مكانة اللغة العاميّة (الشفهيّة) في كتابة تاريخ المرأة – أكاديمية جنولوجيا
مكانة اللغة العاميّة (الشفهيّة) في كتابة تاريخ المرأة

“تُعزز اللغة العاميّة (الشفهيّة) ذاكرةَ الأفراد والمجتمعات،
وتسعى إلى ترسيخِ صلتهم بالماضي،
وتُتيحُ لهم فهمَ هوياتهم بشكلٍ أفضل،
من لا يعرفُ تاريخه جيّدًا لا يُمكنهُ بناء حاضرهِ ومستقبلهِ
بشكلٍ سليم، وينطبقُ هذا بشكلٍ أكبر على النّساء“
أكاديمية جنولوجيا
الحياة هي عملية إدراك الوجود والتفكير فيه واتخاذ القرارات، أي أنّها جوهر المعرفة ومعناها. فالوجود بحدّ ذاته يصنع تاريخًا خاصًّا به، والتأمّل في الذّات وتعريفها وبناؤها هو عين تاريخ هذا الوجود. إنّ التاريخ ليس سوى تجسيد للوجود، حيث يُشكّل الوجود نفسه من خلال مسيرته التاريخية.
من يستطيع التفكير في تاريخه يستطيع التفكير في كيفية استمراره ودفعه قُدمًا، ومن يستطيع اتخاذ قرارات بشأن نفسه، يستطيع الوجود ويُصبح تاريخيًا. الوجود قادرٌ على خلق نفسه بقدر ما يستطيع ماديًا. بقدر ما يستطيع الوصول إلى روح الكون وعقله وروحه. بناء تاريخه الخاص والانسياب معه، والتحرر من قوة هذا التاريخ، أمرٌ لا يمكن لأي كائنٍ أن يكون إلا إذا كان هناك وجودٌ حر.
إنّ بداية النظام الذكوري هي بداية محو تاريخ المرأة من ذاكرة المجتمعات. المجتمعات التي نَمتْ في مجتمعٍ طبيعي بقوة ذاكرتها وأصبحت ذات معنى، قد أُزيلت من مسار وجودها مع وقوع كتابة التاريخ وتفسيره في أيدي الحكام. قد أفسحت دورة الكون والطبيعة والمجتمع والإنسان المجال لتفسير الطبيعة الجامدة للكون والطبيعة. فُهمَ معنى المجتمع ودلالته على أنّه تجمع الناس، وتُركت المرأة القوة الأكثر حيوية وبناءً في هذه الدورة خارج التاريخ. فُهم التاريخ على أنّه تسلسلٌ زمني لأحداث جامدة مرتبة بتسلسل، وفسّر الحكام التاريخ من منظورهم الخاص. إنّ الطريقة المستمرّة والمتطوّرة لفهم التاريخ قد حددت المجتمعات بأنّها متخلفة، في حين تم فهم مرحلة الحداثة الرأسمالية، والتي هي أكبر فترة تاريخية على أنّها المجتمعات الأكثر تقدمًا.
بسبب التفسير المزدوج للتاريخ والذي يتطوّر باستمرار، ويُركّز الجانب الأوروبي على أنّه لم تبدأ مقاومة المرأة وتحررها إلا مع النضالات التي أعقبت الثورة الفرنسية. رغم الأبحاث التي كشفت عن نتائج مهمّة عديدة حول ثقافة المرأة، وثقافة الآلهة الأم، وخاصةً بعد التسعينيات، إلا أنّ التقييمات في الأوساط الأكاديمية تُقيّم هذه المرحلة كما لو أنّها لم تُعاش قط. هناك توجهٌ سائد، قيل: “لم يكن هناك عصرٌ ذهبي للمرأة في التاريخ”، وبدأ البحث عن شكلٍ اجتماعي ينظر إلى كل شيء في الحاضر والمستقبل، وزُعمَ أنّ هذه الطريقة علميّة أكثر.
ما لا يمكن التنبؤ به من خلال التجارب لا يمكن أن يكون حجةً علميّة. قد أدى ذلك إلى إدراك أنّ تاريخ المرأة غير المكتوب لا ينبغي أن يكون موضوعًا للعلوم التاريخية. واعتُبرت الدراسات التي أُجريت لتسليط الضوء على هذه العملية عديمة القيمة بسبب اتهامها بـ “الجوهرية”. يُمكننا بالتأكيد انتقاد المناهج التي تتجاهل التأريخ وعلم الاجتماع، والتي لا تتناول التاريخ إلا من خلال مناهج دينية وصوفية. ومع ذلك، فقد أُنكر النهج المتعصّب جنسيًا في العلوم المعاصرة رفضًا قاطعًا. فالأيديولوجيات والفلسفات التي تنظر إلى المجتمع والثقافة والرجال والذكورة نظرة سلبية، وتُعرّف المرأة بأنّها “الشخص الآخر”، قد عرّفت هوية المرأة بأنّها هوية جنسية فقط، وحرمتها من أسسها التاريخية والاجتماعية. بدون تسليط الضوء على ثقافة المرأة التي لا تزال آثارها باقية في كل بقاع العالم، وبقاياها باقية حتى يومنا هذا، ستظل نقاشاتنا ناقصة.
على الصعيد العالمي، سعت المؤرخات لتغيير مسار العلوم التاريخية من خلال نضالات كبيرة، وقد جعلن ادعاء التاريخ الموضوعي والمنهجي هذا النقد من اختفاء المرأة في التاريخ محور عملهن، كما لفتن الانتباه إلى العلاقة بين مشكلة الاختفاء والنظام الفكري الذكوري السلطوي الحاكم، وأوضحن معنى التاريخ بالنسبة للنساء، والبحث في القضايا التي يجب تناولها وكيفية تناولها لإبراز تاريخ المرأة وإلقاء الضوء على الماضي. بالإضافة إلى ذلك اقترحت المؤرخات إعادة كتابة التاريخ من خلال تجارب النساء، وأكدن على ضرورة إعادة اكتساب التاريخ من منظور النوع الاجتماعي، في حين يعتمد أسلوب كتابة التاريخ الحالي على أساليب إنتاج المعلومات. ناهيك عن أنّهن كشفن عن العلاقة بين الطبقة والنوع الاجتماعي.
قبل ظهور تاريخ المرأة كفرعٍ معرفي، تطوّر مفهوم التاريخ الاجتماعي ضمن التخصصات التي فهمت تاريخ الناس، وحياتهم اليومية، وعلاقاتهم بالأسرة والجنسانية وطقوس المجتمعات. أدى هذا التخصص إلى ظهور مواضيع مثل تاريخ العائلة، تاريخ العمال، تاريخ العواطف، واهتم المؤرخون وخاصةً بعد الحرب العالمية الثانية، بالتجارب الإنسانية مثل الوعي الطبقي والطبقة العاملة.
النساء لم يكنّ حاضرات في تلك العمليات التاريخية، بل اعتُبرن غائبات. أمّا المؤرخات اللواتي عانين من هذا الغياب، فقد درسن التاريخ بمنهجٍ جديد، بتفسير جديد، بتمييز جديد، وبحثن في أسباب الغياب والإهمال، وتبعن نهج الناشطات، وتتبعن تاريخ المرأة المفقود. فما هي المراحل التي مرّت بها هؤلاء الناشطات عبر التاريخ؟ ما هي المبادئ التي أرسينها كأساس، وأدمجنها في العلوم؟ ما هي دراسة التاريخ من منظور المرأة؟ وما هي مبادئ هذه الفئة، وكيف تتطور هذه العملية؟
لا تقتصر دراسات المرأة على مجرّد اكتساب معارفها، بل تستخدم هذه المعارف لتغيير حياتها، ودفع نضالها إلى الأمام من أجل حريتها. بمعنى آخر؛ يجب تحويل تجارب المرأة الناتجة عن البحث إلى معرفة سياسية قادرة على تغيير الحياة. لذلك؛ يجب أن يكون وجود المرأة والتاريخ والمعرفة في علاقة متماسكة. عند كتابة التاريخ من منظور المرأة، تكون المشكلات الاجتماعية موضوعًا للعلم والسياسة. بهذه الطريقة فقط، أي بدمج النظري والسياسي، يُمكن تدمير البنية الجنسية التي تعتبر المرأة غير موجودة، وتحويل المجتمعات التي نمت بفضل قوة المرأة إلى مجتمعات ديمقراطية وشعبيّة.
للتاريخ وكتابته تأثيرٌ مباشرٌ في بناء الوعي الاجتماعي. لذلك من المهمّ رصد تاريخ عبودية المرأة، وتاريخ نضالها وتحررها، والبحث في نماذج من هذه النضالات. يُعدّ الاطلاع على التجارب السابقة أساسًا هامًا لتعزيز القدرة الجماعية للمرأة. رغم كل النقائص والصعوبات، قامت مؤرخاتٌ بهذا العمل، وكتبن تاريخ هيمنة الذكور وانكسار المرأة، وبحثن في كيفية تحوّل المرأة إلى أكثر الأمم اضطهادًا، واعتبارها الطبقة الثانية، والقوة العاملة غير مدفوعة الأجر. في الوقت نفسه، بحثن في كيفية مقاومة المرأة للنظام الأبوي وانتصارها عليه.
أُجريت هذه الدراسات في البداية تحت مفهوم تاريخ المرأة. بعد مرحلة وبتأثير التطورات العلمية والسياسية، عُرِّف به باعتباره تاريخًا نسويًا (تاريخ الفامينية). في السنوات الأخيرة؛ برز مفهوم دراسات تاريخ النوع الاجتماعي (التعصب الجنسوي)، بدلًا من تلك المفاهيم، حيث يُتوقع من خلال هذا العمل أن تُستكشفَ كيفية تطوّر الفترات الاجتماعية من حيث التواصل والعلاقات، ويَنصبّ التركيز على العلاقات بين الهويات الجنسية في عصور المجتمعات.
يُعد هذا العمل مساهمةً عظيمةً في التاريخ، ونضالًا كبيرًا ضدّ التعصب الجنسي في التاريخ، ولكنّه لم يقضِ على التمييز، بل قاوم كتمردٍ على هيمنة الرجال. إذا تناولنا قضايا حرية المرأة من منظور سياسات الجسد فقط، فسنغفل عن قضية جوهرية ألا وهي كيف بدأ الاستعمار الأول؟ وأين فقدت المرأة في التاريخ؟ لا يقتصر تاريخ حرية المرأة على سياسات الجسد وحرية المرأة الجسدية فحسب، بل لا يُمكن حصر تاريخ عبودية المرأة في هذا. ومن القضايا المهمة الأخرى في أعمال التعصب الجنسي الاجتماعي، ومن السمات المهمة في تاريخ المرأة أنّ حق المرأة في التصويت لم يكن قضية سياسية. لذلك ومع منظور المرأة وتوجيهها، تكتسب كتابة التاريخ أهمية من جديد. فالتاريخ الذي كُتب لآلاف السنين تاريخٌ متحيّزٌ جنسيًا، وقصص الرجال وحالات علاقات المصالح والسلطة، ولا مكان لوجود المرأة وهويتها وقصص مقاومتها، وقدرتها على بناء نظام، وهذا التقليد من النضال، في هذا التاريخ. يكاد يكون من المستحيل وجود المرأة في كتابة التاريخ في ظل هيمنة الرجل، حتى عندما يُمنح مكان، يكون إمّا لزوجة رجل مستبد، أو أمه، أو مساعدته.
لقد تأثرت كتابة التاريخ بالإرث الكلاسيكي الذي يُقلل من شأن المرأة. في هذا الإرث المُصاغ بالمُثُل، تم التقليل من شأن تجارب النساء، ولم تُسجّل، بل اقتصر اختيار المجال العام وموضوعات هذا المجال على تجارب الرجال. نتيجةً لذلك؛ ترك هذا الإرث الطويل النساء خارج المجالات الأكاديمية، وبالرغم من تقلّيدهن مكانةً في المجال الأكاديمي إلا أنّهن حرمن أيضًا من حق التعليم، وسُلبت منهن مجالات البحث والمجالات العلمية، وحتى عندما احتللن مكانًا فيها، كنّ مجهولات الهوية. وُضعت آمالٌ عليهن في سياق التاريخ الحديث، ففي التاريخ الحديث، طُبِّقت أساطير الماضي أيضًا. في تلك الأساطير لطالما وُضعت النساء في موقف التناقضات، سواءً كنّ مريم العذراء أو نعتهن بـ العاهرات، ملائكة أو قاتلات. كما تجلّى العداء تجاه النساء، بناءً على مواقف الرجال ومصالحهم الفردية، في كتابة التاريخ. وصُوِّرت النساء على أنّهن صالحاتٌ وطالحات، وفُسِّرت طبيعتهن وفقًا للمعايير الذكورية. اللغة المستخدمة أبوية، وقد شكّل مؤرخون ذكور التمثيل التاريخي للمرأة وفقًا لاهتمامات ذكورية. كان هذا هو الحال في العصر اليوناني، وفي روما، وفي عصر النهضة، والإصلاح الديني، والتنوير.
إنّ تاريخ المرأة المجهول وغير المكتوب، والذي يُنظر إليه على أنّه شيءٌ آخر، قد أثّر أيضًا على مراحل بناء هوية حرية المرأة. من وجهة نظر المفكر عبد الله أوجلان أنّه إذا أصبح التاريخ حقيقةً في وحدة وتضامن الأمس واليوم والمستقبل، فإنّ تاريخ المرأة غير المكتوب وضياع المعرفة به، يُبعد المرأة عن هوية الحرية، ويُضعف كفاحها من أجل البقاء. من لا يستطيع تحويل وعي التاريخ إلى تفسيرات حيوية لا يستطيع تفسير عصرنا تفسيرًا ذا معنى. مجتمعٌ بلا تاريخ لا يمكن فهمه والعيش فيه على مستوى جيد. هذا الوضع أصعب على المرأة، لأنّ عدم فهمها وعدم إعطاء معنى لوجودها، يعني عدم فهم المجتمع والحياة. أي مجتمع لا يعرف تاريخه، ولا يعيش بوعي تاريخه، مُفسد من حيث المعنى والدلالة.
رغم إهمال التاريخ غير المكتوب للمرأة في التاريخ المكتوب والعلوم التاريخية، إلا أنّ تراث التاريخ الشفوي للمرأة أصبح وسيلةً لنقل الذاكرة الجماعية من الماضي إلى المستقبل. فمن خلال الأساطير والقصص والأغاني والأمثال والنصائح، وصلت إلينا معرفة المرأة من الماضي إلى الحاضر، فأصبحت نورًا وإشراقًا للعديد من الحقائق الخفية عن المرأة. إذا قلنا إنّ وجود المرأة هو وجود المجتمع والحياة، فقد لعبت المرأة دورها في التاريخ كحاملة للذاكرة الاجتماعية الجماعية من خلال التاريخ الشفوي.
لم يُنظر إلى التاريخ الشفوي للمرأة كمنهجٍ علمي لسنوات عديدة. مع ذلك؛ في السنوات الأخيرة طُوِّرت بعض الأبحاث في الأوساط الأكاديمية حول نضال المرأة، وأصبح التاريخ الشفوي للمرأة وسيلةً لتسجيل تجاربها الحياتية ومواقفها التاريخية. تهدف هذه الطريقة إلى منح النساء اللواتي لم يجدن مكانًا في التاريخ المكتوب المتعصّب جنسيًا صوتًا، وإدراج تجاربهن في السجل التاريخي، والمساهمة في النضال من أجل حرية المرأة والتحرر من التمييز الجنسي الاجتماعي.
تتشابه بعض خصائص اللغة العاميّة (الشفهية) للمرأة، إذ يشير تركيزها إلى تجارب النساء، وتهدف اللغة العاميّة (الشفهية) للمرأة إلى جمع المعلومات والمعارف التاريخية المتعلّقة بالحياة اليومية للمرأة، وعلاقاتها الأسرية والاجتماعية، ومشاركتها في الحركات الاجتماعية والنضالات والحروب وغيرها. لفهم الأحداث التاريخية من منظور المرأة، فإنّ تأثير اللغة العامية(الشفهية) كبير جدًا. على سبيل المثال، خلال المائتي عام الماضية، ما هو دور المرأة في الحروب والثورات والأزمات الاجتماعية والاقتصادية؟ كيف عاشت، ومدى تأثّرها بها؟ خلال حرب فيتنام، شاع القول: “من هو مجهول أكثر من الجندي المجهول، زوجة الجندي المجهول”. يؤكد هذا القول أنّ تاريخ المرأة لم يُكتب بقدر ما لم يُكتب تاريخ الطبقات المضطهدة والمجتمعات الاستعمارية. وتُعرّف اللغة العامية -الشفهية أو الدارجة- المجتمعات بهذه المواقف المجهولة من خلال أساليب متعددة.
على عكس التاريخ الرسمي الذي يهيمن عليه الرجال ويتركنا بلا ذاكرة وجذور، يُمكن استخدام بلاغة المرأة لبناء الذاكرة وتقويتها. تُعزز اللغة العامية (الشفهية) ذاكرة الأفراد والمجتمعات، وتسعى إلى ترسيخ صلتهم بالماضي، وتتيح لهم فهم هوياتهم بشكلٍ أفضل. من لا يعرف تاريخه جيدًا لا يمكنه بناء حاضره ومستقبله بشكلٍ سليم، وينطبق هذا بشكل أكبر على النساء.
في عصرنا هذا؛ تتراجع أهمية اللغة الشفوية وقوة المعرفة. تُعتبر الذاكرة الشفوية للمجتمعات خرافة وذلك بسبب تأثير الحداثة، وتُعتبر الوحدة الجوهرية، وقوة المعنى، والمبادئ الأخلاقية والسياسية للحياة في كل قصّة كأنّها شيءٌ كاذب وزائف، وتُعتبر باطلة في نظر العلم الرسمي. لذلك، يُعدّ الوصول إلى القوة المعنوية للتاريخ الشفوي، واستخدامها لمقاومة هيمنة الرجال عليه، أمرًا بالغ الأهمية للنضال من أجل حرية المرأة، وينطبق الأمر نفسه على الشعوب التي تعيش بلا دولة، والتي أُبيدت.
لا يوجد تاريخٌ مكتوبٌ للعلويين، والأيزيديين، واليرسانيين. لدى هذه الشعوب تصل الذاكرة الشفوية إلى يومنا هذا من خلال القصائد والأشعار والأغاني. ومع ذلك، فإنّ الوضع الذي تعيشه المرأة في الواقع ينطبق أيضًا على الشعوب التي تعرّضت للسحق. تُنسى اللغة الشفوية يومًا بعد يوم، ومع نسيان هذه الذاكرة، تستسلم طرق تعريف الذات لأشكال سيادة الدولة وسلطتها.
لذلك؛ من المهم فهم العلاقة بين تعريف الذات ومعرفة التاريخ. يقول القائد الأممي عبد الله أوجلان: “إنّ السّمة الأساسية للشعوب الحرة هي قدرتها على اختيار تاريخها الخاص والتعايش معه. التاريخ هو تفسير الوجود والمراحل التي تمرّ فيها. تختلف الوجودات باختلاف التواريخ، لكن تنوع التاريخ لا يعني انعدام وحدته وتماسكه”. بهذه الكلمات يلفت المفكر عبد الله أوجلان الانتباه إلى العلاقة بين تاريخ المرأة والتاريخ العام. لا يقتصر الأمر على تاريخ المرأة فحسب، بل ينطبق أيضًا على تاريخ الكرد، وتاريخ الأيزيديين، وتاريخ أي مجتمع آخر. لا يوجد تاريخ للكرد أو الأتراك أو العرب بمعزل عن بعض، لذا يجب فهم تاريخ المرأة في سياق تاريخ المجتمع التاريخي. على عكس السرديات التاريخية العامّة، والتصورات التي تُنكر الاختلافات، تتزايد اليوم الدراسات التي تُقدّم سرديات تاريخية مجهرية. من ناحية أخرى، يُتيح هذا أيضًا إغفال التطورات التاريخية، وإغفال الروابط بين الناس والمجتمعات في مختلف المجتمعات، أو تفسيرها تفسيرًا خاطئًا. عند تحديد مناهج البحث والعمل المتعلّقة بتاريخ المرأة، من الضروري إقامة علاقة وطيدة بين العالمية والخصوصية، وبين التاريخ الكلّي والتاريخ الجزئي.
إنّ إعادة اكتشاف التاريخ وتفسيره من منظور المرأة أمرٌ أساسي لثورة تحرير المرأة. ففي الأراضي التي شهدت أول ثورة نسائية، وفي علم الجنولوجي العلم الداعم الذي ستعتمد عليه ثورة المرأة الثانية، من المهم إعادة اكتشاف التاريخ وإعادة بناء قوة المعنى من خلال نظرية المعرفة ومنهجية هذا العمل الرائد. على عكس النهج العلمي الوضعي في أوروبا الوسطى، الذي يُجزأ التاريخ ويأخذه من وجهة نظر المسيطرين، من المهم جدًا البدء من البداية بتحديد الخليّة المركزية. يقول المفكر عبد الله أوجلان في هذا الموضوع أنّه “لا شكّ أنّ تاريخ عبودية المرأة مخفي في ثقافة الشرق الأوسط. وسيظهر أيضًا في تلك الأراضي. لكن من الواضح أنّه لن يكون على غرار أسلوب الرجال. ولهذا، يمكن لعلم الجنولوجي أن يكون انطلاقة، لا أقصد هنا معاملة المرأة كأشياء جنسية، بل استكشاف الفروق الدقيقة في تاريخ المرأة كجوهر وإرث المجتمع، وتحريرهن”. بطبيعة الحال لن نقوم بنفس البحث في مجالات العلوم الوضعية، التي يتم تطويرها وفق نموذج ذكوري، لكنّنا سنقوم بذلك أيضًا في المجالات الدينية والفنية والفلسفية، التي يتمّ رسمها وفق النموذج نفسه.
إذا انطلقنا من هذه التعابير، نجد علم الجنولوجيا في مجال تأريخ علم الاجتماع وتأصيل التاريخ. يُعد تفسير التاريخ الاجتماعي من المهام الأساسية للجنولوجي. بهذا المعنى يُسهم بشكل كبير في تصحيح تفسير التاريخ وأساليبه. إنّ تسليط الضوء على طبيعة المرأة وواقعها هو أهم نقطة لإخراج التاريخ من قبضة الحكام ومنع التفسيرات الذكورية. تُخبرنا تفسيرات الجنولوجي للتاريخ كيف تدفقت القيم التاريخية، ثقافات المقاومة، اللغة، الثقافة، الأخلاق، القصص وغيرها، إلى يومنا هذا.
يجب أن يستمر نهج البراديغما الذي سيُشكل عماد علم المرأة، في مسارات الطبيعة والمجتمع والإنسان، وفي ثقافة المرأة الأم. من السياسة إلى الاقتصاد، ومن العلاقات بين الرجال والنساء إلى الجنسانية، ومن الأمومة إلى الطب، يُصبح البحث الدقيق في تاريخ المرأة ودراسته مصدرنا الأساسي في العديد من المجالات. كما أنّ البحث في عمل المرأة، والعصور التي شكّلها فكرها، سيُنير تاريخ العلم. لذا؛ فإنّ اكتشاف آثار الحرية في التاريخ، واكتشاف بقاياه، وحماية قيمه التي تُحيي الحياة، والاستفادة من هذا المصدر، سيضمن بناء علم المرأة على أسس سليمة.
