحقيقية، لأنّ مقاومتهنَّ لا تقتصر على الدفاع عن أرضٍ أو حدود جغرافية، بل تمتدُّ لتشمل الدفاع عن قيم الحرية والكرامة والعدالة. المرأة المقاومة هي الوطن في أبهى معانيه، الوطن الذي يرفض الخضوع ويصون إرادته مهما اشتدّت الظروف. الوطنية هي التي تتجسد في الفعل، لا في الشعارات.