إدارية مجلس المرأة بمجلس عوائل الشهداء جواهر عثمان لـ آفاق المرأة – إعداد: سامية كردي
إدارية مجلس المرأة بمجلس عوائل الشهداء جواهر عثمان لـ آفاق المرأة

“واجبُ المرأة الحقيقي والوطني هو أن تُنظّم صفوفها
من خلال التدريب والتوعية،
لتكون قادرةً على حمايةِ نفسها ووطنها ومجتمعها،
والمساهمة في بناء عالمٍ حرٍّ وديمقراطي”
إعداد: سامية كردي
1- بعد الترحيب، كيف تُعرّفين الوطن، ما هو مفهوم الوطنية، ما نوع العلاقة بينهما وبين المرأة، ولماذا سمي الوطن بـ”الأم” ويتمّ تجسيد الوطن في صورة الأم أو المرأة الحاضنة؟
- إذا قمنا بتعريف الوطن كمفردة أو كمصطلح فلسفي فإنّنا نستطيعُ القول بأنّه كل ما يتعلّق بتاريخ الإنسان ووجوده وهويته، وخاصّةً المرأة، فالوطن بالنسبة للمرأة يعني التعلّق، الحب، الحنان، الانتماء. بهذه الكلمات يمكن وصف الوطن لأنّه المكان الذي ترى فيه المرأة هويتها، تاريخها، ثقافتها، وتناضل من أجل مستقبلها. الوطن هو حيث تجد فيه المرأة حقيقتها وتتوفر فيه كلُّ سُبل ونماذج الحياة الكريمة.
علاقة المرأة بالوطن هي علاقة روحيّة أكثر مما هي ماديّة، فهي ليست مجرّد ارتباط بالشيء الملموس بل ارتباط بالوجود والكون والحياة بكل مقاييسها، لذلك نجد المرأة دائماً في الصدارة في واجب الدفاع عن الوطن. إذا عرّفنا الوطن بمفهومه الأصغر كالمنزل والعائلة فهو وطن المرأة الأول، والذي تحاول أن تجعله جميلاً ومتكاملاً، يُعبّر عن وجودها، يُعبّر عن طموحها وما تُريد هي أن تعيشه في هذا الوطن. فإن كانت المرأة بهذا الشكل من التفاني على مستوى العائلة، فكيف ستكون إن كان الوطن يشمل الأرض والجغرافية والتاريخ والثقافة واللغة وكل ما يتعلّق بشروط الحياة الكريمة، هذا هو الوطن بالنسبة للمرأة.
نجد أنّ المرأة هي دائماً الأولى في الريادة والحامية للغة والثقافة. المرأة هي ماهية الوطن، يكمن في وجود المرأة وجود الوطن، المرأة بالنسبة لأبنائها وطن. لذلك مقاييس تعريف الوطن ليست محصورة بقطعة أرض أو بخارطة معينة، فجوهر الوطن ومعناه العميق يكمن في المرأة نفسها. لا يمكن الفصل بين المرأة والوطن أو وضع أي مسافة بينهما، لأنّ المرأة وفي شخص الأم بالذات تُعتبر هي الوطن، ويمكن القول إنّ هذه الحقيقة تُمثّل معادلة إنسانية عادلة نستطيع من خلالها تعريف الوطن من الناحية الروحية المعنوية ومن الناحية الوجودية.
بالنسبة لأي إنسان أو قومية أو ثقافة فإنّ علاقة الفرد بالوطن تقوم على الحقوق والواجبات. الوطنية الحقيقية تعني أن يلتزم المرء أولاً بواجباته تجاه وطنه، ثمّ يطالب بحقوقه، وبهذا فقط يُمكنه أن يصف نفسه بالوطني. أمّا المرأة فبحكم طبيعتها وخصائصها وكيانها، تميل دائماً إلى أداء واجبها تجاه الوطن أكثر من مطالبتها بحقوقها. فهي تتحمل المسؤوليات وتُضحّي لأجل محيطها وأهلها ومجتمعها، وغالباً ما تكون تضحياتها أعمق وأكثر حضوراً من الرجل. صحيحٌ أنّ هذه ليست قاعدة مطلقة، لكنّها تنطبق على الغالبية. المرأة بطبيعتها أكثر ارتباطاً بالأرض والوطن، لأنّها حين تولد في مكانٍ ما تُصبح جزءاً من تلك الجغرافيا، تتوحد معها وتحرص على حمايتها، وتبذل جهدها من أجل تطورها. سواء كان الوطن بيتاً صغيراً أو عائلة أو قرية أو بلداً، أو حتى كوميناً تحت أي مسمى، تبقى المرأة هي التي تتحمل المسؤوليات تجاه ذلك المكان، وتعمل دائماً على الحفاظ عليه وتطويره.
المفكر عبد الله أوجلان قال “إنّ الذي أستطيع أن أسميه إنساناً وطنياً من الدرجة الأولى هي المرأة في شخص الأم”. هذه المقولة تختصرُ جوهر العلاقة بين المرأة والوطن، حيث تُجسّد الأم أسمى معاني الانتماء والتضحية والمسؤولية. مفهوم الوطنية هو الانتماء، وهذا الانتماء لا يقتصر على العاطفة أو الشعور الداخلي فحسب بل يتجسد في الفعل والعمل. لكي تُثبت أنّك وطني عليك أن تُحقق جميع الشروط المطلوبة منك، لأنّ الوطنية ليست فقط المطالبة بالحقوق بل المبادرة بتنفيذ واجبك الوطني.
أعتبرُ أنّ الفرد هو الذي يجدُ في نفسه ما إن كان يستحقّ أن يكون صاحب وطن (أي له وطن) ويحقق انتماءه. هذه الأمور كلها تتعلّق بشخصية الفرد ومنطقه نحو الوطنية والوجود، ونحو ما هو موجود في الوطن والمكتسبات الموجودة فيه. الشهداء هم الوطنيون الحقيقيون، فهم الذين أثبتوا انتماءهم الحقيقي للوطن بتضحياتهم. هناك آلاف من الجرحى في كل الأوطان، وهناك آلاف من الشهداء والجرحى في شمال وشرق سوريا، وعلى مستوى كردستان وسوريا أيضاً. الشهداء هم الوطنيون الحقيقيون الذين لا أحد يستطيع أن يقايض على وطنيتهم، وكل الشهداء الأحياء في شخص الجرحى الذين ضحّوا بقطعةٍ من أجسادهم وبطموحاتهم وآمالهم بمستقبلهم الشخصي فداءً لتراب الوطن، هؤلاء يُعتبرون النخبة الأساسية في الدفاع عن الوطن الحر.
الوطنية هي إحساسٌ داخل كل إنسان، وليس بالضرورة أن تكون أرضه محررة أم لا. الحس الوطني نابعٌ من الروح، ويترتّب من خلال هذا الإحساس أن يلتزم الشخص بكل ما يقع على عاتقه من مسؤوليات تجاه الوطن. بالتالي فإنّ قضية الوطنية والوطن هي قضية مسؤولية وليست مجرد مسمى عابر، أي أنّه لا يمكن إطلاق مسمى الوطني على كل شخصٍ لمجرّد أنّه سكن في ذلك الوطن. هناك الكثير من النماذج التي تُعتبر متطفّلة على الوطن، تطالب بالحقوق ولا تؤدي الواجبات, لا تحمي أي ملك من أملاك الوطن، ولا تُساهم في بناء المؤسسات، ولا تُساهم في الدفاع عن أرض الوطن. من هنا يمكنني القول إنّ أصحاب الوطن أو مالكي الوطن هم من يضحون لأجل الوطن.
كما ذكرتُ سابقاً القضية معنوية مئة بالمئة، وليست قضية امتلاك للأشياء بل امتلاك لروح الوطنية، فالشخص الذي لديه روح الوطنية هو فعلاً صاحب هذا الوطن. بالنسبة للشق الأخير من السؤال يمكنني القول إنّه يتم تجسيد الوطن بالأم، فكما قلت الأم أو المرأة الحاضنة، المرأة المضحية، هي خلية الأسرة الأساسية التي تمثل الوطن. أي خلية في الجسم هناك من يدافع عنها، وكذلك في المجتمع الأم هي التي تدافع عن الخلية، في أي مجتمعٍ ترى المرأة أو الأم هي التي تحمل إرث وجود هذه المجتمعات. كما ركز المفكر عبد الله أوجلان في كتاباته ومرافعاته على شخص الأم التي دائماً ما تدافع عن أولادها وبيتها ومكتسباتها ووجودها، لتعيش حياة كريمة داخل الخلية الصغيرة التي تُمثّل بناء الثقافات في المجتمع.
2- كيف نُعزز العلاقة بين المرأة والوطنية ونضع المرأة في قلب صياغتها؟
- حقيقةً في شخص المرأة المناضلة، المرأة الواعية، المرأة المنظّمة، والمرأة القوية التي تستطيع أن تردع أي عدوان عن نفسها وعن وطنها. فإذا وضعنا هذه الصياغة في قلب وعقل المرأة، فإننا نتحدث عن سياسة الدفاع عن الوجود والوطن. من هنا نستطيع القول إنّ المرأة هي التي تُجسّد الوطنية بذاتها وتمنحها المعنى الأعمق والأصدق.
تُعتبر المرأة في ثورة شمال وشرق سوريا القيادية والريادية لهذه الثورة، ولإعادة بناء الوطن من جديد. هذا الوطن الذي كان مبدداً بين الذهنية الذكورية والسياسات القائمة والممارسات التعسفية التي أثقلت كاهل الشعب بكل طوائفه. لا أركز هنا فقط على الشعب الكردي، فحقيقةً المرأة الكردية والشعب الكردي كانوا القياديين لهذه الثورة، وعملوا على إشراك كافة النساء والمكونات والطوائف والمذاهب الموجودة فيها.
في هذه الأيام نشهد نهضةً كبيرةً للمرأة على مستوى شمال وشرق سوريا وسوريا ككل. هذه النهضة تساهم فيها النساء جميعاً بهدف بناء وطن جديد، عوضاً عن الوطن الذي كان مستعبداً من قبل السياسات والأنظمة والعقول الجاهلة التي أضاعت وجود المرأة وإرادتها، ولم تكن تريد منها سوى أن تكون امرأة عبدة. لكن اليوم، في ثورة روج آفا التي عُرفت بثورة المرأة، أصبحت المرأة أكثر انفتاحاً نحو الحرية والديمقراطية، وأصبحت ذات إرادةٍ قوية تصنع ذاتها وتكون صاحبة قرار. عليه؛ فإنّه في أي بقعة جغرافية يوجد فيها شعب ذو إرادة يوجد هناك الوطن الحقيقي الحر الديمقراطي.
لقد أصبحت المرأة في شمال وشرق سوريا، في هذه البقعة الصغيرة من العالم، نموذجاً عالمياً يُحتذى به من ناحية بناء مؤسسات ومجالس المرأة. كما أنّها حملت على عاتقها بنسبة 80% معظم أعمال المؤسسات الموجودة في مجتمعها، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو حتى العسكرية وغيرها. إنّ بناء الوطن لا يعني فقط إعادة الإعمار، بل يعني أيضاً كسر الذهنية الذكورية والعادات والتقاليد البالية التي تقيّد المرأة، وخلق امرأة ذات إرادة قوية تُدرك ما حولها وتفهمه بوعي عميق.
النضال اليومي الذي تمارسه المرأة على جميع الجبهات يجعلها صاحبة قرار، وهذا يثبت أنّ وطنية المرأة ووجودها يعني وجود الواقع. المرأة سواء كانت أمّاً أو أختاً أو ابنة أو حتى جدّة، دائماً ما تمنح النصائح وتدفع العائلة والرجل على حدٍّ سواء لحماية ما هو موجود. هذا يُعتبر إرثا تاريخياً في شخص المرأة، حيث نجد فيها الانتماء والحماية والتاريخ والمقومات التي تجعل الإنسان إنساناً.
3- كيف تلعب المرأة دورها كحافظة للذاكرة الوطنية، وفي نقل التاريخ الشفهي من الحكايات إلى الأغاني والرموز الوطنية؟
- بدون شك أتذكر جدّتي عندما كانت تهزّ المهد لطفلي، كانت تروي القصص مثل قصة حمدين وشمدين وقصة الشيخ سعيد بيران على شكل أغنية وتلحّنها حسب نفسيتها. تارةً تغنيها بكلِّ فرحٍ لأنّها كانت سعيدة في تلك اللحظة، وتارةً أخرى تنشد تلك القصة بكلِّ حزن. هذه الحقيقة أوصلتني إلى أنّ هذه الجدّة هي التاريخ بحد ذاته، وهي التي حافظت على تراثنا، لأنّها منذ الصغر زرعت فينا حب الوطن، ونقلت لنا التاريخ على شكل قصص ثورية ووطنية. هذا يعني أنّ الأجيال توارثت النضال والمقاومة من خلال القصص التي كانت ترويها الجدات. هناك أيضاً قصائد وأغاني كانت تنشدها النساء الثوريات مثل عائشة شأن ومريم خان. تلك الأغاني كانت تروي آلام الواقع لديهن. حتى الفنانات في تلك الحقبة ولو كان في التاريخ الحديث وليس القديم فقد لعبن دوراً أساسياً في نقل هذا التراث لأنّ الكثير من التاريخ القديم قد أختفى.
للأسف منذ ثلاثين عاماً مضت، أصبح الجيل الجديد ينسى ويبتعد عن تاريخ بلاده الثوري وعن لغته سواء كانت كردية، عربية، سريانية، أرمنية وغيرها. هنا نستنج أنّ الأم – المرأة هي الحاضنة الأساسية للحفاظ على التراث. أتذكّر في بداية ثورة 19 تموز كانت هناك حصص لغة كردية لكنّها كانت سرية، لأنّ النظام البعثي كان موجوداً آنذاك. كان المعلم يلقي علينا بعض الكلمات ويسألنا عن معناها وكنت أجيب، فيسألني: من أين تأتين بهذه اللغة الأصيلة؟ كنت أقول بأنّي قد اكتسبتها من جدتي، فكان الجميع يتعجّب لأنّنا حافظنا على لغتنا في الوقت الذي كانت بعض اللغات قد انصهرت. المرأة تلعب دورها الأساسي كـ حافظة للتاريخ من خلال الذاكرة الوطنية، وهي التي تنقل للأجيال القادمة روح النضال، وحب الوطن، والهوية الثقافية.
4- كيف تلعب المرأة دورها الريادي في المقاومة، التنظيم، الرعاية، صون الخصائص الوطنية وأصالتها في زمن الثورات والحروب، ولماذا غُيب هذا الدّور من السرديات الرسميّة وهُمّش بعد الثورات؟ فالمرأة تتحمل أعباء الحروب وتشارك في العديد من الثورات، إلا أنّها تغيب في الكثير من الأحيان عن ساحة ما بعد الثورة أو الحرب وتُعتبر فاعلاً مجهولاً بفعل التاريخ الذكوري المكتوب بيد الرجال.
- المتضرر الأكبر في زمن الحروب والثورات هي المرأة، ومن يدفع الفاتورة الكبرى هي أيضاً. المرأة تخسر زوجها وابنها وشقيقها. لعبت المرأة دوراً ريادياً لأنّها أيقنت أنّها هي التي تستطيع المقاومة والدفاع عن ذاتها. أمثال تلك النساء هنا هم نساء ثورة روج آفا اللواتي قدمنَ تضحياتٍ جمّة في سبيل إعلاء راية الحرية، ولا ننسى أيضاً نساء ثورة كردستان ومقاتلات جبال الحرية مثل ساكنه جانسيز، زيلان، بيريتان، ديلان، أفستا، بارين والكثير من الشهيدات اللواتي أثبتن بأنفسهن أنّ المرأة تستطيع أن تقود الثورات، وتحارب بالجبهات، وتؤسس جيشاً خاصّاً بها متمثلاً في وحدات حماية المرأة YPJو وحدات حماية المرأة الحرة – ستار YJA STAR. هذا التجييش النسائي العظيم جذب مئات النساء من الشرق والغرب، وانضم إلى صفوفه العديد من النساء، في صفوف الدفاع عن الذات، عن الوجود، عن المرأة، عن المجتمع، وعن الوطن. كل هذا يؤكّد أنّ واجب المرأة الحقيقي والوطني هو أن تُنظّم صفوفها من خلال التدريب والتوعية، لتكون قادرة على حماية نفسها ووطنها ومجتمعها، والمساهمة في بناء عالمٍ حرٍّ وديمقراطي.
5- كيف تتقاطع هوية المرأة مع هويتها الوطنية، وكيف عملت المرأة الكردية على تعريف هويتها كامرأة مع هويتها الوطنية، وكيف نسجت الهويتين معاً عبر مقاومتها؟
- لقد نسجت المرأة هويتها مع هويتها الوطنية من خلال إثبات نفسها وإرادتها في الثورة، فهي لم تكتفِ بالمشاركة بل استطاعت أن تثبت قدرتها على قيادة التغيير، وأن تكون قوّة فاعلة في مختلف المجالات، ومن خلال هذه المشاركة تمكّنت المرأة من تحقيق انتصارات كبيرة ورفع راية الحرية في جميع المجالات. كما تمكّنت من كسر العادات والتقاليد البالية، وتحدّي كل ما كان يقيّد إرادتها ومكانتها، محطمةً بذلك الذهنية الذكورية التي حاولت الأنظمة الرأسمالية عبر سياساتها وممارساتها تهميش دور المرأة، واستخدامها كسلعة دون اعتبار لقدراتها أو إرادتها.
هذا الانتصار لم يكن مجرّد انتصارٍ رمزي، بل كان عمليّاً وواضحاً في جميع المجالات سواء كانت سياسية، اجتماعية، اقتصادية، أو حتى عسكرية. المرأة أثبتت أنّها قادرة على إدارة المؤسسات واتخاذ القرارات، والمشاركة الفعّالة في الدفاع عن المجتمع والوطن، مع الحفاظ على روح التضحية والنضال التي تميّزها.
6- كيف نُعيد مساءلة مفهوم الوطن والانتماء، كيف نميّز بين الانتماء الوطني والانتماء القومي، وما الفرق بينهما وكيف يؤثران اليوم على واقع الشعوب والمنطقة بشكلٍ عام والمرأة بشكلٍ خاص؟
- التاريخ يُثبت أنّ هناك فسيفساء ثقافية وتاريخية وقومية في سوريا بشكلٍ عام، ومناطق شمال وشرق سوريا بشكلٍ خاص، وقد أثبتت الأخيرة أنّها نموذجٌ ناجح في التعايش السلمي بين كافة المكونات والمذاهب، ما يعكس قدرة المجتمعات على التعاون والعيش المشترك رغم التنوع الثقافي والديني.
إنّ الهوية القومية يمكن أن تُصبح قاتلة إذا ناضلت المرأة أو الإنسان من أجل قوميتهم فقط، إذ أنّ هذا الطريق يؤدي في النهاية إلى صراعات ويؤدي إلى إبادة من حولك.
لهذا يقول الفيلسوف عبد الله أوجلان “نحن لا نريد دولة كردية، نحن نريد وطناً حر يعيش فيه كل من يريد أن يعيش بحرية وكرامة في تلك البقعة الجغرافية، بغض النظر عن رسم الحدود أو حتى تسمية الهويات”. أي يحق لكل مواطن أن يمارس حقوقه الثقافية والقومية ولغته وعاداته وتقاليده، شريطة ألا يكون ذلك على حساب إبادة الآخر أو قمع حقوقه.
7- كيف أصبحت الوطنية والقومية أدوات بيد السلطات ونظام الدولة القومية؟
- الوطنية عند الأنظمة كانت مجرّد آلة لقمع الآخر، وهي ذهنية تم تشكيلها وتأليفها من أجل قمع الآخر، وإبداء شخص على شخص آخر أو خلق أنانية قومية أو طائفية ومذهبية لإنهاء الآخر. نحن ضدّ كل هذه الأنظمة المستبدة والعقلية المتشددة التي تقتل الإنسان وروحه بحجة قوميته وانتمائه، لأنّنا عشنا فتراتٍ طويلة تحت لغة واحدة، علم واحد، وتاريخ واحد، حتى دين واحد. كنا بشكل أو بآخر مجبرين أن نمارس هذه الأمور تحت ظلم وجبروت هذه السلطات الديكتاتورية.
8- تتعدد خصائص المرأة الحرّة ومن بينها تأتي الوطنية كشرطٍ أساسي لحرية المرأة، كيف ننسج العلاقة ما بين الحرية والوطنية والمرأة، وكيف يُقيّم المفكر عبد الله أوجلان هذه الخصائص، ولماذا يُشدد على وطنية المرأة كشرطٍ لحريتها؟
- تستطيع المرأة الحرّة فقط أن تُسمّي نفسها بالمرأة الوطنية وتُثبت انتماءها للوطن، لأنّها إن كانت حرّة فهي صاحبة إرادة، وإن كانت صاحبة إرادة فهي صاحبة قرار، وإن كانت صاحبة قرار فهي صاحبة الوطن. كما أنّها تستطيع خلق الوطن من بقعة صغيرة أو بقعة كبيرة في محيطها. تستطيع أن تكون وطناً لعائلتها، وتستطيع أن تكون وطناً لشعبها، هذه هي حقيقة المرأة. يُشدد القائد الأممي عبد الله أوجلان على وطنية المرأة لأنّه وقبل عقود من الزمن وضع ثقته بالمرأة وقال “إن لم يبقَ أي رجل في هذه الجبال، وإن بقيت امرأة واحدة فقط فأنا على ثقة تامّة بأنّ ثورتنا منتصرة”.
وفي لقائه قبل الأخير ذكر المفكر عبد الله أوجلان أنّه يتابع ثورة روج آفا عن كثب، ويتابع قوة نضال المرأة الكردية التي حمت كل النساء الأخريات، ويركز على أنّ حرية المرأة من حرية المجتمع والمرأة الحرة هي الوطن الحر.
9- بماذا تُكلّف المرأة في الوقت الذي تتعرض فيه هويتها النسويّة للإبادة بفعل الذكورية والرأسمالية من جهة ومن جهة أخرى تتعرض هويتها الوطنية للإبادة تحت مسمى الدولة القومية؟
- الذهنية الذكورية كانت تخلق النعرات الطائفية والقومية والدينية لإبادة المجتمع نفسه بنفسه. في ظل تصاعد الإبادة المزدوجة لهوية المرأة، تُصبح المرأة مكلّفة بمهمّة نضالية مضاعفة. فمن جهة تسعى الذكورية والرأسمالية إلى محو ذاتها ككيان إنساني واعتبارها مجرّد أداة إنتاج واستهلاك، ومن جهةٍ أخرى تحاول الدولة القومية سحق هويتها الوطنية عبر فرض القمع والتهميش والإنكار، كما نشهده في تجارب الساحل والسويداء حيث جرى استهداف المجتمع عموماً والمرأة خصوصاً. أمام ذلك، تُكلّف المرأة بالدفاع عن ذاتها أولاً كهوية إنسانية حرّة بالتوازي مع الحفاظ على هويتها الوطنية.
في الختام يمكنني القول إنّه يجب على المرأة أن تجتهد على نفسها في خِضمّ الفوضى العارمة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والعالم، وخاصة من الناحية الاقتصادية. كما يجب أن تتولى المرأة الحاكمية في الاقتصاد لتغذّي ذاتها أولاً ثم المجتمع. الاقتصاد المجتمعي هو من صنع المرأة وليس من صنع الرجل، فالرجل قد يصنع رأس المال لكنّه لا يصنع اقتصاداً مجتمعياً قائماً على التوازن والعدالة.
الاقتصاد المجتمعي يُعدّ من أولويات المرأة داخل الوطن، تحت أي مسمى، ونرى اليوم في مجتمعنا من خلال وجود مشاريع ولو كانت مصغّرة تديرها المرأة لها تأثير الكبير على المجتمع، حيث يظهر رد فعل المجتمع بشكل واضح من خلال مشاركته في الاقتصاد عبر هذه المشاريع التي تقودها المرأة.
لذلك نستطيع أن نقول إنّ المرأة هي التي تصنع الأوطان، وتصنع اقتصاد الوطن، وتصنع المجتمع، وتصنع ثقافة المجتمع، وتصنع حماية الوطن. نراها في المؤسسات العسكرية في شخص وحدات حماية المرأة YPJ التي أثبتت وجودها في الصفوف الأولى لمحاربة أعتى تنظيم إرهابي في العالم ألا وهو داعش، وقدمت الكثير من الشهيدات الرياديات والقياديات.
في مناطقنا دافعت المرأة الشابة عن وجودها وعن وجود مجتمعها ووطنها، وكانت في الصدارة للدفاع عن الذات والوجود والأرض ضد أخطر تنظيم إرهابي. هذه حقائق أثبتت للتاريخ أنّ المرأة تستطيع حتى بدون مساندة الرجل أن تدافع بكل الأساليب عن وجودها وعن وطنها.
علينا ألاّ نُنكر الطاقة الكامنة التي طُمست لآلاف السنين. أبعدت المرأة من مرتبة الأم الآلهة إلى درجة الاضمحلال. هذه حقائق رسّخت الكثير من الذهنيات والمبادئ غير الصحيحة التي لا تليق بالمجتمع. وجود امرأةٍ مستعبدة في مجتمعٍ ما يعني أنّ المجتمع كلّه مستعبد، ولكن إن وجدنا المرأة صاحبة إرادة حرّة وتسعى نحو الديمقراطية وخلق التشاركية والحياة النِديّة، نرى أنّ ذلك المجتمع واعي ومتطور، وأيضاً الأجيال تنمو على ذهنية منفتحة قادرة على أن تكون صاحبة قرار في أي موقعٍ كان. لذلك في شخص المرأة يكمن أي وجودٍ حقيقي.
أريد أن أنوّه إلى أنّ دول الجوار التي تُحيط بنا لا توفّر مناصفةً للنساء في الكوتا النسائية، ولا يوجد فيها نظام الرئاسة المشتركة، ولا يُنظر إلى المرأة ككائن حي يجب أن يكون جزءاً من المؤسسة، ولا يمنحونها فرصةً لإثبات ذاتها لأنّهم لا يتقبلون وجودها في مراكز صنع القرار. بالتالي يجب أن تكون الآفاق مفتوحة أمام إرادة المرأة الحرّة، ضد الذهنية الذكورية التي حجبت شمس الحرية وشمس الحياة عن المرأة. جاءت ثورات ما يسمى بالربيع العربي تحت مسميات عدّة، لكنّها لم تُحدث أي تغيير وبقيت الأنظمة والمفاهيم كما هي. هنا يُمكنني التأكيد على أنّ المرأة هي الكفيلة بصنع وطنٍ حرٍّ وشعبٍ ديمقراطي.
