المرأة في الشّرق الأوسط بين النصوص والواقع – سوسن خلف

المرأة في الشّرق الأوسط بين النصوص والواقع

“يصعبُ مقارنةُ نساءِ شمال وشرق سوريا بنساءِ الشّرق الأوسط

بسببِ وجودِ فجوةٍ زمنيّةٍ لا متناهية بين النموذجين،

فبينما لا تزالُ بعضُ الدولِ

تُجادلُ حول حقّ المرأة في القيادة أو تولّي القضاء،

 نساءُ شمال وشرق سوريا يقدنَ الإدارات

ويضعنَ دساتيرَ تُكرّسُ المساواة والعدالة”

سوسن خلف

في الشّرق الأوسط؛ تُسكتُ المرأةُ حين يُصنَع التاريخ، ويُطلَبُ منها التضحيةُ حين يُوزَّع المستقبل، يُرفَعُ اسمُها على الشعارات، ويُحجَبُ حضورُها عند القرار. بين الخطابِ الوطنيِّ وصمتِ الواقع، تقفُ لتقول: وجودي ليس زينةً، وصوتي ليس تفصيلًا يمكنُ تأجيلُه.

المرأةُ هي من تصنعُ الحياة، تحمل الأملَ بأطرافِ أصابعِها، مُواجهةً كلَّ محاولاتِ الإقصاءِ والتهميش، لتُثبتَ أنّ وجودَها قوّة، وأنّ قصّتَها ليست تفصيلًا يُكتَبُ على الهوامش، بل هي قلبُ الحياةِ النابض، وأن لا وجودَ بدونها.

تُخبِرُنا الشعاراتُ دائمًا بأنّها الركيزةُ الأساسيّةُ للبناء، بينما تُعامَلُ في القوانين كظلٍّ لا كجذرٍ، تُكرَّمُ في المناسبات، وتُنسى في المجالس. تُنادَى كـ رمزٍ للعطاء، لكنّها حين تعترضُ أو تحلمُ بتحقيق العدالةِ والمساواة، تُتَّهَمُ بخروجِها عن النمطيةِ التي وُضِعَت ضمنَها، وتُتَّهَمُ بأنّها فكّرت خارج الصندوق. هذا التناقضُ بين التمجيدِ والتهميشِ هو جرحٌ مفتوحٌ في ذاكرةِ كلِّ امرأةٍ وُلدت على أرضٍ تُغنّي لها وتهتفُ باسمِها، لكنّها لا تُنصتُ، إنّما تصمُّ الآذانَ عندما يحينُ وقتُ الاستماعِ لها ولآرائها.

نحن النساء؛ لم نأتِ إلى هذا الوجودِ لنكونَ صدىً لصوتٍ آخر، نحن ذاكرةُ المكانِ ووعيه، نحن من نحملُ الحياةَ ونحرُسُ الأملَ حين تُطفِئُه الحروب، لا نطالبُ بامتيازٍ أو مكانة، إنّما نطالبُ بحقٍّ بديهيٍّ نكونُ فيه شركاءَ في صناعةِ المصير، لا متفرّجاتٍ عليه. لقد آن الأوانُ لإعادةِ تعريفِ الانتماء، فحبُّ الأرض لا يعني الصمتَ أمامَ الظلم، والولاءُ الحقيقيُّ لا يكونُ بتقديسِ من يُقصينا، بل بالدفاعِ عن إنسانيتِنا المشتركة. الحريةُ ليست ترفًا نسويًا، بل جوهرَ الوجودِ الإنساني، والعدالةُ التي لا تشملُ النساءَ ليست عدالةً، بل قشرةً زائفةً لوطنٍ لم يكتملْ بعد.

رغم أنّ معظمَ دساتيرِ الشّرق الأوسط تنصُّ على مبدأ المساواة، وتؤكّد أنّ المواطنين متساوون أمام القانون دون تمييزٍ على أساس الجنس، إلّا أنّ الواقعَ السياسيَّ والاجتماعيَّ ظلّ حبيسَ الذهنيةِ الذكوريةِ التي تُقصي المرأةَ من مراكزِ صنع القرار، وتعيدُها إلى الهامشِ في لحظاتِ البناء.

تحتفي كلُّ الدولِ بالمرأةِ في يومِها العالميّ، مُغرقةً إيّاها بالورودِ والخطابات، لتعودَ فتُغلِقَ الأبوابَ أمام مشاركتِها في السلطةِ والاقتصادِ والإعلام. فالمرأةُ تُستدعى رمزًا في الخطابِ الوطني، لكنّها تُستبعَدُ من رسمِ هذا الخطاب. يتمّ الاحتفاءُ بها كـ أمِّ الشهيد لا كصانعةِ قرار، كضحيةٍ مثاليةٍ في الحروبِ والكوارث، لا كقائدةٍ أنجزت المعجزات. يُطلَبُ منها الصّبرُ والتضحيةُ من أجل الوطن، لكنّها حين تُطالِبُ بالعدالةِ والمساواة تُوصَمُ بالتمرّدِ على القيم، وكأنّ الوطنيةَ تُقاسُ بمدى صمتِ النساء لا بمدى حضورِهنّ.

في الدساتيرِ العربية نجدُ نصوصًا أنيقةً عن المساواة، ولكنّها كثيرًا ما تُفرَّغُ من مضمونِها عبر القوانينِ التفصيلية – قوانينِ الأحوالِ الشخصية، والوصاية، والجنسية، والعمل – التي تُكرّسُ سلطةَ الرجل على الجسدِ والقرارِ والهوية. فالمرأةُ قد تكون وزيرةً أو نائبةً في البرلمان، لكنّها تظلّ محكومةً بقوانين تسمحُ لوليِّ أمرٍ أن يُقرّر عنها في حياتِها الخاصّة. هذه المفارقاتُ التي نجدُها بين النصوصِ الدستورية والممارساتِ الواقعية ليست صدفة، بل نتاجُ ثقافةٍ سياسيةٍ ترى المرأةَ مواطنةً نصفَ كاملة، تُمنَحُ حقوقَها كمنّةٍ لا كاستحقاق.

المرأةُ هي ذلك الصوتُ الغائبُ في المشهدِ الوطنيّ؛ ففي معظمِ دولِ الشّرق الأوسط، تُستخدَمُ الوطنية كذريعةٍ لإسكاتِ الخطابِ النسوي، حين يُقالُ لهنّ إنّ الوقتَ ليس مناسبًا للمطالبةِ بحقوقكن، فلدينا قضايا أهمّ وأكبر. كأنّ العدالةَ لا تبدأُ من البيوت، وكأنّ الأوطانَ تُبنى على أكتافِ الرجال فقط.

الخطاباتُ النسويةُ في كثيرٍ من الأنظمةِ الدولية يُنظَرُ إليها كما لو كانت خطرًا خارجيًا أو أجندةً غربيةً تُحارَبُ وتُحاصَرُ وتُشوَّهُ من خلال الإعلام. لكنّ الحقيقةَ أنّ أيَّ تحرّرٍ وطنيٍّ لا يكتملُ دون تحرّرٍ نسويّ، وأيَّ عدالةٍ لا تشملُ المرأةَ ليست إلا ظلًّا مشوَّهًا للعدالة.

لقد كانت النساءُ في شوارعِ بيروت وطهران ودمشق وبغداد والخرطوم، في الصفوفِ الأولى للاحتجاجاتِ والمطالبةِ بالتغيير، يحملن الشعاراتِ ذاتَها التي ترفعها الشعوب، لكنّ مكافأتَهن غالبًا كانت القمعَ أو التجاهل. فالمرأةُ تُستدعى حين يحتاجونها لإكمالِ المشهدِ العامّ للصورة، وتُستبعَدُ حين تُهدّدُ المعاييرَ التي تُوضَعُ من قبل السلطةِ الحاكمة.

شمال وشرق سوريا: تجربةٌ مختلفةٌ في تمكين المرأة

وسط هذا المشهدِ المتأزم، تبرزُ تجربةُ شمال وشرق سوريا كحالةٍ استثنائيةٍ في المنطقة. ففي ظلّ انهيارِ النظامِ المركزي وغيابِ الدولةِ التقليدية، استطاعت المرأةُ هناك أن تُعيدَ تعريفَ موقعِها في المجتمعِ والسياسةِ على نحوٍ غير مسبوق.

فمنذ تأسيسِ الإدارةِ الذاتيةِ الديمقراطية، وُضِعت أسسٌ جديدةٌ للحياةِ السياسية تقومُ على مبدأ الرئاسةِ المشتركة. رجلٌ وامرأةٌ في كلِّ موقعٍ إداريٍّ أو سياسيّ، ما ساعدَ على كسرِ النموذجِ الأحاديّ للسلطةِ وأدخلَ الوعيَ بالمساواةِ إلى بنيةِ الحكمِ ذاتِه. لم تَعُد المرأةُ مجرّدَ فاعلةٍ ثانوية، بل أصبحت شريكةً حقيقيةً في القرار، من المجالسِ المحليةِ إلى الهيئاتِ التشريعيةِ والعسكرية.

أعادتِ المرأةُ أولوياتِ المجتمعِ من خلال قيامِ مجالسَ لها ومنظّماتِ مجتمعٍ مدنيّ، فكانت قضايا العنفِ الأسريّ، الزواجِ القسريّ، حقوقِ الملكيةِ، المواطنةِ، في صُلبِ جدولِ أعمالِ السياسة، لا في الهامش. لقد أنتجتِ التجربةُ نموذجًا مختلفًا في الإدارة، حيث لا تُفهَمُ المساواةُ كشعارٍ بل كممارسةٍ يوميةٍ تُترجمُ في القوانينِ والمؤسسات.

لم يأتِ ذلك بسهولة، بل بعد نضالٍ طويلٍ خاضتْه النساءُ ضدّ الحربِ والذهنيةِ الذكورية، واقفاتٍ في وجهِ ثقافةٍ عمرُها قرون. مع كلِّ حربٍ أو حصار، أثبتتِ المرأةُ في شمال وشرق سوريا أنّ قدرتَها على الصمودِ ليست مجرّدَ بروباغندا إعلامية، بل واقعٌ يتجلّى في المجالس، والمدارس، والحقول، وخنادقِ الدفاع. لتُصبحَ تجربتُها نموذجًا يُدرَسُ كمثالٍ تحتذي به كلُّ نساءِ العالم.

لا نستطيعُ إيجادَ أوجهِ الشبهِ والمقارنةِ بين نساءِ شمال وشرق سوريا ونساءِ الشرق الأوسط بسببِ وجودِ فجوةٍ زمنيةٍ لا متناهيةٍ بين النموذجين، فبينما لا تزالُ بعضُ الدولِ في الشرق الأوسط تُناقشُ ما إذا كان يجوزُ للمرأةِ أن تقودَ سيارةً أو أن تشغلَ منصبَ قاضية، كانت نساءُ شمال وشرق سوريا يقدنَ الإداراتِ ويصُغنَ دساتيرَ مُصغّرةً تُكرّسُ المساواة. بينما تُحاكَمُ النساءُ في دولٍ أخرى بتهمةِ التعبيرِ عن رأيِها ويُحاكمن لأنّهن خالَفن الدساتيرَ والأخلاقَ المجتمعية، تُشارِكُ النسوةُ في شمال وشرق سوريا في صياغةِ القراراتِ المصيرية.

الفرقُ الجوهريُّ ليس في القانونِ فقط، بل في الوعيِ السياسيِّ الجمعيّ؛ ففي المنطقةِ عمومًا تُعامَلُ حقوقُ المرأةِ كملفٍّ منفصل، أمّا في شمال وشرق سوريا فيتمُّ دمجُها في فلسفةِ الحكمِ نفسها. المرأةُ ليست موضوعَ نقاش، بل عنصرَ تأسيس.

لعلَّ هذا ما جعلَ التجربةَ تُثيرُ اهتمامَ الباحثين والمنظماتِ الدولية، لأنّها لم تنتظرِ الإصلاحَ من الأعلى، بل بنتْ واقعَها من القاعدةِ إلى القمّة. المرأةُ في هذه التجربةِ لا تُطالِبُ بحقّها، بل تُمارسُه بالفعل، وهذا هو الفارقُ بين التحرّرِ الرمزيِّ والتحرّرِ الواقعيّ

حقوق المرأة بين المواثيق الدولية والواقع العربي

منذ صدورِ الإعلانِ العالميِّ لحقوقِ الإنسان عام 1948، واتفاقيةِ القضاءِ على جميعِ أشكالِ التمييزِ ضدَّ المرأة -سيداو (CEDAW) – باتت المساواةُ مبدأً دوليًا مُعترفًا به. لكن في معظمِ دولِ الشرق الأوسط، بقيت هذه المواثيقُ حبرًا على ورق. بعضُ الدولِ وقّعتِ الاتفاقياتِ مع تحفظاتٍ دينيةٍ أو ثقافيةٍ ما أفقدَها مضمونَها، بينما تجاهلتْها دولٌ أخرى تمامًا بحجّةِ الخصوصية. هكذا أصبحتِ الحقوقُ رهينةَ التأويلاتِ الدينيةِ والسياسية، بدلَ أن تكونَ التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا.

في المقابل، اعتمدت الإدارةُ الذاتيةُ الديمقراطية لشمال وشرق سوريا مبادئَ هذه المواثيقِ في العقدِ الاجتماعي الذي أُقرَّ عام 2014، فأكّد على المساواةِ التامةِ بين الجنسين، وجرّم العنفَ الأسريَّ وزواجَ القاصرات، وأقرَّ مبدأ الكوتا النسائية بنسبة 50٪ على الأقلّ في جميع المؤسسات. هذه ليست شعاراتٍ، بل قوانينَ مُطبَّقةً فعليًا، يتجلّى أثرُها في التمثيلِ السياسيِّ والاقتصاديِّ والاجتماعيِّ للنساء.

بينما تُكرَّمُ المرأةُ العربيةُ في الإعلام وتُهمَّشُ في التشريع، نجدُ في شمال وشرق سوريا توازنًا بين الخطابِ والممارسة، بين القولِ والفعل. فقد شغلت النساء في شمال وشرق سوريا مواقع صنع القرار، وأسّسن مؤسساتٍ تُعنى بحقوقهنّ، وساهمن في صياغة سياساتٍ تُرسّخ المساواة بين الجنسين. هذا النموذج لم يأتِ بسهولة، بل وُلد من تجربةٍ نضاليةٍ طويلة، ومن وعيٍ جمعيٍّ أدرك أنّ تحرر المجتمع يبدأ من تحرر المرأة.

المرأة والهوية: بين الخوف والتحرّر

 

المرأةُ في الشّرق الأوسط لا تواجهُ فقط سلطةَ الدولةِ أو الدين، بل سلطةَ العاداتِ والرموزِ واللغة. هي محاصَرةٌ بصورةِ الأنثى الفاضلة التي تُعرّفُ بمدى خضوعِها. لكن حين تختارُ أن تُعرّفَ نفسَها خارجَ هذا القالب، تُصبحُ ناقصةَ وطنية، متمرّدة، مستوردةً للأفكارِ الغربية.

في المقابل، استطاعت المرأةُ في شمال وشرق سوريا أن تُعيدَ تعريفَ هويتها، لا بوصفِها نقيضًا للرجل، بل مكمّلةً له في إدارةِ الحياة. فنشأت ثقافةٌ جديدةٌ تُوازِنُ بين الحريةِ والمسؤولية، بين الذاتِ والجماعة، بين السياسةِ والأمومة.

الحديثُ عن حقوقِ المرأةِ في الشرق الأوسط لا ينفصلُ عن الحديثِ عن مستقبلِ هذه المنطقة. فحين تكونُ المرأةُ حرّةً، يكونُ المجتمعُ قادرًا على الإبداع، وحين تُهمَّش، يبقى الوطنُ ناقصًا يعاني من عمى جزئيٍّ في رؤيتِه لنفسِه. لقد أثبتت تجربةُ شمال وشرق سوريا أنّ المساواةَ ليست حلمًا مستحيلًا، بل واقعًا يمكنُ بناؤُه إذا توفّرت الإرادةُ والوعي، وأنّ النساءَ لسن عبئًا على القضايا الوطنية، بل هُنّ روحُها القادرةُ على تجديدِها، وأنّ أيَّ مشروعٍ ديمقراطيٍّ لا يُنصتُ لصوتِ المرأةِ، هو مشروعٌ ناقصٌ في جوهرِه. ربما آن الأوانُ لأن نُعيدَ تعريفَ الوطنيةِ من منظورٍ نسويٍّ، فالوطنُ ليس مساحةً جغرافيةً فقط، بل عقدًا أخلاقيًا يقومُ على العدالةِ والمساواةِ والكرامة. ما لم تُترجَمْ هذه القيمُ في حياةِ النساء، سيبقى الوطنُ شعارًا أكثرَ منه واقعًا. المرأةُ ليست ضيفًا في التاريخ، بل كاتبةً له، هي ليست نصفَ المجتمع كما يُقال، بل هي نبضُه، فحينما تشرقُ تُضيءُ الأرضَ بأكملِها.

لقد أثبتت المرأة، من خلال نضالها اليومي ومشاركتها في الحياة العامة، أنّها ليست تابعةً لأحد، بل صانعةُ مصيرها ومصير مجتمعها. فهي التي حملت على عاتقها مهمّةَ حفظِ الذاكرة الجماعية، وصونِ القيم الإنسانية في وجهِ الحروب والانقسامات. من رحمِ معاناتها تولدُ مشاريعُ السلام، ومن صبرها تُبنى مفاهيمُ العدالة. إنّ صوت المرأة حين يعلو، لا يعلو من أجلها فقط، بل من أجل كلّ المقهورين والمهمّشين، ومن أجل وطنٍ تتسعُ فيه الحياة للجميع. فالوطن الحقيقي لا يُقاسُ بالحدود، بل بمدى قدرة نسائه على العيشِ بحريةٍ وكرامةٍ وإبداع.