المرأةُ من قلبِ النضالِ إلى فضاءاتِ الإعلام – أفين إبراهيم

المرأةُ من قلبِ النضالِ إلى فضاءاتِ الإعلام

“المرأةُ الإعلاميّةُ في شمال وشرق سوريا

أثبتتْ أنّ التحرر ليس حدثاً واحداً،

 بل هو عمليّةٌ يوميّة من المقاومة,

 تقاومُ بالكاميرا، بالقلم، بالكلمة، وبالشّهادة

 وبذلك حوّلت الإعلام من أداةٍ لتزييف الوعي إلى وسيلةٍ لتحريرهِ

أفين إبراهيم

 

في الجغرافيا الممزّقة، حيث تُرسم الحدود بمداد الدم والآلام، تنهض أمّةٌ من بين ركام التشتت والإبادة, إنّها أمّةٌ تبحث عن روحها في ظلّ سياسات التشويه المنظّم التي مارستها القوى الاستعمارية والدول القومية الشمولية على مدى قرون.

في قلب هذا النضال الوجودي تقف المرأة، لا كضحيةٍ فحسب، بل كفاعلةٍ تاريخية، كمنتجةٍ للوعي، وكحارسةٍ للذاكرة الجماعية. إنّ الوطنية في ظلِّ فلسفة الأمّة الديمقراطية، ليست الشوفينيّة المتعصّبة، ولا هي انتماءٌ إلى دولةٍ بيروقراطية قمعيّة، إنّها في جوهرها، حبٌ للحياة، وارتباطٌ عضوي بالأرض والإنسان والتاريخ المتشارك, وهي التزامٌ بتحرير الأرض والإنسان معاً، حيث لا حرية للأرض من دون تحرر المرأة، ولا تحرر للمرأة في معزلٍ عن تحرر المجتمع بأسره.

لطالما كانت المرأة الكردية في قلب المعادلة الصعبة, معادلة البقاء, ليست مجرّد ناجية من سياسات القمع والتهميش، بل كانت دائماً حارسةً للغة، للحكايات، للأغاني، للتاريخ الشفهي الذي حاولت الأنظمة المتعاقبة طمسه. لقد حوّلت المطبخ والأرض والجبل إلى خزائن للذاكرة الجماعية، وعندما أُتيحتْ لها أدواتُ العصر، لم تتردد في تحويل هذه الذاكرة من همسٍ داخل الجدران إلى صرخةٍ مدوّية تُسمع في أرجاء العالم.

الإعلام بكلِّ أشكاله، لم يكن مجرّد مهنةٍ تمارسها المرأة الكردية، بل كان استمراراً للنضال الوجودي بأدواتٍ مختلفة. في زمنٍ كانت فيه كلمة “كردي” جريمة، أصبحت كتابة اسمها بلغتها الأم أو التحدّث عن معاناتها على منصّةٍ عالميّة فعلاً ثورياً بحدِّ ذاته. لقد حوّلت معاناتها الشخصية إلى قضية إنسانية، ورفضت أن تكون ضحية، لتصبح شاهداً وناقلاً ومقاوماً.

في خِضَمِّ الأزمة السورية، وجدت المرأة الكردية في شمال وشرق سوريا نفسها أمام اختبارٍ وجوديٍّ جديد, لم تكن الحرب مجرّد دمارٍ للمدن والبنى التحتية، بل كانت حرباً على الرواية. من هنا؛ انبثقت الحاجة الملحّة إلى إعلامٍ يروي الحكاية من الداخل، إعلام لا ينقل صور الدمار فحسب، بل ينقل صورة المقاومة، صورة المرأة التي تمسك ببندقية وتعلم الطفل في الوقت ذاته، المرأة التي تبني مؤسسات في ظل الدمار. لذا مع بداية ثورة روج آفا تحدّت المرأة كل العقبات التي كانت تواجهها في المجتمع, كسرت جميع القيود التي كانت تعيق تقدّمها، وانخرطت في المجال الإعلامي وبدأت بنقل الحقيقة.

لم تكن التقارير الإعلامية التي تنتجها الإعلاميات في شمال وشرق سوريا مجرّد تقارير إخبارية جافّة, بل كانت شهاداتٍ حيّة. كانت تقرأ الألم في عيون الأمهات، وتوثّق صمود الأطفال، وتحكي قصّة الدمار والبناء معاً، لقد قدّمن وجهاً إنسانياً للنضال، متحدياتٍ الرواية الرسمية التي حاولت تصويرهم كإرهابيين أو انفصاليين.

كان الهدفُ الأكبرُ هو بناءُ روايةٍ بديلةٍ عن المرأة الشرقية عموماً والكردية خصوصاً, رواية تخرق الصورة النمطيّة للمرأة ككائنٍ ضعيف، سلبي، أو مجرّد ضحية.  لقد قدمنَ نموذج المرأة المنظّمة، المناضلة بفكرها وسلاحها، المرأة التي تقود وتدير وتبتكر من خلال المؤسسات الإعلامية التي عملت بها، ومنصات التواصل الاجتماعي. أصبح العالم يرى نساءً بإرادةٍ فولاذيّة، يدرسنَ فلسفة المفكر عبد الله أوجلان بينما يدافعنَ عن مدينتهنَ بالسّلاح.

لم تكن المرأةُ الكرديةُ والمرأة من جميع مكونات المنطقة (العربية، السريانية، الآشورية، الأرمنية) مجرّد موضوع لإخبار الآخرين، بل أصبحت الفاعلة الرئيسية في صناعة هذه الأخبار, حملت الكاميرا بدلاً من أن تكون صورةً مأساويةً أمامها، ومسكت القلم لتروي هي حكايتها، لا أن يرويها غيرها. في مخيّمات النزوح، على خطوط الجبهة، في قاعات المؤتمرات، وفي ستوديوهات الإذاعات المحليّة، برز صوت المرأة الحازم، الواعي و الملتزم.

لقد عملت المرأة في مجال الإعلام كأداةٍ لنقل المعاناة بطريقةٍ مغايرة, لم تكن تنقل الألم لإثارة الشفقة، بل كانت تنقله لتوضيح السبب. كلُّ قصةٍ ملهمة لامرأة, قصة عن نازحة، كلُّ تقريرٍ عن قريةٍ دمّرها الإرهاب، كل صورةٍ لطفلٍ فقد أهله، كانت تحمل بين طياتها رسالةً تقول :هذه هي نتيجةُ سياسات الإبادة والإنكار. لقد حوّلت المرأة الإعلام من ناقلٍ سلبيٍّ للحدث إلى مُحلّلٍ سياسي واجتماعي، يربط بين المأساة الفردية والمخطط التاريخي الكبير.

لعبتْ الإعلاميات دوراً محورياً في التوعية داخل مجتمعهن من خلال البرامج الحوارية، المقالات، والتقارير الميدانية التي تناولت قضايا جوهرية تتعلق بالحرية والعدالة والمشاركة المجتمعية. شرحن مفاهيم الأمة الديمقراطية، وفلسفة تحرر المرأة بأسلوبٍ مبسّط يلامس وعي الناس ويعزز فهمهم لأهمية المساواة والمشاركة في صنع القرار. كنّ جسراً بين القيادة السياسية والعسكرية وبين المجتمع، مما ساهم في تعبئة الطاقات وتنظيم المبادرات المجتمعية. كما ساهمنَ في تسليط الضوء على نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية الذي أصبح ظاهرةً فريدةً في المنطقة، وأثبتنَ أنّ الإعلام الواعي يمكن أن يكون قوةً بنّاءةً في خدمة التحوّل الديمقراطي.

لعلَّ أهمَّ ما يُميّز تجربة الإعلاميات في شمال وشرق سوريا هو رفضهنَّ لدور الضحية التي تنتظر من يروي قصتها.  لقد أدركنَ أنّ من يملك وسيلة الإنتاج الإعلامي هو من يملك الحقَّ في صياغة الرواية وتحديد ملامح الحقيقة. من هنا؛ جاء إنشاء المؤسسات الإعلامية النسوية التي تدار بأيدي النساء، وتستند إلى رؤيتهنَّ الفلسفية والسياسية للحياة والمجتمع.

لم يقتصر دور المرأة الإعلامية على الحدود المحلية, ففي معركة الرأي العام العالمي، وقفنَ في الصفوف الأماميّة,  استطعنَ ببراعةٍ تحويل القضية الكردية من قضيةٍ “مشكلة عرقيّة” داخلية، إلى قضية إنسانية عالمية، وخصوصاً عندما أصبحنَ خط الدفاع الأول ضدَّ مرتزقة داعش الإرهابيين. كانت الإعلاميات الكرديات هنَّ المصدر الأول للعديد من وسائل الإعلام الدولية خلال المعارك في كوباني والرقة وغيرها، ذلك عبر شهادتهنَّ المباشرة المصحوبة بصورٍ وفيديوهات من قلب المعركة، كنّ يخاطرن بحياتهن لنقل الحقيقة، حيث قدّمنَ منظراً فريداً للصراع.

لم يكن الحديث فقط عن المعارك والخسائر، بل عن المعنى الأعمق للثورة في شمال وشرق سوريا، باعتبارها مشروعاً تحررياً أعاد صياغة مفهوم الحرية والمساواة من منظور المرأة. تحدّثنَ عن تأسيس وحدات حماية المرأة (YPJ) التي شكّلت رمزاً للمقاومة النسائية ضدَّ الذهنية الذكورية وضدَّ قوى الإرهاب، كما تحدّثنَ عن أكاديميات المرأة التي تسعى إلى بناء وعيٍ فكري واجتماعي جديد، يُرسخ قيم المساواة والعدالة بين الجنسين، عن قوانين المساواة المطبّقة في شمال وشرق سوريا. بذلك، لم تعد قضية المرأة الكردية محلية أو محصورة بجغرافيةٍ محددة، بل تحوّلت إلى قضيةٍ نسويةٍ عالمية ألهمت حركات نساء في مناطق أخرى من العالم للنضال من أجل الحرية والعدالة.

في هذه المسيرة واجهت الإعلاميات تحدّياتٍ جسام. كان الخطر المباشر والأكبر هو استهداف الصحفيات عمداً في الغارات الجوية التركية والهجمات البرية، كـ استهداف سيارة فضائيةJIN TV  الذي كان رسالةً واضحةً مفادها أنّ “الصامتات فقط هنَّ الآمنات”. التهديد بالخطف والقتل من قبل مرتزقة داعش الإرهابي ومرتزقة الفصائل المسلّحة المدعومة من تركيا كان سيفاً مسلّطاً على رقبة كلِّ امرأة ترفع صوتها، لكنهنَّ أبينَ الاستسلام وواصلن النضال بكلِّ ما أوتينَ من قوة.

إدراكاً لأهمية الاستمرارية، أولتْ الإعلاميّات الرائدات أهميةً قصوى لتدريب الجيل القادم, حيث تمَّ إنشاء أكاديمية الإعلام الخاصّة بالمرأة، حيث تنتقل الخبرة من الصحفيات إلى الشابات المنخرطات حديثاً في المجال الإعلامي, في هذه الأكاديميات، لا يتمّ تعليم فنون التصوير والمونتاج والتحرير الصحفي فحسب، بل تتمُّ دراسة فلسفة تحرر المرأة، وتاريخ كردستان، وأدب المقاومة, فالهدف هو تخريج إعلامية مفكّرة لا مجرّد ناقلة للأخبار.

هؤلاء الإعلاميات الشابات يتعلمن أنّ عدسة الكاميرا يجب أن تكون دائماً إلى جانب المضطَهَد، وأنّ القلم يجب أن يكون في خدمة الحقيقة والحرية, يتعلمن أنّ دورهن ليس نقل الحدث فقط، بل تفسيره من خلال العدسة الأيديولوجية للحركة النسوية التحررية. هكذا؛ تضمن استمرار خطابها الإعلامي وتطويره، وعدم انقطاعه باستشهاد أو غياب أيٍّ من رموزه.

لكلِّ نهضةٍ ثمن، وثمنُ الكلمة الحرّة في زمن العبودية والإبادة هو أغلى ثمن. لم يكن طريق الإعلامية في هذه الجغرافيا الملتهبة مفروشاً بالورود، بل كان مفروشاً بالشوك والرصاص. العديد من الرائدات دفعنَ أرواحهن ثمناً لإيصال الحقيقة، ليصبحن جزءاً من التاريخ الذي سعينَ لتسجيله ابتداءً من الشهيدة غوربتلي أرسوز وصولاً إلى دليشان إيبش, كليستان تارا و حتى جيهان بيلكين.

هؤلاء الشهيدات، وغيرهن الكثيرات ممن استشهدن في ميادين الإعلام المختلفة، لم يكنَّ مجرَّد أسماءٍ في قوائم الشهداء, بل كنّ رموزاً حيّة لفكرة أنّ تحرر المرأة هو شرط تحرر المجتمع, لقد أوصلن بنضال الحركة النسوية في بلادهن إلى العالم ليس فقط من خلال ما كتبنَ وسجلنَ، بل ومن خلال الطريقة التي عشنَ واستشهدنَ بها, لقد جعلن من حياتهن رسالةً، ومن استشهادهن بياناً يقول بأنّ المرأة التي ترفع صوتها ضدَّ الظلم هي الأكثر خطورة في عيون الجلاد، وهي الأكثر قدسيّة في قلوب شعبها.

الكلمة التي رويت بدم الشهيدات، أصبحت بذرةً لشجرة حريةٍ لا يمكن اقتلاعها, وشجرة الحرية كما نعلم لا تنمو إلا إذا سقيت بالدم وبالدموع وبالحبر. المرأة في شمال وشرق سوريا تمسك اليوم بكل هذه السوائل، لتروي شجرة وطنها، حتى تظلل بالأمان والمساواة والحرية كل أبناء وبنات هذه الأرض بكل ألوانهم وأصواتهم. هذه هي الوطنية في أعلى تجلياتها، أن نخلق من رحم الموت حياةً لا تموت.

لقد تحوّلت سيرتهنَّ إلى مصدر إلهامٍ لأجيال من الإعلاميات الشابات اللواتي التقطن الكاميرا والقلم من أيديهن المضرّجة بالدماء، للاستمرار على نفس الطريق، طريق إسماع صوت الحق، صوت الحياة، صوت المرأة التي ترفض أن تكون ضحيةً، وتصرّ على أن تكون صانعةً لمصيرها ومصير وطنها. المرأة الإعلامية في شمال وشرق سوريا أثبتت أنّ التحرر ليس حدثاً واحداً، بل هو عملية يومية من المقاومة, تقاوم بالكاميرا، بالقلم، بالكلمة، وبالشهادة, لقد حوّلت الإعلام من أداةٍ لتزييف الوعي إلى وسيلةٍ لتحريره.

إنّ النموذج الذي تقدّمه هؤلاء النساء هو إرثٌ إنساني للعالم أجمع, لأنّه يثبت أنّ الإعلام يمكن أن يكون ثورةً بحدِّ ذاته. إنّه يخبرنا أنّ تحرر المرأة ليس ترفاً، بل هو شرطٌ أساسي لتحرر المجتمع بأكمله، وأنّ الإعلام حين يُمسك بزمامه أصحاب القضايا العادلة، يتحول إلى قوةٍ قادرةٍ على تغيير العقول، وصناعة الوعي، وبناء مستقبلٍ أكثر عدلاً وإنسانية.

أخيراً؛ الوطنية الحقيقية ليست مجرّد شعاراتٍ تُرفع، بل هي فعلُ مقاومةٍ يومي, والمرأة الكردية، بإعلامياتها ومقاتلاتها، أعادت تعريف الوطنية بأنّها حبٌ يتجسّد في الدفاع عن الأرض، والهوية، وكرامة المرأة، وبالقدرة على سرد هذه الحكاية للعالم بكلِّ فخرٍ واقتدار. فلتكنْ كلماتهنَّ دليلاً للأجيال القادمة، إنّ الحرية لا توهب، بل تُنتزع بالنضال والفكر والكلمة الصادقة.