الدّستور العادل يبدأ بمشاركة المرأة الفاعلة – هيئة النشر
الدّستور العادل يبدأ بمشاركة المرأة الفاعلة
هيئة النشر
الدّستور ليس مجرّد نصوصٍ قانونيّة جامدة، بل هو عقدٌ اجتماعي يُكتب بإرادة الناس ليحمي كرامتهم ويصون حرّياتهم. هو الإطار الذي يُحدد شكل الحياة، ويضع الحدود بين السّلطة والحقوق، ويؤكّد أنّ الإنسان هو القيمة الأعلى التي يجب أن تصان.
تُشكّل قضيّة تمثيل المرأة داخل مؤسسات الدّولة ومواقع صنع القرار أحد أبرز مؤشّرات العدالة والمساواة في أيِّ نظامٍ سياسي يسعى إلى بناء دولةٍ متوازنة. إلا أنّ الواقع الحالي في الحالة السّورية يُظهر تراجعًا واضحًا في حضور المرأة ضمن الهياكل الرسمية، حيث يقتصر تمثيلها على نسب محدودة لا تعكس حجم دورها الفعلي في المجتمع وإسهاماتها المتعددة.
فالمرأة السّورية لم تكن غائبةً عن المسارات الدّستورية في البلاد، لكنّها غالبًا كانت حاضرةً بتمثيلٍ لا يرتقي إلى حجم دورها الحقيقي في المجتمع. فقد شاركت عبر مراحل مختلفة في الحياة السياسية والنيابية، وأسهمت في النقاشات العامة حول القوانين والتشريعات، إلا أنّ حضورها في صياغة الدساتير ظلَّ محدودًا ومحكومًا بهوامش ضيّقة من التأثير.
إنّ تعزيز تمثيل المرأة لا يعني فقط زيادة عددها في المؤسسات، بل يعني أيضًا تمكينها من الوصول إلى مواقع التأثير الحقيقي، وضمان مشاركتها الفاعلة في صياغة السياسات واتخاذ القرارات. الدولة التي تسعى إلى بناء نظام دستوري متوازن لا يمكنها أن تتجاهل نصف مجتمعها، بل يجب أن تكرّس شراكةً حقيقيةً تقوم على الكفاءة والمساواة، بعيدًا عن التمثيل الرمزي أو الشّكلي.
اليوم؛ ونحن نفتح صفحات العدد السابع عشر لمجلتنا، لا نكتفي بقراءة الدّستور بوصفه وثيقةً سياسيّةً، بل نقترب منه كمساحة نقاشٍ مفتوح، واختبارٍ حقيقي لمدى قدرة المرحلة القادمة على ترسيخ دولة الحقوق، وصون كرامة الإنسان، وضمان مشاركة المرأة بشكلٍ فاعل. كما أنَّ قراءة الدّستور من منظورٍ قانوني بحت تفرض التركيز على مدى توافر عناصر الشّرعيّة الدّستورية، وآليات الرّقابة على السّلطات، وضمان سمو الدستور على ما دونه من تشريعات، باعتبارها الركائز التي تقوم عليها دولة القانون والمؤسسات.
إنّ ما تطرحه كاتباتنا بأقلامهن الحرّة والجّريئة ليس مجرّد قراءةٍ قانونيّة أو سياسيّة، بل دعوة لإعادة التفكير في معنى العدالة الدستورية ذاتها، وفي قدرة النّصوص على تحويل المساواة من شعارٍ إلى ممارسة، ومن مبدأ إلى واقعٍ ملموس داخل المؤسسات المجتمعية والدّولة.
نؤمن أنّ مستقبلًا أكثر عدلًا يبدأ من نصٍ يُكتب بوعي وبمشاركة حقيقية وشاملة لكلِّ مكونات المجتمع، وبإيمانٍ عميقٍ بأنَّ الحقوق لا تُمنح بل تُصان وتُحمى بالدستور وبإرادة الناس. يبقى السّؤال، هل يحمل الدّستور الجديد ملامح سوريا التي ينتظرها السوريون والسوريات منذ سنواتٍ طويلة؟ سوريا تقوم على العدالة والمساواة والشّراكة الحقيقية دون تمييز بين مكوناتها وما بين نسائها ورجالها، أم أنّه سيبقى مجرّد نصٍّ جديد يُضاف إلى سلسلةٍ من المحاولات دون أن ينجح في إحداث التّحوّل المطلوب في بنية الدّولة والمجتمع السّوري؟
