محالٌ على مجتمعٍ بلا وطنٍ أنْ يستمرَّ بوجودِه – المفكر عبد الله أوجلان
محالٌ على مجتمعٍ بلا وطنٍ أنْ يستمرَّ بوجودِه

لا ريب في وجودِ حدودٍ لأوطانِ الشعوبِ والأمم،
لكنّ تَشَكُّلَ تلك الحدودِ والدفاعَ عنها ضمن مفهومِ
العصرانيةِ الديمقراطيةِ مغايرٌ كلياً لِما عليه في عقليةِ الدولةِ القومية،
فالحدودُ في هذا المفهومِ ليست تعصُّباً للمُلكية
بل هي خطُّ التضامنِ والصداقةِ
المفكر عبد الله أوجلان
تميزَ مصطلحا “الوطن” و”الوطن الأمّ” بالأهميةِ في عصرِ التحولِ القوميّ. حيث يُعَرِّفُ مصطلحُ “الوطنِ الأمِّ” السوسيولوجيُّ الجغرافيا التي خُلِقَت عليها ثقافةٌ ما، وأُسِّسَت فوقَها السوق، وتشكَّلَ عليها وعيٌ تاريخيّ، واستُوطِنَت ديموغرافياً لمئات السنين. يُعَدُّ الوطنُ مكاناً لا غنى عنه بالنسبةِ للرأسماليين المرتبطين بالسوق، وبدرجةٍ أهمُّ بالنسبةِ إلى الشعوبِ والأممِ التي تُعتَبَرُ الخالقةَ الحقيقية للثقافةِ المجتمعية.
لا ينحصرُ الوطنُ في كونِه الأراضي التي يتحققُ عليها الإنتاجُ الماديُّ للحياةِ الاجتماعيةِ وثقافتُها. بل إنه مَهدُها أو المنزلُ الذي تتكونُ فيه روحُها وتاريخُها. والافتقارُ إليه (اصطلاحاً وروحاً) أنكى من الافتقارِ إلى المأوى والروح. ومَن يتركُ المجتمعَ بلا منزلٍ وروح، فبإمكانِه تركُه مفتقراً للثقافةِ الماديةِ والمعنويةِ أيضاً. علماً أنّه عُمِلَ على تطبيقِ هكذا أحداثٍ بنحوٍ جدِّ بربريٍّ باسمِ “خطة إصلاح الشرق”. وبحُكمِ طبيعةِ المؤامرة، فقد جرى التذرعُ بالتمرداتِ الحاصلةِ في أجواءِ الاستفزاز، فلَم يُبْقَ حجرٌ على حجر. ودارَت المساعي لمنعِ استخدامِ أيةِ كلمةٍ بشأنِ واقعِ الكردِ وكردستان. وهكذا، وَجدَ العضوُ المُؤَسِّسُ الأصلُ في الجمهورية، والشعبُ الذي ربما كان أولَ مَن شَهِدَ له التاريخُ وطناً باسمِه؛ وَجدَ نفسَه وجهاً لوجهٍ أمام تجريدِه من كينونتِه كشعبٍ له وطنٌ خاصٌّ به.
لَم يُنفَ وجودُ أيِّ وطنٍ بهذا المنوالِ على يدِ أيةِ أيديولوجيا أو دينٍ في أيِّ عصرٍ من عصورِ التاريخ. كما لا وجود لهكذا مقاربةٍ في ذهنِ وقَرارةِ الغالبيةِ الساحقةِ من المجتمعِ التركيّ. في حين يمكنُ رؤيةُ مثيلٍ لممارسةِ ظاهرةِ التركياتيةِ البيضاء في العديدِ من الأممِ (أي الأمم الدولتية، الأمم المخلوقة بيَدِ الدولة، والدولة المتكونة بيَدِ القومويةِ ونزعةِ التعصبِ للأمة) التي دخلَت متأخرةً سياقَ الحداثةِ الرأسماليةِ في تلك الأيام، وعلى رأسِها ألمانيا وإيطاليا واليابان. لكنّ الكادرَ البيروقراطيَّ في “جمعيةِ الاتحاد والترقي”، والذي طمحَ في اشتقاقِ دولةٍ من القومويةِ التركية، لَم يَكُن شبيهاً أو توأماً للتعصبيةِ القومويةِ النازية. بل كان العنصرَ المؤسِّسَ لها، نظراً لقتالِه جنباً إلى جنب مع الألمان (في الحرب العالمية الأولى)، ولاتخاذِه القومويةَ والعسكرتاريةَ الألمانيةَ أساساً له بَعدَما ترعرع في مَشاتِلِها. فعندما باشرَ هتلر بإبادةِ اليهود، فقد اعترَفَ بذاتِ نفسِه أنه تأثرَ بتجربةِ حكومةِ الاتحاد والترقي في إبادةِ الأرمن.
إنّ تَركَ الكردِ بلا وطنٍ هو على علاقةٍ كثيبةٍ بهاتَين التجربتَين التاريخيتَين. زِد على ذلك تأثيرَ مرحلةٍ بلغَت فيها الأيديولوجيا الوضعيةُ ذروتَها. فالعلمويةُ الوضعيةُ كانت تتناولُ الظواهرَ الاجتماعيةَ وفق قوانين العلومِ الفيزيائيةِ والبيولوجيةِ تماماً. وكان المنادون بالتركياتيةِ البيضاء والمُترَعون بالتأثيرِ العلمانيِّ الدوغمائيِّ لتلك الأيديولوجيا يؤمنون بأنه لدى اعتبارِ ظاهرةٍ ما منفيةً وغيرَ موجودة، فإنها ستَفنى، وستفنى معها حقيقتُها. لقد كانوا بجانبِهم هذا أكثر دوغمائيةً من دوغمائيي العصورِ الوسطى. كان مصطلحُ “تركيا” قد تكوَّنَ في تلك الأعوام. لَم يكُن ذلك مصطلحاً خاطئاً، نظراً لغَلَبةِ تعدادِ السكانِ الأتراك، ولنشوئِهم التاريخيّ. لكنّ توسيعَ نطاقِه بحيث يحتوي كردستان أيضاً بالعنفِ وبقوةِ القانون، كان شذوذاً عن الحقائق. إذ كانت الحداثةُ التركيةُ القومويةُ قد أَقنَعَت نفسَها بأنّ أيّ مصطلحٍ أو ظاهرةٍ سوف تفنى بمجردِ قولِها “افنَ وزُل”؛ وكأني بها تؤسسُ ديناً جديداً. وبكلِّ تأكيد، فالعسكرتاريةُ المميتةُ كانت تؤدي الدورَ الرئيسيَّ في ذلك.
سُحِقَت العصياناتُ الكرديةُ بشراسة، كي لا تظلَّ كردستان وطناً للكرد. هكذا، كان قد راحَ شعبٌ بوطنِه بعدَما كان يأخذُ مكانَه في تأسيسِ الجمهورية، ليغدوَ مجردَ وحوشٍ يتعينُ سحقُها واعتبارُها غيرَ موجودةٍ بكلِّ ما فيها. وحوشٌ بلا لسانٍ ولا وطن. اسمُها محظور. وتُصدِرُ صوتَ “كارت كورت” عندما تسيرُ على الثلوجِ في الجبال. أما إنكلترا بوصفِها قوةً مهيمنةً رأسمالية، فقد كانت الحليفَ الأقربَ لهذه السياسة. إذ لَم تَنبُسْ ببِنتِ شَفة. بل ساندَت هذه السياسةَ من وراءِ الستار. وبالأصل، فلهذا السببِ كانت قد استولَت على مكامنِ النفظِ في الموصل وكركوك. في حين كانت موالاةُ الدولةِ التركيةِ لفرنسا وتَبَنّي مفهومِها في القانونِ والأمةِ العلمانيةِ أمراً كافياً كي تنسى فرنسا تلك الممارساتِ اللاإنسانية. أما ألمانيا، فكانت بالأصلِ عضواً مؤسِّساً.
في حين كانت ممارساتُ التركياتيةِ البيضاء في كردستان بنظرِ أنصارِ الاشتراكيةِ المشيدةِ الروسِ انتصاراً للتقدميةِ على الرجعية. جمهوريةُ مهاباد الكرديةُ في شرقي كردستان أيضاً كانت ضحيةَ السياسةِ عينِها. ما تمّ بُرهانه هنا هو عدمُ تَواني قوى الحداثةِ الرأسماليةِ عن التضحيةِ في غمضةِ عينٍ بوطنِ شعبٍ عمَّرَ آلافَ السنين، وعن النظرِ إليه بعينِ العدمِ كرمى لمصالحِها اليومية. أما واقعُ جنوبِ كردستان، فقد سُخِّنَ على نارِ حساباتِ الحربِ الباردة. حيث أُبقِيَ هناك على كردستان مُصَغَّرةٍ كورقةٍ احتياطيةٍ دائمة، بغيةَ جعلِها بيدقاً أمامياً للنظامِ القائمِ من جهة، ولسدِّ الطريقِ أمام تنامي وعيِ الشعبِ الكرديِّ من جهةٍ ثانية؛ كي لا يتمكنَ من التحكمِ بمصيرِه، بعدما استطاعَ الحفاظَ على وجودِه ولو جسدياً. لقد كانت منافعُها تقتضي ذلك هذه المرة. حيث أُدرِجَت الظاهرةُ المسماةُ بـ”كردستان العراق” في جدولِ الأعمالِ بشكلٍ مُطابقٍ تماماً للحُكمِ الصادرِ بحقّ الشعبَين الهيلينيِّ والأرمنيِّ؛ وذلك بإرضاءِ كلٍّ منهما بجزءٍ صغيرٍ من الوطنِ مقابلَ خُسرانِه لوطنِه التاريخيّ. ومع بلوغِ نهاياتِ القرنِ العشرين، باتَ أقدمُ وربما أولُ وطنٍ شَهِدَه التاريخُ على حافةِ الزوال. فنظرةُ الحداثةِ الرأسماليةِ إلى مجتمعٍ ما على أنه بلا وطن، كان يعني شِبهَ فقدانِه لوجودِه وحقيقتِه. ذلك أنّ الحفاظَ على المجتمعِ متماسكاً بَعد النظرِ بعينِ العدمِ إلى وطنِه وبلدِه وموطنِه (Welat)، والعملَ على تأمينِ ديمومةِ وجودِ ثقافتِه الماديةِ والمعنوية؛ إنما يبقى أمراً أقرب إلى المعجزات. إنه وضعٌ أشبَهُ بمحاولةِ إنسانٍ بالسباحةِ أو السيرِ في الفراغ. فإذا كنتَ تطمحُ في الحفاظِ على وجودِك، فإما أنْ تصبحَ سمكةً فتَسبح، أو طيراً فتطير.
أحدُ أشنعِ ذنوبِ الحداثةِ الرأسماليةِ تجاه ظاهرةِ الوطن، هو طرحُها الزائفُ لمفهومِ الحدودِ الصارمةِ التي لا تُمَسُّ والتي تحتوي أمةً واحدةً فقط، وعرضُه على أنه أقدسُ المصطلحات. أي إنّ مفهومَ الحدودِ لدى الدولةِ القوميةِ يُفَعَّلُ كعبادة، إشارةً إلى كيفيةِ صونِه لِما يُزعَمُ أنه الوطن. في حين أنه مضموناً يعني أكثرَ حدودِ المُلكيةِ تصعيداً وتعميماً. إنه أعلى أشكالِ المُلكية، وآخِرُ محطةٍ يَصِلُها تاريخُ المُلكيةِ المبتدئةِ بتسييجِ محيطِ حقلٍ ما. إذ تُصَيَّرُ الحدودُ صارمةً لدرجةِ أنه تُخاضُ الحروبُ فداءً لِما يُسمى بشِبرٍ منها. أجل، تُخاضُ الحروب. ولكنْ ليس لأجلِ مصالحِ الشعبِ أو الأمة. بل بسببِ الطاقةِ الكامنةِ للربحِ الأعظم، التي تحتويها الحدود. فبقدرِ ما تغدو حدودُ الدولةِ القوميةِ صارمة، فإنّ هذا يعني تأمينَ الربحِ الأقصى بالمِثل.
لا ريب في وجودِ حدودٍ لأوطانِ الشعوبِ والأمم. لكنّ تَشَكُّلَ تلك الحدودِ والدفاعَ عنها ضمن مفهومِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ مغايرٌ كلياً لِما عليه في عقليةِ الدولةِ القومية. فالحدودُ في هذا المفهومِ ليست تعصُّباً للمُلكية. بل هي خطُّ التضامنِ والصداقةِ والكياناتِ الاجتماعيةِ العليا، التي يتحققُ فيها أكثر أشكالِ التعاونِ والتشاطرِ والتبادلِ والتركيبِ الثقافيِّ الجديدِ حيويةً وازدهاراً مع الجِوار. هذه الساحاتُ التي غالباً ما تتحققُ فيها تعدديةُ الأممِ والثقافات، هي الحلقاتُ الخلاّقةُ التي تتخمرُ فيها الثقافةُ والحضارةُ بمستوى أرفع ويَسودُها السِّلمُ والأخوّة، لا النزاعُ والحروب. والحدودُ التي طالما احتضنَت هكذا نشاطاتٍ في التاريخ، قد تحولَت في ظلِّ الحداثةِ الرأسماليةِ إلى خطوطٍ شَهِدَت أكثر العداواتِ والحروب. فزُرِعَت الألغامُ في كبدِها، وصُيِّرَت منيعةً على تخطّيها بسببِ الأسلاكِ الشائكةِ والجدرانِ الشاهقة. لقد جرى تحويلُها إلى جدرانِ سجنٍ تُحبَسُ فيه الشعوبُ والأمم. أي إنّ الشعوبَ والأممَ التي تحيا ضمن تلك الحدودِ لا تُصان. بل توضَعُ في قفصٍ حديديّ. وتصبحُ أسيرة. وتُجَنَّدُ بالإرغام. وتُصَيَّرُ عاطلةً عن العملِ أو يداً رخيصة. كما تتعرضُ الأثنياتُ والشعوبُ والأممُ الباقيةُ خارجَ إطارِ الأمةِ الحاكمةِ رسمياً إلى عملياتِ صهرٍ وإبادةٍ تطالُ ثقافاتِها وتقاليدَها. إنّ ما يكمنُ في حقيقةِ حدودِ الدولةِ القومية مضمونِاً هو منافعُ رأسِ المالِ واحتكاراتِ السلطة التي لا تعرف الحدود.
إنّ الواقعَ الكرديَّ المُجتَثّ من موطنِه الأمّ هو واقعٌ جريحٌ يحتضر. وعجزُه عن تبنّي وطنِه الأمِّ والدفاعِ عنه، يعني التخلي عن تاريخِه وثقافتِه. ويؤولُ في النهاية إلى التراجعِ عن العيشِ على شكلِ مجتمع، وعن كينونةِ الأمة. من هنا، محالٌ تعريفُ واقعِ المجتمعِ الكرديِّ من دونِ وطن. ومحالٌ على مجتمعٍ بلا وطنٍ أنْ يستمرَّ بوجودِه، أو أنْ يتخلصَ حينها من التعرضِ للتصفيةِ والزوالِ والتشرذمِ على التوالي. من المستحيلِ إنكارُ وجودِ كردستان، حتى لو كانت واقعَ وطنٍ يعاني من نيرِ الاستعمارِ والإبادة. بل سيستمرُّ وجودُها حتى آخرِ فردٍ صامدٍ يطمحُ في العيشِ بحُريةٍ وبما يليقُ بواقعِ تاريخِه ومجتمعِه وملتزماً به. وفي هذه الحالة، فإنّ كردستان لن تبقى موطنَ الكردِ فحسب. بل وستَغدو وطناً مشتركاً يتشاطرُه الأرمنُ والسُّريانُ والتركمانُ والعربُ أيضاً، ضمن أجواءٍ مفعمةٍ بالديمقراطيةِ والحريةِ والمساواة. وسيتشاركُ فيه كلُّ فردٍ أو ثقافةٍ تطمحُ في العيشِ على ثَراه بحرية. وعليه، فإنّ انعدامَ الدولةِ القوميةِ على أراضيها لن يَغدوَ سوءَ طالعٍ لها، بل حظاً سعيداً. أي إنّ كردستان لن تصبحَ هذه المرةَ وطناً لتمدنٍ طبقيٍّ جديدٍ مُعادٍ للأيكولوجيا، ولا لمدنيةٍ دولتيةٍ قوميةٍ جديدة. بل ستُصبح وطناً يبزغُ فيه فجرُ العصرانيةِ الديمقراطيةِ على الشرقِ الوسط، ويترعرعُ بين أحضانِه.
لقد عُمِلَ على اصطلاحِ الواقعِ الكرديِّ بناءً على القضيةِ الكردية. ولكن، لَم يَكُ قد تنامى بَعدُ الوعيُ الشاملُ بشأنِ كَنَهِ الواقعِ الذي يُواجَهُ لدى بدءِ الحديثِ عن القضية. بل كانت المساعي تدورُ أولاً حول برهنةِ الواقعِ الكرديِّ بجوانبِه اللغويةِ والثقافيةِ المختلفةِ تأسيساً على القضية. علاوةً على أنه، وبحُكمِ تطويقِ هذا الواقعِ بحملةٍ مُرَكَّزةٍ من الإبادةِ والإنكارِ على يدِ الأيديولوجيا الرسمية؛ فقد صار إثباتُ وجودِ الكردِ قضيةً أوليةً وعاجلة. لكنّ هذا كان تعاطياً خاطئاً ومتخلفاً للغاية إزاء الواقع. فالعملُ على إثباتِ وجودٍ ماثلٍ للعَيان أصلاً، كان أَشبَه بالنقاشِ حول وجودِ الشمسِ من عدمِها. وهذا ما كان مفادُه الثرثرةَ والسفسطة، وهدرَ الوقت، والانجرارَ وراء أجندةِ النظامِ الاستعماريِّ المُبيد. وأعضاءُ “تركيا الفتاة” المتواطئون المنصهرين هم أساساً من كان يُثيرُ هكذا نقاشات. وفي الحقيقة، فقد كان هؤلاء يتجادلون حول وجودِهم وشأنِهم تحت اسمِ النقاشِ حول القضيةِ الكردية. لَم أصبحْ أداةً لمثلِ هكذا جدالاتٍ لدى شروعي بتناوُلِ هذه الأمور. فرغمَ قصوري في صياغةِ تحليلٍ عميقٍ لِما هو صحيح، إلا إني بدأتُ خطواتي تأسيساً على قناعتي وإيماني بأنّ الأسلوبَ السديدَ يتجسدُ في الحديثِ عن القضيةِ بناءً على مصطلحَي التحررِ والحرية، بدلاً من تناوُلِها كقضيةِ وجودٍ أو عدم. واتخاذُنا هذه الانطلاقةُ الأسلوبيةُ أساساً، كان الدافعَ الأهمَّ في تقدُّمِنا السريعِ على مجموعاتِ الحقيقةِ الأخرى المتشرذمةِ المتناثرة.
ذلك أنّ الاختيارَ الصحيحَ للأسلوبِ كان سيُفضي بنا إلى الحقيقةِ بعينِها، عاجلاً أم آجلاً. لكنّ أحدَ النواقصِ الناجمةِ عن هذا الأسلوب كان يتجسدُ في انفتاحِ الواقعِ الكرديِّ على التفسيرِ الدوغمائيّ. إذ كانت الأحكامُ المُسبَقةُ القائلةُ بإمكانيةِ تناوُلِ الواقعِ الكرديِّ أيضاً كواقعِ أيِّ شعبٍ أو أمةٍ أخرى وطيدةً وراسخة. بمعنى آخر، فبقدرِ ما كان عدم الجدالِ حولَ مدى واقعيةِ واقعٍ قائمٍ بالأصل أسلوباً صحيحاً، فإنّ عدم التحلي بالبصيرةِ حولَ إمكانيةِ تناوُلِ هذا الواقع بكيفيةٍ مختلفةٍ جداً، بل وعدم التشكيكِ في ذلك كان أسلوباً ناقصاً بالمِثل. ما طرحتُه في أولِ اجتماعٍ للمجموعةِ عُقِدَ في نوروزِ عامِ 1973م، والذي كان يتعينُ الاحتفاظُ به سراً حينها حسبَ رأيي، هو حقيقةُ أنّ “كردستان مُستَعمَرة”. ورغمَ ادعاءِ كمال بورقاي وممتاز كوتان، الممثلَين عن مجموعتَين بارزتَين للتيارِ المتواطئِ والصَّهرِيِّ في تلك الأوقات، بأنهما استخدَما هذا المصطلح؛ إلا إنني متأكدٌ من عدمِ صحةِ ذلك. فلو كان الأمرُ كذلك، لَما رأيتُ داعياً للاحتفاظِ بهذا المصطلحِ كسِرّ. بعدَ ذلك، بدأَت النقاشاتُ بصددِ الكردِ تدورُ تأسيساً على مصطلحِ “كردستان مستعمَرة”. أما غالبيةُ اليسارِ التركيّ، فكانت تقولُ أنّ “كلَّ تركيا مستعمَرة أو شِبه مستعمَرة”، منكبّةً بذلك على تعكيرِ القضيةِ وتشويشِها. أما بالنسبةِ لي، فقناعتي هي أنه قد ثَبُتَ وجودُ الطرازِ الثوريِّ لدى الكردِ بتحدثِهم عن هذا المصطلحِ كمُفردة، والذي دفعَ كلٌّ من ماهر جايان ودنيز كزميش وإبراهيم كايباكايا ورفاقُهم حياتَهم ثمناً له منذ البداية. وما تَبَقّى بعد ذلك كان قضيةَ الحريةِ والتحررِ من قيودِ الوضعِ القائم. لقد كانت نظريةُ “كردستان مستعمَرة” بدايةً سديدةً على هذا الدرب.
طرحَت العقلانيةُ والأمبريقيةُ وظيفيتَيهما في الواقعِ الكرديِّ أيضاً كأسلوبَي بحثٍ أساسيَّين. إذ كان العقلانيون قد أَقنَعوا أنفسَهم بأنهم سيحققون أهدافَهم من خلالِ بَرهنةِ الواقعِ الكرديّ. وكان المتنورون البورجوازيون الحذِرون متأكدين من حصدِ النتائجِ المرجوةِ سيراً على هذا الدرب، بتأسيسِ الجمعياتِ وإصدارِ المجلاتِ بمعيةِ الحركاتِ الحزبيةِ التي لا تشمر عن سواعدها لأجل النضال، والتي تتميز بالنخبوية والنقاشات النظرية فقط. وكانوا يُعَوِّلون على أنّ عجلةَ منطقِ الحداثةِ الرأسماليةِ ستَدورُ لصالحِهم يوماً ما. أما المُنكَبّون على الممارسةِ العمليةِ الضيقة، فغالباً ما كانوا يُفَضِّلون انفجارَ عواطفِ التمردِ والعصيان. وقد عاشَت الشبيبةُ الثوريةُ هذا السياقَ بحُكمِ الأجواءِ المفصليةِ التي كانت سائدةً آنذاك. لكن، ما من ريبٍ في أنّ انقلابَ 12 أيلول لَم يَلقَ صعوبةً تُذكَرُ في كشفِ مدى قوةِ وعزمِ وإرادةِ الفريقَين. وذلك بكتمِ أنفاسِهما، وجرِّهما إلى الاستسلام، وإبادتِهما. هكذا، وبينما تقدَّمَ الذين لَم ينقطعوا جوهرياً عن النظامِ القائمِ على دربِ الاستسلام، كان الذين لَم يتخلَّوا عن البحثِ خارجَ إطارِ النظامِ مندفعين وراءَ بحثٍ أعمق عن الحقيقة والتحلي بإرادةٍ أوطد.
كان بحثي عن الحقيقةِ وجهودي في تمتينِ الإرادةِ لمواجهةِ انقلابِ 12 أيلول مختلفاً عما لدى كِلا التيارَين. حيث كنتُ أتحلى بدرجةٍ من العقلانية والجهودِ الإراديةِ التي لا يُمكنُ الاستخفافُ بها. وقد أدركتُ اختلافي عندما أعدتُ النظرَ في ذاتي لاحقاً. فما كان يُمَيِّزني عن الغير هو تداخُلُ النظريةِ والممارسةِ العمليةِ مضموناً، وعدم الاقتصار على القولِ فقط. أي إنّ قطعي الأشواطَ الملحوظةَ بإسنادِ القولِ والفعلِ إلى حججٍ نظريةٍ وعمليةٍ قويمة، كان قد مَكَّنَ من تحقيقِ الحملةِ العسكريةِ في 15 آب من عام 1984م ومن إطلاقِ حملةِ السلامِ في عام 1993م. وكان المُضيُّ قُدُماً على الدربِ نفسِه سينتقلُ بي إلى استيعابِ ممارساتِ الحلِّ الديمقراطيِّ والعصرانيةِ الديمقراطيةِ في مرحلة إمرالي.
لقد بلغَ واقعُ الشعبِ الكرديِّ والأمةِ الكرديةِ أعلى مستوياتِ الوعيِ لأولِ مرةٍ في التاريخ. موضوعُ الحديثِ هنا هو قيامُ هذا الواقع، كاملاً أم ناقصاً، بتخطّي كينونتِه المنحصرةِ في وعيِ مجموعةٍ نخبويةٍ أو حزبٍ ضيق. فالجسمُ الرئيسيُّ للواقعِ شعباً وأمةً قد بلغَ مرحلةَ إدراكِ الواقع. إنني أتحدثُ هنا عن أمةٍ أو شعبٍ باتَ يدركُ ذاتَه. والأمةُ بذاتِ نفسِها تعبِّرُ اصطلاحاً عن حالةٍ ذهنية. وقد تحققَت هذه الحالةُ الذهنيةُ آنذاك بالنسبةِ للكرد. لكن، يشقُّ علينا قولُ الشيءِ عينِه على صعيدِ التجَسُّمِ والملامح. ونظراً لاستحالةِ العيشِ بالذهنِ وحسب، فإنّ التحولَ إلى جسمٍ عينيٍّ يُعبِّرُ –وسيعبِّرُ– عن تحقُّقٍ ملموسٍ مهم؛ وبالتالي عن وضعِ الحقيقة.
كنتُ قد فسرتُ عصرَ الثقافةِ النيوليتيةِ بأنه عصرُ عَظمَةِ الكردِ الأوائل. وكان قد خرجَ من أحشاءِ الكردِ الأوائلِ واقعٌ كرديٌّ وطيدٌ قوميّاً في ظلِّ نظامِ المدنيةِ المركزيةِ إلى حينِ عصرِ الحداثةِ الرأسمالية. فالكوموناتُ المتعرفةُ على الإداراتِ السياسية، بدءاً من الفيدرالياتِ العشائريةِ والقَبَليةِ في العصورِ القديمةِ وُصولاً إلى التجاربِ الإمبراطورية، كانت قد بلغَت صياغةَ التحولِ إلى شعب، وبشكلٍ خاصٍّ مع نظامِ العقيدةِ الزرادشتية. أي إنّ الصياغاتِ الكرديةَ البدائيةَ كانت في مرتبةٍ متقدمةٍ في عصرِها، لا متخلفة. وقد عزَّزَ الكردُ هذه الصياغاتِ القوميةَ ذهنياً وجسدياً في العصورِ الوسطى أيضاً، رغم أنها حُرِّفَت نوعاً ما مع ظهورِ الإسلام. فكلُّ عشيرةٍ وقبيلةٍ كانت كرديةً بقدرِ ما كانت مسلمة، فيما خلا تلك المعتنقةُ لدينٍ آخر. فضلاً عن أنّ كلَّ تيارٍ مذهبيٍّ كان يتماشى مع واقعٍ طبقيٍّ معيَّن.
صياغةُ الشعبِ أو القومِ هي الخطوةُ الأولى لتمايُزِ الأثنيةِ داخلياً على دربِ تحوُّلِها إلى مجتمعٍ طبقيّ. وفي هذه الحال، تحافظُ العشائرُ والقبائلُ على وجودِها. لكنها تُمسي منفتحةً على ولادةِ الكياناتِ الطبقيةِ أيضاً بين ثناياها. أي إنّ الواقعَ الأثنيَّ هنا متداخلٌ مع الواقعِ الطبقيّ. وتُشَكِّلُ الأديانُ التوحيديةُ –إلى حدٍّ ما– الصياغةَ الأيديولوجيةَ والغطاءَ الساترَ لهذا الواقعِ المتداخل. وسواء باتت القبائلُ إماراتٍ مستقلة أم وحداتٍ تابعةً للنظامِ الإمبراطوريّ؛ فإنّ شرائحَها الفوقيةَ تُجَسِّدُ واقعاً طبقياً متحولاً إلى بُؤَرٍ للسلطة، وتُسَمّي نفسَها كسلالةِ النخبةِ الحاكمة.
يشيرُ حلُّ القضيةِ القوميةِ بمعناها السلطويِّ في العصرِ الوسيطِ إلى تشكيلِ مملكةٍ مركزية. وما تتطرقُ إليه أبياتُ أحمدي خاني الشِّعريةُ هو الحنينُ إلى ذلك. حيث يُنظَرُ بعينِ الغِبطةِ والحُبورِ إلى ولادةِ الممالكِ (السلطنات) المركزيةِ لدى العربِ والعجمِ والأتراك. ويُعتَقَدُ بأنه لو كانت تشكلَت مملكةٌ مركزيةٌ في هذا المنحى لدى الكردِ أيضاً، لَما كان باستطاعةِ أحدٍ صدُّها، ولَحُلَّت بالتالي القضايا العالقة. ثمة إشكاليةٌ في هذه الوِجهةِ ضمن الواقعِ الكرديِّ القوميِّ خلال العصرِ الوسيط. إذ تُعَبِّرُ عن ديناميةٍ تتزايدُ قدرتُها على إنجازِ الحملةِ تصاعدياً.
كنا قد شَدَّدنا سالفاً على أنّ تسميةَ “الكرمانج” كانت تُطلَقُ على الشرائحِ الشعبية الفقيرة المنفصلة من أحشاءِ العشائرِ والقبائل؛ تماماً مثلما تُطلَقُ عليها تسميةُ البدوِ لدى العرب، والتركمانِ لدى الأتراك، والعجمِ في إيران. أي إنّ فئةَ الكرمانج هي الشريحةُ الشعبيةُ التي تمركزَت وتضاعفَ تعدادُها في الأرياف ثم المدن، وتعتاشُ على بيعِ أو تأجيرِ قوتِها العضلية. بمعنى آخر، فهي تُشَكِّلُ الشريحةَ السفليةَ المأجورةَ والمستأجِرةَ في التحولِ الطبقيّ. وهذا بدورِه ضربٌ من ضروبِ التحولِ البروليتاريّ. ولدى تحوُّلِها إلى مأجورةٍ ومستأجرةٍ على وجهِ التخصيص، تُطلَقُ عليها أسماءٌ أخرى مثل: الكادحون Zahmetkêş أو العمال Karker. وتتسارعُ وتيرةُ هذا السياقِ في ظلِّ الحداثةِ الرأسمالية.
فبالتوازي مع التحولِ إلى شعب، كان سيُعاشُ تحوُّلٌ من الثقافةِ العشائريةِ والقَبَلِيّةِ صوب الثقافةِ الشعبية. وكان سيتمُّ بلوغُ مستوى الكيانِ الوطنيّ في كنفِ هذه الثقافةِ الماديةِ والمعنوية. يُقالُ أنّ السوقَ تُوَلِّدُ الأمة. لكنّ هذا الرأي يعَبِّرُ عن نمطِ تَكَوُّنِ واقعِ الأمةِ البورجوازية. وهو أحدُ الاصطلاحاتِ الخاطئةِ للاشتراكيةِ المشيدة بشأن الأمة. إذ يسري نوعان أساسيان من أسلوبِ تَشَكُّلِ الأمةِ في ظروفِ الحداثةِ الرأسمالية، إضافةً إلى أساليب أخرى بالمقدورِ تنويعُها.
