الوطن.. القومية.. الانتماء – جيهان خضرو

الوطن.. القومية.. الانتماء

” في عالمٍ تحوّل فيه الوطنُ إلى معسكر،

 والانتماءُ إلى بطاقةٍ أمنيّة،

 لا بدَّ من إعادةِ صياغةٍ جذريّة

 لما تعنيهِ هذه الكلماتُ لنا كنساءٍ وكشعوب”

 

جيهان خضرو

في زمنٍ تتلاشى فيه الحدود بين ما هو وطني وما هو قومي، وتتشظّى فيه الهويات تحت وطأة الحرب والاستبداد، نجد أنفسنا كسوريين وسوريات، في مواجهة أسئلةٍ وجوديّةٍ عن معنى الوطن، وحدود الانتماء، وجدوى الشعارات التي رفعتها الأنظمة لعقودٍ طويلة باسم القومية والوطنية.

كـ مواطنةٍ سورية، وامرأة عايشت تحوّلات البلاد من الداخل، أجد أنّ من واجبنا اليوم مساءلة هذه المفاهيم، لا من باب التنظير، بل من صميم الواقع الذي عايشناه ونعاني تبعاته حتى اللحظة. في عالمٍ تحوّل فيه الوطن إلى معسكرٍ، والانتماء إلى بطاقةٍ أمنيّة، لا بدّ من إعادة صياغةٍ جذريّة لما تعنيه هذه الكلمات لنا كنساءٍ، وكشعوب.

لم يعد بالإمكان فصل السياسة عن الجسد، ولا الشعارات عن الواقع الملموس. نحن لا نعيش في كتيبات التربية الوطنية، بل في خيام اللجوء، وفي سجون أجهزة الأمن، وفي صمت المقابر الجماعية. ما لم يُترجَم معنى الوطن إلى أمانٍ فعلي وعدالةٍ اجتماعية ومشاركةٍ حقيقية، فكلُّ حديثٍ عن الانتماء يصبح لغوًا لا أكثر.

أولًا: إعادة مساءلة مفهوم الوطن والانتماء

 

الوطن كما عرّفوه لنا في المدارس، هو الأرض والتاريخ واللغة والدم. هذا التعريف المُعلّب تجاهل تمامًا عنصرًا جوهريًا ألا وهو الإنسان، وتجاهل بالأخص الإنسانة. ما معنى الوطن لامرأةٍ سورية وُلدت في منطقة مهمّشة، لا تجد فيها مستشفى، ولا محكمة عادلة، ولا فرصة عمل تحفظ كرامتها؟ ما معنى الانتماء لوطنٍ يُطلب منكِ أن تموتي لأجله، بينما لا يضمن لكِ أدنى شروط الحياة؟ هذا التساؤل مشروعٌ بل وضروريٌ، لأنّ استمرار الصّمت هو ما جعل هذا الوطن ملعبًا مفتوحًا للسلطات الذكورية والعسكرية.

في السنوات الأخيرة، ومع اشتداد قمع النظام السوري للحراك الشعبي، أصبح يُنظر لأي مساءلة أو انتقاد للوطنية كخيانة، لكن من الذي خان من؟ أهي المرأة التي تسأل عن حقوقها؟ أم الدولة التي تخلّت عن شعبها، وقصفت مدنه، وشرّدت الملايين باسم الحفاظ على وحدة الوطن؟

بالنسبة لنا، لم يعد مفهوم الوطن يرتبط بالأرض فقط، بل بالحقوق. الوطن ليس ما وُلدنا فيه، بل ما نستطيع أن نعيش فيه بكرامة. هذه الحقيقة تُحرّك اليوم مئات آلاف السوريين والسوريات في الشتات ممن وجدن في المنفى أوطانًا بديلة، ليس لأنّهن خائنات، بل لأنّ الوطن الحقيقي هو الذي لا يطردكِ، لا يسجنكِ، لا يقمعكِ.

الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالموقع الجغرافي، بل بشعور الإنسان بالأمان والانتماء والعطاء المتبادل. كم من السوريين اليوم يعيشون خارج وطنهم، لكنّهم يدفعون الضرائب، يتطوعون في مؤسسات المجتمع المدني، يساهمون في بناء مجتمعاتهم الجديدة. في حين تقابلهم سلطات بلادهم بالتخوين ورفض الاعتراف؟ أليس هذا تناقضًا صارخًا يُجبرنا على إعادة تعريف كل المفاهيم من جديد؟

ثانيًا: الفرق بين الانتماء الوطني والانتماء القومي

 

من المهم التفريق بين الانتماء الوطني والانتماء القومي، لأنّ كثيرًا من الفوضى الفكرية والسياسية في منطقتنا ناجمة عن الخلط المتعمّد بينهما. فالانتماء الوطني هو شعور بالارتباط بالدولة كمؤسسة، بالمجتمع ككيانٍ جامع، وبالحقوق والواجبات المتبادلة. هو الانتماء الذي يجعل المواطن يسعى لحماية بلاده، والمشاركة في بنائها، والمحاسبة عندما تُخطئ. أمّا الانتماء القومي، فهو مفهومٌ يتجاوز حدود الدولة السياسية، ويقوم على وحدة اللغة أو العرق أو التاريخ أو الدين. وغالبًا ما يكون حالمًا، يستخدمه الساسة لتبرير مشاريعهم السلطوية، أو تبرير إقصاء الآخر المختلف.

في سوريا؛ تم استغلال القومية العربية لتهميش المكونات غير العربية. فالكرد حُرموا من لغتهم وهويتهم، والآشوريون والسريان تم دفعهم للهوامش الثقافية، والعلويون والدروز والشيعة تم توظيفهم سياسيًا وعسكريًا ضمن لعبة السلطة الطائفية. من اللافت أنّ هذه القومية التي طالما تغنّت بالوحدة، لم تنجح في تحقيقها، لا على المستوى السياسي ولا الاجتماعي، بل زادت من تفكيك الشعوب إلى “نحن” و”هم”، إلى من يستحق أن ينتمي، ومن يجب تهميشه أو إقصاؤه. القومية بمعناها العرقي لم توحّد شعوب المنطقة بل أذلّتها، وأنتجت نماذج من السلطة العسكرية التي تحكم باسم الجماعة، وتستبعد كل ما لا يشبهها، خصوصًا المرأة .

على أرض الواقع، تحوّلت القومية من مشروعٍ وحدوي إلى ذريعة للإلغاء. أمّا الوطنية، فصارت تعني الولاء الأعمى للنظام، حتى وإن كان يرتكب مجازر. هكذا سقط كلا المفهومين في قبضة السلطوية.

ثالثًا: أثر هذه المفاهيم على الشعوب والمنطقة (وسوريا نموذجًا)

إنّ أحد أكبر مآسي المنطقة، وسوريا على وجه الخصوص، هو تسييس مفاهيم الانتماء لخدمة المشاريع القمعية. القومية حين تتبناها الأنظمة الشمولية، تتحول إلى واجهةٍ لطمس التنوع، ووسيلةٍ لإنتاج عدوٍ داخلي دائم.

في سوريا، سُجن الأكراد لعقود لأنّهم طالبوا بحقوقهم الثقافية، لا لأنّهم ضد الوطن. بل إنّ بعضهم خدم في الجيش، ودفع روحه دفاعًا عن البلاد، لكن دون أن يُعترف بهويته القومية. كذلك؛ تم ربط الانتماء القومي العربي بعداءٍ دائمٍ مع الآخر، سواء كان الآخر كرديًا، أو تركمانيًا، أو سريانيًا، أو حتى امرأة تطالب بالمساواة.

ما نراه في تجارب دول المنطقة يُثبت أنّ تضخيم الخطاب القومي غالبًا ما يُخفي عجزًا داخليًا عن مواجهة الأزمات الحقيقية. فبدل أن تُبنى السياسات على أولويات الشعب وهمومه، يتم تحويل الانتباه إلى العدو القومي، وغالبًا ما يكون هذا العدو داخليًا (امرأة ترفع صوتها، شاب يطالب بالعدالة، أو أقلية تبحث عن الاعتراف).

رابعًا: تأثير الانتماءات على المرأة السورية

 

المرأة السورية ليست هامشًا في هذه المعادلة، بل هي ضحيتها الأولى. ففي حين تم تضييق الهويات القومية والدينية، تم اختزال دور المرأة داخل هذه الهويات إلى خانتين إمّا حارسة الشرف القومي، أو ضحية تُستخدم كرسالة.

في مناطق النظام، تم استخدام المرأة كسلاحٍ سياسي، يُعتقلنَ، يُغتصبنَ، ثم يُجبرنَ على الصّمت حتى لا تُمسّ سمعة العائلة أو الوطن. أمّا في بعض مناطق شمال غرب سوريا التي كانت تحت سيطرة ما يُسمى بالمعارضة، فُرض على المرأة نمط حياةٍ ديني وقيمي صارم، وتم تغييبها من الحياة العامّة باسم الهوية الإسلامية. في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، برز نموذجٌ مميزٌ ومختلف، حيث شاركت المرأة في العمل السياسي والعسكري والإداري، لكن حتى هذا النموذج بقي محصورًا بسبب محاربته من قبل الجهات المعادية لهُ.

لم يكن هذا العنف الرمزي والجسدي مجرّد انعكاسٍ جانبي للحرب، بل جزءًا بنيويًا من رؤية الدولة والمعارضة معًا لدور المرأة. تم تصوير المرأة دائمًا كأداةٍ لإثبات نقاء الجماعة، وشرف الأمّة، لا ككائن مستقل يملك قراره وصوته وموقعه في الحيّز العام.

خامسًا: كيف أصبحت القومية والوطنية أدوات بيد السلطات

 

النظام السوري برع في توظيف مفاهيم الانتماء لخدمة بقائه. فالوطنية تعني عنده الولاء المطلق لبشار الأسد، وليس لسوريا الدولة، وحتى في المدارس، يدرس الأطفال أنّ الأسد هو الوطن. القومية العربية بدورها صارت قناعًا للسيطرة، لا وسيلةً للتحرر. في المقابل، لم تنجُ المعارضة المسلّحة من هذا المرض. فالكثير من فصائل المعارضة تبنّت خطابًا دينيًا أو قوميًّا إقصائيًا، فمارست ضدّ المرأة ومكونات ما ادّعت أنّها ثارت عليه.

هذا الاستخدام الانتهازي للقومية والوطنية لم يقتصر على خطاب الدولة، بل انتقل إلى كل البُنى السياسية التي نشأت بعد الثورة، أو تلك التي كانت تدّعي تمثيلها للشعب السوري. لقد تحوّلت القومية إلى رداءٍ فضفاض يرتديه الجميع لتمرير مشاريع الهيمنة والاستبعاد، وتحوّلت الوطنية إلى مرآة مشروخة تعكس فقط صورة الحاكم، لا صورة الوطن بكل تنوّعه ومعاناته.

تُستخدم مفاهيم الانتماء اليوم كأدواتٍ لإنتاج خطابٍ استقطابي، يفرز المجتمع إلى موالين وخونة، إلى وطنيين وعملاء، وغالبًا ما يُختصر هذا التصنيف في مدى قرب الفرد من السلطة، لا في مدى التزامه بالعدالة والمواطنة.

في الإعلام الرسمي، يصبح تمجيد النظام دليلًا على الوطنية، بينما يُعتبر كل صوت ناقد أو مختلف، صوتًا معاديًا للوطن. هكذا، يتم سحق أصوات المرأة والأقليات والمجتمع المدني، تحت ذرائع المصلحة الوطنية العليا التي لا يحددها الشعب، بل تُفرض عليه قسرًا.

سادسًا: نحو مفهوم بديل للانتماء

 

من  أجل مستقبلٍ سوري يستحق أن نعود إليه أو نحلم به، لا بدّ من إعادة صياغةٍ شاملة لهذه المفاهيم:

  • الوطنية يجب أن تُبنى على احترام حقوق الإنسان، لا على عبادة الأشخاص.
  • القومية لا يجب أن تكون وسيلة لإنكار التعدد، بل أرضية للاعتراف بالمشترك الإنساني بين الشعوب.
  • الانتماء لا يجب أن يُفرض، بل يُختار بحرية، ويُمارس بعدالة.

نحن بحاجةٍ إلى مفهومٍ وطني جديد لا يقوم على المركزية القمعيّة ولا على الخطابات العاطفيّة، بل على عقدٍ اجتماعي واضح يعترف بحق كل مكوّنٍ في أن يكون شريكًا في القرار، لا تابعًا في الهامش. المرأة السورية اليوم، في الشتات أو في الداخل، تساهم في بناء هذا التصوّر الجديد عبر العمل الحقوقي، التعليم، الفن، السياسة، رغم كل العقبات. صوتها لا يعلو فقط في التظاهرات، بل في المؤتمرات، وفي الساحات، وحتى في صمتها حين تختار ألا تعود إلى وطنٍ جرّدها من إنسانيتها. لعلّنا نشهدُ اليوم بداياتِ تشكّل وطنٍ مختلف، يُكتب بأيدٍ نسائية، ويتّسع لأكثر من هويةٍ واحدة، وطن لا يُختزل في شعارٍ أو لونِ علمٍ، بل يُبنى على قيم المشاركةِ والمساواة والتنوع الحقيقي.

في الختام؛ إنّ إعادة مساءلة مفاهيم كبرى مثل الوطن والانتماء لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورةً وجوديةً في ظلّ ما نشهده من تفككٍ اجتماعي، وصعودٍ للخطابات القومية المتعصّبة، وتآكلٍ لمعاني الانتماء الحقيقي. لقد حاولنا من خلال هذه المقالة تفكيك الترابط المُصطنع بين الوطن كفكرةٍ وجدانيةٍ جامعة، وبين الدولة القومية ككيانٍ سلطوي احتكاري يستخدم الوطنية والقومية كأداتين لإعادة إنتاج الهيمنة، وغالبًا على حساب الأفراد وفي مقدمتهم المرأة.

الانتماء الوطني في صورته المُثلى، يُفترض أن يكون علاقة طوعية ووجدانية تُبنى على العدالة، والمواطنة المتساوية، والحق في الاختلاف. أمّا الانتماء القومي، فقد تحوّل في كثير من تجلياته إلى سرديّة مغلقة، تستبعد من لا ينتمي عرقيًا أو لغويًا أو ثقافيًا إلى الجماعة المتخيلة التي تصوغها النخبة الحاكمة. هنا يصبح الفرق بين الانتماءين ليس فرقًا في الهوية فحسب، بل في البنية الأخلاقية والسياسية التي تحكم علاقة الفرد بالجماعة والدولة.

ما نشهده اليوم من تسليعٍ لمفهومي الوطنية والقومية، وتحويلهما إلى شعاراتٍ تُستخدم لقمع المعارضة، أو تبرير العنف، أو إقصاء المختلف، يُبرز الحاجة الملحّة إلى تفكيك هذه المفاهيم من منظورٍ نسوي تقاطعي. فالمرأة بوصفها جسدًا رمزيًا للأمة والوطن في الخطابات الرسمية، تحمل فوق طاقتها رموز الطهارة والشرف والتضحية، لكنّها في الواقع تُقصى من دوائر القرار، وتُستخدم كأداةٍ لإعادة إنتاج القيم المحافظة التي تخدم النظام الأبوي القومي.

من هنا؛ فإنّ مساءلة مفهوم الوطن والانتماء تعني مساءلة كل البُنى التي تصوغ وعينا الجمعي، وتحديد مَن يملك الحق في تعريف المصلحة الوطنية والهوية القومية، ولماذا يتم إقصاء المرأة والأقليات، والمهمّشين من هذا التعريف؟

نحن بحاجةٍ إلى وطنٍ لا يُبنى على الخوف من الآخر، ولا على تمجيد الماضي الأسطوري، بل وطن يتأسس على العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. وطن لا يُختزل في حدود جغرافية ترسمها السلطة ولا في علم ونشيد، بل في علاقات أفقيّة بين البشر، تقوم على الاعتراف والاحترام المتبادل.

ففي زمنٍ تُصادر فيه القومية المتصلّبة حقّنا في التفكير والنقد والاختلاف، يصبح فعل الانتماء نفسه فعلًا مقاوِمًا، ويصبح خطاب المرأة عن الوطن، ليس مجرّد تعبيرٍ عاطفي، بل طرحًا سياسيًا جذريًا يزعزع البنى السلطوية التي طالما همّشتها. ولعل أولى خطوات الخلاص من الاستلاب الرمزي الذي تمارسه الدولة القومية علينا، هي أن نُعيد كتابة سرديتنا عن الوطن، بأصواتنا نحن كنساء، كمنتميات، كمهمّشات، وكفاعلات في صياغة مستقبلٍ بديل أكثر رحابة، وأقل قمعًا.

نحن السوريات؛ لم نعد نحمل الوطن في حقائبنا، بل نحمله في جراحنا، في ذاكرتنا، في حلمنا العنيد بأن نصنع وطنًا لا يُبنى على الخوف، ولا يُدار بالولاء الأعمى. لقد تعبنا من الأوطان التي تطلب دماءنا لتعيش، وتُصادر أصواتنا.

في واقعنا السياسي السوري الراهن، حيث تتداخل صراعاتُ السّلطة والهوية، تبرزُ معاناة المرأة السورية كمرآةٍ حقيقية لمعنى الوطن والانتماء. لم يعد الوطن مجرّد أرضٍ أو حدود، بل صار اختبارًا يوميًا للكرامة والحقوق. المرأة التي تحمل جراح الحرب وتحدّيات التهميش، تُثبت أنّ الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالشّعارات أو الولاء الأعمى، بل بالقدرة على العيش بحريةٍ وعدالة.

إنّ مساءلة مفهوم الوطن والانتماء كما طرحتُ في هذا المقال ليست فقط نقاشًا فكريًا، بل ضرورةً ملحّةً لفهم كيف يُمكنُ أن يكونَ للوطن معنى مختلف، يحتضنُ الجميع ويحترمُ خصوصّية كل فرد، لا سيّما المرأة التي لطالما كانت محور صراعات الهوية والسياسة، لكنّها أيضًا مفتاحٌ لمستقبلٍ أكثر إنسانية وعدلًا.