تقاطعُ هويّة المرأة الذاتيّة مع الهويّة الوطنيّة – زليخة عبدي
تقاطعُ هويّة المرأة الذاتيّة مع الهويّة الوطنيّة

“الهويّة الوطنيّة للمرأة عبر التّاريخ كانت نتاج تفاعلٍ عميق
بين الحفاظ على التّراث والسّعي لنيل الحقوق،
فالمرأةُ لم تعش هويتها الشّخصيّة بمعزلٍ عن واقعها القومي والسّياسي،
بل تداخلت الهويتان لتشكّلا معًا جزءًا
من النّسيج الشّعبي المقاوم”
زليخة عبدي
في أولى مراحل التاريخ البشري كانت المرأة تُعرّف بهويتها الطبيعية، أي بدورها في الإنجاب ورعاية الأسرة. هويتها لم تكن منفصلة عن الجماعة، بل كانت جزءًا من رابطة الدم. مع ظهور مرحلة الزراعة واستقرار الإنسان ازدادت أهمية دور المرأة في العمل المنزلي والمزارع، لكنّ مكانتها بقيت مرتبطةً بالجماعة لا بحقوقها الفردية.
انتقلت مسيرة هويّة المرأة مع نشوء القوانين الأولى (مثل الشرائع القديمة)، حيث بدأت تتشكل ملامح هويّة اجتماعية لها، تُحدَّد من خلالها الواجبات والحقوق، لكن هذه الحقوق بقيت محدودة وخاضعة لسلطة الرجل والأسرة. مع ظهور الفكر الحديث في عصر النهضة وما تلاه من ثورات سياسية واجتماعية، تغيّرت النظرة للمرأة، فأصبحت تُرى كفردٍ مستقل يمتلك شخصية قانونية، لتتحول هويتها من “هوية طبيعية” جماعية مرتبطة بالأسرة إلى “هوية مدنية” فردية، حيث اكتسبت المرأة حقوقها الدستورية، التعليم، العمل، المشاركة السياسية، المساواة أمام القانون. بذلك أصبحت هويتها قائمة على:
1 – الانتماء للوطن (المواطنة).
2 – الاستقلال الفردي (حقوق شخصية).
3 – المساهمة العامّة (ثقافية، اقتصادية، سياسية).
وعلى ما تقدّم من شرحٍ للمراحل التاريخية التي مرّت بها المرأة لتحديد هويتها بهذا المقال، أودُّ أن أتطرّق للمرأة الكردية التي كانت دائمًا جزءًا لا يتجزأ من نسيج المجتمع الكردي، حيث لعبت دورًا مهمًا في الحفاظ على الثقافة واللغة والتقاليد. رغم الظروف الاجتماعية الصعبة والأنظمة القمعية حافظت المرأة على هويتها من خلال نقل التراث الشعبي، والحكايات، والأغاني، والملابس التقليدية، التي شكّلت رموزًا لهويتها الكردية.
عبر التاريخ كانت المرأة الكردية عنصرًا فعّالًا في النضال ضد الظلم والاحتلال، والبعض من النساء تولّينَ أدوارًا قيادية في القبائل الكردية، خصوصًا في الدفاع عن أراضيهن. كما شاركت المرأة في الحركات الثورية، مثل مقاومة الانقلابات أو الاستقلالات المحلية، وبرز دورها في نقل الهوية الوطنية من جيلٍ إلى جيل.
مع بداية القرن العشرين، ومع تأسيس حزب العمال الكردستاني – على أيدي بعض الشباب وفي مقدّمتهم الفيلسوف عبد الله أوجلان وانضمام بعض النساء إلى صفوف الحزب – اكتسبت حياة المرأة الكردية بُعدًا جديدًا، فقد وجدت في الحزب مجالًا لهويتها الذاتية والوطنية، لأنّ أهداف الحزب كانت قائمة على أنّ تحرّر المجتمع يبدأ من تحرّر المرأة. وبالاعتماد على تحليلٍ عميقٍ للتاريخ الكردي ووضع المرأة، انطلقت رحلة البحث عن المرأة الحرّة.
هذه الرحلة لم تكن سهلة بل كانت محفوفة بالمخاطر والمآسي، فقد فرضت على المرأة مراحل قاسية من العبودية، جعلتها أسيرة الخوف من سطوة السلطة الحاكمة، سواء داخل البيت تحت هيمنة العائلة أو خارجه في مؤسسات المجتمع. كانت هذه المرحلة محاولةً لكتم صوت المرأة وكسر إرادتها. المفكر عبد الله أوجلان استطاع إخراج المرأة من كل هذه الأهوال والإمساك بيدها كي تنطلق بكل حرية على سفوح الجبال وتعلن عن ولادةٍ جديدة للمرأة. هذه الولادة عرّفت المرأة على ذاتها، وعملت على كيفية إدارة الذات وهي بعيدة عن التقاليد والعادات الاجتماعية التي كانت تتحكم بها، وتمنعها حتى من التفكير بأنّها إنسانة، هنا أثبتت مدى الارتباط والتقاطع بين هويتها الذاتية والوطنية. لذلك بدأت المرأة الكردية تدرك أنّ هويتها لا تقتصر على جنسها فقط، بل تتقاطع مع هوية وطنية مشتركة.
أصبح الدفاع عن الحقوق القومية جزءًا من مشروعها الشخصي، وبذلك أسست المرأة جمعيات نسوية ومدارس لتعليم البنات، ما عزز دورها في صيانة اللغة الكردية والثقافة الوطنية، وحاملة للثقافة من خلال اللغة، الأغاني، والحكايات الشعبية، بالإضافة إلى أنّها لعبت دورًا رئيسيًا في حفظ الهوية الكردية من الاندثار، وهو دورٌ يمزج بين خصوصيتها كأم وامرأة، وانتمائها الوطني. كما كانت المرأة الكردية دائماً حافظةً للذاكرة الوطنية، حيث لعبت دورًا في توثيق المجازر، التهجير القسري، والاضطهاد الذي واجهته الشعوب الكردية. ناهيك عن أنّها حوّلت الألم والمعاناة إلى قوة تنظيمية مقاومة، سواء في المدن أو في الريف، لتكون جزءًا من الحركة الوطنية.
اليوم تلعب المرأة الكردية أدوارًا سياسية وعسكرية واجتماعية مهمّة، منها المشاركة في الأحزاب السياسية والمجالس المحليّة، تشكيل قوات وحدات حماية المرأة ypj التي عملت على الجمع بين الدفاع عن حقوق المرأة والهوية الوطنية في آنٍ واحد، مما جعلها رمزًا للنضال الكردي في العصر الحديث.
الهوية الوطنية للمرأة الكردية عبر التاريخ كانت نتاج تفاعلٍ عميق بين الحفاظ على التراث ومقاومة الاحتلال والسعي لنيل الحقوق. فهي لم تعش هويتها الشخصية والنسوية بمعزلٍ عن واقعها القومي والسياسي، بل تداخلت الهويتان لتشكلا معًا جزءًا من النسيج المقاوم للشعب الكردي. لقد وجدت المرأة الكردية في نضالها الوطني امتدادًا لنضالها من أجل الحرية والكرامة، فكانت الأم التي تحفظ الذاكرة الجمعية، والمناضلة التي تحمل السلاح، والمثقفة التي تسعى لتثبيت قيم العدالة والمساواة. هذا التلازم بين الهويتين جعلها تلعب دورًا محوريًا في صياغة الوعي الجمعي، إذ لم يعد تحريرها مجرّد قضية فردية أو مطلب نسوي، بل غدا شرطًا أساسيًا لتحرر المجتمع بأسره. من الواجب أن نوضّح ذلك عبر عدّة نقاط أساسية:
أولًا- عملت المرأة الكردية لتأكيد الهوية الذاتية والحرية الشخصية، حيث كانت في سياق مجتمعات تقليدية أحياناً تواجه قيوداً اجتماعية وجندرية. قاومت هذه القيود التي كانت جزءاً من تعريف هويتها كامرأة حرّة قادرة على اتخاذ القرار والمشاركة في الشأن العام، لذلك كانت كل خطوة نحو التحرر الشخصي تعكس الرفض للقهر الذي يمارسه النظام السياسي ضد شعبها الكردي فتتشابك الهويتان الذاتية والوطنية.
ثانيًا- لم تكتف المرأة الكردية بالدور التقليدي، بل انخرطت في الحركات الوطنية والعسكرية والسياسية. شاركت في الدفاع عن أرضها وثقافتها، جعلت من هويتها النسوية جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية، إذ أنّها أثبتت أنّ المرأة ليست متفرّجة بل فاعلة في حماية المجتمع الكردي، وحوّلت مقاومتها إلى نموذجٍ تنظيمي لأنّ المرأة الكردية لم تقم بمقاومة فردية فقط، بل أسست خلايا تنظيمية وجماعات نسائية قوية. هذه الهياكل عززت حضور المرأة في المجال العام وخلقت مساحة لإعادة تعريف المرأة في إطارٍ وطني، بحيث أنّ قوّتها النسوية أصبحت قوة مقاومة جماعية.
ثالثًا- حملت ذاكرة المجازر والتهجير، من خلال نقل التاريخ الجماعي للمجتمع الكردي، المجازر والتهجير والاضطهاد، ردّت على هذه الانتهاكات بتحويل الألم إلى ذاكرة مقاومة. هذه الذاكرة لم تكن وطنية فقط بل حملت بعدًا نسويًا، إذ أنّ النساء كنّ الشاهدات على المجازر، وناقلات الثقافة، ومربيات الجيل الجديد بقيم المقاومة والهوية.
رابعًا- عملت المرأة الكردية على دمج رموز المقاومة الوطنية مع رموز القوة النسوية، حيث نسجت الرموز والممارسات الثقافية في الشعر، الأغاني، الفلكلور والممارسات الاجتماعية. بذلك تتقاطع هوية المرأة الكردية مع هويتها الوطنية في سياقٍ تاريخي مليء بالاضطهاد والتهجير والمجازر. هذا التقاطع لم يكن عبئاً فقط، بل تحوّل إلى مصدر قوة جعل من المرأة الكردية حارسة للذاكرة الجماعية وفاعلة في صياغة مفهوم جديد للوطن. فمن الشعر المبكر إلى أدب السجون والمنفى، ومن المقاومة المسلحة إلى الإبداع الثقافي، أسهمت النساء الكرديات في إعادة تعريف الوطن كساحة مقاومة، لا كحدودٍ رسمية.
في بدايات القرن العشرين، برزت الشاعرة مينا قاضي كصوتٍ نسوي حمل همّ الوطن، إذ جسّدته حلمًا مؤجلًا وأرضًا محرومة من الاعتراف. كان الشعر بالنسبة لها أكثر من مجرّد إبداعٍ جمالي، لقد تحوّل إلى أداة لبناء وعي قومي ناشئ، حيث بدا الوطن في قصائدها فكرة حيّة تتجاوز حدود الواقع السياسي القائم. ومع تصاعد القمع والحرمان، أخذت صورة الوطن بُعدًا جديدًا، فغدا مسؤولية وجودية تُثقل كاهل كل من عاش الانتماء الكردي، مسؤولية تُختبر في تفاصيل الحياة اليومية كما في التضحيات الكبرى.
كما كتبت بختية أحمد عن الوطن بوصفه ساحة نضالٍ لا ينفصل عن حياة الناس، إذ رأت فيه فعل مقاومة يومي يختبر المرأة والرجل على حدٍّ سواء. أمّا ليلى قاسم، فقد تحوّلت إلى أيقونة خالدة في الذاكرة الجمعية، إذ جسدت الوطن بجسدها وروحها ورسائلها الأخيرة قبل إعدامها عام 1974، لتصبح رمزًا لمعنى أن يُعاش الوطن بالتضحية والمقاومة والدم. من خلال هذه التجارب، لم يعد الوطن مجرّد فكرة مؤجّلة أو مساحة جغرافية منتهكة، بل أصبح كينونة تُبنى بالوعي والشعر والنضال والتضحية، ليغدو حاضرًا في ذاكرة المرأة الكردية ووجدانها كحقيقةٍ وجودية لا تنفصل عن ذاتها وهويتها.
مع موجات الاعتقال والتهجير، ظهر أدب السجون والمنفى. وثّقت شمسة عبد الله تجربة المنفى، فيما جعلت ساكينة جانسيز من سيرتها “حياتي كلّها صراع” نصّاً تأسيسياً أعاد تعريف الوطن كذاكرة جماعية ومقاومة نسوية- وطنية لا يمكن كسرها حتى خلف القضبان. في هذه المرحلة، برزت أصواتٌ مثل هاجر قرداغي وبيريفان دوسكي، اللتان جعلتا من الكتابة النسوية الكردية فضاءً يربط بين تحرر المرأة وتحرر الشعب. أصبح الوطن هنا مساحةً مشتركة لا تقوم دون حرية المرأة.
مع صعود مقاومة روج آفا وتجارب الهجرة، كتبت بيروزة نوروز وسارا عفريني عن الوطن كفضاءٍ لا تحدّه الجغرافيا. قد يكون الوطن قصيدةً في المنفى، أو معركةً في كوباني، أو لغةً تُصان في مواجهة الطمس. الوطن هنا فضاء مقاومة حي يتجاوز الخرائط الرسمية. المرأة الكردية حملت الذاكرة الجمعية لشعبها، ونقلت تجربة المجازر والسجون عبر الأدب. مذكّرات ساكينة جانسيز ورسائل ليلى قاسم مثالان على ذاكرةٍ جماعيةٍ تحفظ الهوية رغم محاولات المحو.
الأمّة هي جماعة متخيَّلة، والوطن عند الكرديات لم يكن حدوداً سياسية بل رابطة رمزية تُبنى بالقصيدة والأغنية واللغة. هذا التخيّل جعل الوطن عابرًا للحدود. اضطهاد المرأة الكردية كأنثى تداخل مع اضطهادها ككردية. لذا صاغت كتاباتها مفهومًا مزدوجًا للوطن، فلا وطن دون حرية المرأة، ولا حرية للمرأة دون وطن. الوطن ليس مكانًا جغرافيًا فقط، بل فضاءً اجتماعيًا يُنتج بالذاكرة والممارسة. حتى السجون والمنافي تحوّلت عبر الكتابة النسوية إلى “أوطان بديلة” تُقاوم النسيان.
أعادت المرأة الكردية عبر قرنٍ من الكتابة والمقاومة تعريف الوطن بوصفه فضاءً حيًّا للمقاومة، لا مجرّد كيانٍ جغرافي. الوطن عندها بدأ حلمًا قوميًا، ثم صار دمًا وتضحية، ثم ذاكرةً لا تموت، ثم تحررًا مزدوجًا للمرأة والشعب، وصولًا إلى فضاءٍ عابرٍ للحدود يتجسد في اللغة والذاكرة والفعل. بهذا يُصبح الوطن في التجربة النسوية الكردية سردية مقاومة تُكتب يوميًا في الجسد والقصيدة والذاكرة، وتبقى عصيّة على المحو مهما تغيّرت الخرائط. الاحتفال بالهوية الوطنية مرتبطٌ بتمكين المرأة واعتراف المجتمع بدورها.
اكتشفت المرأة الكردية هويتها النسوية عبر مسيرة المقاومة، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وجعلت من الدفاع عن المرأة والدفاع عن الأمة وجهين لعملة واحدة. فقد شكّلت مقاومتها مسارًا مزدوجًا حيث سعت إلى تحرير ذاتها من القيود المفروضة عليها من جهة ، وساهمت في تعزيز الهوية الوطنية من جهةٍ أخرى.
