المرأة ذاكرة الأرض الحيّة وجسر الروح الوطنيّة – أيلول رزكار

المرأة ذاكرة الأرض الحيّة وجسر الروح الوطنيّة

“المرأةُ هي الخيطُ الذهبيُّ المتينُ في نسيجِ الوطنِ،

الخيطُ الذي لا يفسدهُ تقلّبُ الزمن ولا قسوةُ الظروف،

وهي الحافظةُ للقيم، والناقلةُ للتراث،

 والمجددةُ للروحِ الوطنيّة في كلّ لحظةِ انكسار”

أيلول رزكار

 

الوطن ليس مجرّد حيّزٍ جغرافي أو حدود تُرسم على الخرائط، بل هو كيانٌ حيٌّ ينبضُ بالذكريات والعدالة واللغة والعيش المشترك، وهو نسيجٌ متشابكُ الخيوط تُحيكه أيادي الأجيال وتحميه قلوب المخلصين. في هذا النسيج المعقّد تحتلُ المرأة موقعًا جوهريًا لا كمجرّد عنصر مكمّل، بل كحارسة أمينة للهوية وراوية للزمن ومجسّدة حيّة للانتماء الوطني، فهي القادرة على تحويل الجغرافية إلى تاريخ، والأرض إلى ذاكرة، والوجع إلى أمل.

انطلاقًا من كون الوطن نسيجًا من مجموعة من الشعوب والثقافات والأديان والإثنيات، فإنّ المرأة تلعب فيه دورًا جوهريًا لأنّها هي من تنقل الحكايات والأحداث، وتحفظ أسماء الشهداء، وتُعيد ترتيب التاريخ الذي يربط الأجيال ببعضها. خاصةً في المجتمعات التي تتعرض للتهجير والتفكك والحروب، تكون المرأة هي التي تحمل الوطن في صوتها، في عاداتها، وفي تفاصيل حياتها اليومية. هي من تُقاوم النسيان، وتُعيد بناء المعنى حين يُفقَد.

هنا يجب التأكيد على أنّ الهوية الوطنية ليست مجرّد انتماء قانوني أو سياسي، بل هي شعورٌ بالمسؤولية تجاه المجتمع والالتزام بالقيم التي تحميه وتطوره. من خلال دور المرأة في التربية والتعليم والرعاية، تُبنى الأجيال على حب الوطن والارتباط بترابه منذ الطفولة. هي من تُعلّم اللغة، تُرسّخ القيم، تُعيد إنتاج مفاهيم مثل الكرامة، العدالة والانتماء. لذلك؛ في لحظات الانكسار تكون المرأة أوّل من يُعيد ترتيب الفوضى، لأنّها هي التي تُحافظ على استقرار المجتمع في أزماته، وتُعيد صياغة الروح الوطنية حين تهتز، ومن خلال مشاركتها في المؤسسات التعليمية والثقافية والاجتماعية، تُنشئ فضاءات آمنة لتطوير الفكر والنقد والمبادرة، ما يجعل المواطن الواعي قادرًا على فهم مسؤولياته تجاه مجتمعه ووطنه.

كما أنّ المرأة من خلال أدوارها في المجتمع سواء كانت أمًّا، عاملة، فنانة أو ناشطة، تُجسّد فعل المقاومة اليومية. هي من تُحوّل الألم إلى فعل، والانتظار إلى طقس، والغياب إلى ذاكرة حيّة، بل يُمكن القول إنّ المرأة لا تنتمي إلى الوطن فقط بل تُجسّده، في طريقتها في إعداد الطعام، في نظرتها حين تُودّع، في صمتها حين تُقاوم، وفي لغتها حين تُعيد تعريف الكلمات المجروحة، وفي ساحات الحروب والدفاع عن هذا الوطن. الوطن يعيش في جسدها، في صوتها، وفي قدرتها على تحويل المأساة إلى معنى.

هذا يدفعنا إلى القول: لماذا عندما يتمّ ذكر الأم يتمّ التذكير بالوطن؟ ما هي الصلة الأساسيّة بينهما؟ كيف يمكننا أن نُعرّف الوطن والوطنية والمرأة؟ في هذا السياق تُعد الوطنية إحدى مبادئ أيديولوجية تحرير المرأة، حيث عرّف المفكر عبد الله أوجلان الوطنية في الكثير من مرافعاته وتحليلاته. قبل كلِّ شيء لا يمكن أن نتصوّر أيديولوجية حرية المرأة معزولة عن الأرض بمصطلح الروح الوطنية وارتباطًا بآفاقه التاريخية والراهنة، لذلك يجب على المرأة ألا تتخلى عن الوطن، فالوطن لا يُمكنه حماية وجودها بتاتًا إن لم تتجمل هي بروحٍ وطنية تخوّلها للدفاع عنه.

الوطنية تعني الاندماج مع تراب الوطن، والانسجام مع الروح الوطنية والحرية. يكفي أن نتذكّر أنّ البذرة الأولى لاكتشاف الزراعة التي شهدتها البشرية في فجر التاريخ كانت على يد المرأة الأم. إذاً المبدأ الأول لهذه الأيديولوجية هو أن تعيش المرأة على أرضها بحرية، وهو ما يُعبَر عنه بـ تحرر المرأة، ذلك أنّ أيّ فكر أو نظام أيديولوجي ينقطع عن جذوره، يفقد أصالته ومبرر وجوده، وعليها أن تعيش فيه تحت أي ظروف أو مصاعب، وأن تتشبث بالأرض التي نشأت فيها، وأن يكون وجودها مرتبطًا بوجود أرضها. هذا الارتباط يُصبح أكثر إلحاحًا في المجتمعات التي تتعرض للطمس، حيث لا تكون الهوية مجرّد انتماء، بل تُصبح فعلًا يوميًا من المقاومة. المرأة بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في النسيج الاجتماعي تُجسّد هذا الفعل بأكثر أشكاله تعقيدًا وعمقًا، وخير مثال على ذلك هو المرأة الكردية التي لم تكن هويتها النسوية منفصلة عن هويتها الوطنية، بل كانت متشابكة معها، تُغذّيها وتُعيد تشكيلها في لحظات الانكسار، التهجير، المجازر، وفي لحظات التنظيم والكتابة والقيادة.

المرأة الكردية لم تُعرّف نفسها فقط كامرأة بل كامرأة كردية، في سياق تاريخي من الإنكار، القمع، والتهديد المستمر للهوية الكردية. هذا التقاطع بين الجندر والانتماء القومي جعل من تجربتها تجربة مزدوجة من الألم والمقاومة. حيث كانت الهوية النسوية هي الوسيلة لفهم جسدها، لغتها ووجودها. أمّا الهوية الوطنية فكانت وسيلتها لحماية أرضها، ذاكرتها وحقّها في الوجود.

يمكن تتبع هذا النضال عبر التاريخ من جوهر خاتون في القرن السابع عشر، والتي ظهرت في قلعة دمدم كرمزٍ نسائي للمقاومة ضد الاحتلال الصفوي، إلى ساكينة جانسيز في العصر الحديث، إحدى النساء الأوائل اللواتي ناضلن في سبيل حريتهن وحرية وطنهن، والتي اغتيلت في باريس عام 2013 بعد عقودٍ من النضال السياسي والتنظيمي. المناضلة ساكينة جانسيز المعروفة بـ سارا لم تكن فقط ناشطة، بل كانت مفكّرة، منظّمة ومُلهمة، كتبت سيرتها الذاتية بعنوان “حياتي كلّها صراع”، لتُجسّد فيها كيف أنّ المرأة الكردية لا تُقاوم فقط بالسلاح، بل بالوعي والكتابة والتنظيم.

وقفت المرأة الكردية في وجه سياسات التعريب، التتريك، والتفريس، حيث كانت الناشطة النسائية الكردية فعلًا من أفعال البقاء، وهناك المناضلة زينب كناجي والكثير من المقاتلات اللواتي وقفنَ وناضلنَ في وجه جميع أنواع الاستعمار والاستغلال، ووقفنَ في وجه جميع سياسات الإنكار والاستعباد التي تستبعد المرأة عن جميع مجالات الحياة التي كانت سابقًا بريادتها. هؤلاء النساء لم يكتبنَ فقط، بل نظّمنَ، أرّخن، وعلّمن، ليُعِدنَ إنتاج الوطن في اللغة، في الحكاية، وفي الوعي الجمعي.

هكذا لم تتعامل المرأة الكردية مع الوطن كحدودٍ رسميّة، بل كمساحةٍ للكرامة واللغة والذاكرة، كما لم تكتفِ بالمطالبة بالحقوق، بل صنعت واقعًا جديدًا يقوم على المساواة والعدالة الاجتماعية. ففي شمال وشرق سوريا، قادت النساء ثورة روج آفا، وأرست مبدأ القيادة الجماعية والرئاسة المشتركة كنموذج يضمن مشاركة المرأة في القرار السياسي والإداري وحتى العسكري، بالإضافة إلى أنّها أعادت تعريف جميع المفاهيم والمصطلحات التي تم تشويهها من قبل الأنظمة المستبدّة كالسلطة، التعليم والدفاع والوطن والديمقراطية والقانون والأخلاق، وقاومت جميع سياسات حظر اللغة، وأسّست مؤسسات تعمل على تنشئة النساء وتعليمهن.

هذا النضال ليس حكرًا على النساء الكرديات فحسب، بل هناك الكثير من النساء من مختلف الطوائف والمكونات اللواتي سعَينَ إلى حماية الوطن وناضلن وقاومن لأجل بناء وطن ومجتمع يعترف بهنَّ كوجود. يُمكننا ذكر أسماء البعض من هؤلاء النساء اللواتي سطّرن التاريخ ببطولاتهن، مثل هاربيت توبمان التي تحدّت العبودية، وروزا لوكسمبورغ التي ناضلت من أجل العدالة الاجتماعية، وسيمون دي بوفوار التي أرست أسس الفكر النسوي الحديث، وجان دارك التي تحوّلت إلى أسطورة للمقاومة، وليلى قاسم التي أُعدمت من أجل مبادئها، وسناء محيدلي التي عُرفت كعروس الجنوب، نوال السعداوي التي هزّت البُنى الفكرية التقليدية بجرأة قلمها، هدى شعراوي التي فتحت أبواب الحركة النسوية في مصر، دلال المغربي التي قدّمت نفسها فداءً للقضية، مريم خان التي غنّت للوطن والكرامة ، ساكينة جانسيز التي جعلت من السجن مدرسة للنضال، زينب كناجي وفيدان دوغان وأرين ميركان وأفيستا خابور اللواتي استشهدن في سبيل الحرية.

تأتي هذه الروح النضالية متوافقة مع أفكار الفيلسوف عبد الله أوجلان، والتي تطورت إلى ما يُعرف بـ “الكونفدرالية الديمقراطية”، وهي رؤية شاملة لإعادة بناء المجتمع على أسس تتعارض جذريًا مع نموذج الدولة القومية السلطوية الذكورية. إنّ الكونفدرالية الديمقراطية ليست مجرّد مشروعٍ سياسي، بل هي ثورةٌ فكرية وأخلاقية تهدف إلى بناء مجتمع أخلاقي سياسي قائم على القيم الإنسانية الأساسية.

فلسفة القائد الأممي عبد الله أوجلان هي دعوة إلى نضالٍ وجودي من أجل الإنسانية، حيث يمرّ طريق الخلاص من الأزمات وحالات عدم الاستقرار والدمار البيئي حتمًا عبر تفكيك الدولة القومية السلطوية والقضاء على الهيمنة الذكورية، وإعادة بناء العلاقات بين الجنسين على أساس الحرية والشراكة، واعتبار تحرر المرأة هو البوصلة والشرط الأساسي لأي تحوّل ديمقراطي حقيقي. هكذا لم يعد نضال الشعب الكردي مجرّد كفاح من أجل الحقوق القومية، بل تحوّل إلى مختبر حي لنموذج جديد للمجتمع يقدم إجابات ليس فقط للكرد، بل لكل الإنسانية الباحثة عن العدالة والحرية في عصر الأزمات العميقة. من خلال هذه الفلسفة وصلت المرأة إلى أن تكون طليعة لجميع النساء في الشرق الأوسط ومثالًا لجميع النساء. المرأة الكردية هي تلك المرأة التي حاربت في كوباني، وقاومت في السجون الإيرانية والتركية، وهي تلك المرأة التي من خلالها انطلقت ثورة “المرأة، الحياة، الحرية” في شخصية جينا أميني وشريفة محمدي، وهي تلك المرأة التي تسعى لبناء وطنٍ حر وتكون طليعة للأجيال.

لهذا فإنّ ارتباط المرأة بالوطن ليس عن عبث، واعتبار المرأة هوية ليس عن عبث، فهو ارتباطٌ معنوي لا يفهمه سوى هؤلاء الأشخاص والعلماء الذين سعوا إلى تعريفها من جديد. لهذا ركّز المفكر عبد الله أوجلان على أنّ “تحرير المجتمع يمرُّ عبر تحرير المرأة” لأنّ المرأة حين تتحرر، تُحرر معها الروح الوطنية وتمنح المجتمع القدرة على الانبعاث من جديد، ومن خلال فلسفة “المرأة، الحياة، الحرية” يُمكننا أن نصل إلى تعريفٍ سليم للوطن والوطنية.

الوطن بالنسبة للنساء الكرديات هو المكان الذي يُحفظ فيه الاسم، وتُروى فيه القصة، وتُمارس فيه الحرية. هو مساحة تُقاوم فيها المرأة ليس فقط من أجل الأرض، بل من أجل المعنى، وفي كل لحظة من لحظات المقاومة كانت المرأة الكردية هي من تحمل الوطن في صوتها، في جسدها وفي فعلها اليومي. هي من حوّلت المجازر إلى ذاكرة، والتهجير إلى تنظيم، واللغة إلى سلاح. هي من أعادت تعريف الوطن لا كخريطة، بل كحكاية تُروى، وككرامة تُحمى، وكهوية تُنسج من الألم، والوعي، والحب.

بالتالي؛ تبقى المرأة هي الخيط الذهبي المتين في نسيج الوطن، الخيط الذي لا يفسده تقلّب الزمن ولا قسوة الظروف. هي الحافظة للقيم، والناقلة للتراث، والمجددة للروح الوطنية في كل لحظة انكسار. إنّ دورها لا يقتصر على الدفاع عن الأرض فحسب، بل يمتد إلى الدفاع عن فكرة الوطن نفسه كملاذ للكرامة ومساحة للحرية ومستودع للذاكرة. فعبر التاريخ أثبتت المرأة أنّها ليست مجرّد جزءٍ من الوطن، بل هي ضميره النابض وروحه التي لا تموت، وهي التي تمنحُ الجغرافيا معناها العميق، وتضفي على التاريخ حيويته وخلوده ، وتزرع في المستقبل أملًا لا ينضب.