المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسي مجتمعٌ ديمقراطي – المفكر عبد الله أوجلان
المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسي مجتمعٌ ديمقراطي

“المجتمعُ المتحلي بالبُعدِ الأخلاقيِّ والسياسي،
هو الأقرب إلى إجماليِّ نشوئِه وتَطَوُّرِه المتكامل،
حيث يُمكِن للمجتمعِ أنْ يتواجَدَ دون وجودِ الدولةِ
والطبقةِ والاستغلال والمدينة والسلطة والقومية”
المفكر عبد الله أوجلان
بالمستطاع تعريفَ مدرسةِ علمِ الاجتماع الذي يَفتَرِضُ البحثَ والتَّحَرّيَ في حالةِ نشوءِ الطبيعةِ الاجتماعية وتَطَوُّرِها تأسيساً على المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، بأنها نظامُ الحضارةِ الديمقراطية. لمدارسِ علمِ الاجتماعِ المختلفةِ مُكَوِّناتُها وعناصرُها المتباينةُ في حقلِ البحث. فالثيولوجيا والدين يَتَّخِذان من المجتمع أساساً. بينما تتأسسُ الاشتراكيةُ العلميةُ على الطبقة. والفردُ هو المُكَوِّنُ الأساسيُّ في الليبرالية. ومثلما هناك المواقفُ المعتمِدةُ أساساً على الدولةِ والسلطة، فالمواقفُ التي تَتَّخِذُ المدنياتِ أساساً ليست بالقليلة. وكما نَوَّهتُ مِراراً، فكلُّ هذه المواقفِ المستندةِ إلى عنصرٍ ما، تَعَرَّضَت للانتقاداتِ كثيراً، بسببِ عدمِ كونها مواقفَ تاريخيةً أو كُلِّيَّاتِيّة. فأيُّ بحثٍ ذي معنى أو قيمة، عليه التركيز على النقاطِ الحياتيةِ بالنسبة للمجتمع. وعلى التاريخِ والحاضرِ أنْ يَجِدا معانيهما في تلك النقاطِ أساساً. وفي حالِ العكس، فالبحوثُ لن تذهبَ أبعدَ مِن كونها قصصاً، لا غير.
إنّ تحديدَنا لعنصرِنا الأساسيِّ بأنه المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسي، إنما يتسمُ بالأهمية، مِن حيث اشتمالِه على الأبعادِ التاريخيةِ والكُلِّيِّاتِيّة. فالمجتمع الأخلاقيُّ والسياسيُّ هو سردُ المجتمعِ الأكثر تاريخيةً وتكامُلاً. بل وبالمقدورِ قراءةَ الأخلاقِ والسياسةِ بِحَدِّ ذاتَيهما كتاريخ. المجتمعُ المتحلي بالبُعدِ الأخلاقيِّ والسياسي، هو الأقرب إلى إجماليِّ نشوئِه وتَطَوُّرِه المتكامل. حيث يُمكِن للمجتمعِ أنْ يتواجَدَ دون وجودِ الدولةِ والطبقةِ والاستغلال والمدينة والسلطة والقومية. ولكن، لا يُمكِن التفكير في مجتمعٍ خالٍ من الأخلاقِ والسياسة. قد يتواجدُ حينها كمستعمَرة أو كمنبعٍ للموادِّ الخامِ بالنسبة لقوى أخرى، وبالأخص لاحتكاراتِ رأسِ المال والدولة. وفي هذه الحالة، فموضوعُ الحديث هو إرثُ أو بقايا مجتمعٍ خارِجٍ من كينونته.
لا معنى لإلصاقِ ألقابِ أو صفاتِ العبودية أو الإقطاعية أو الرأسماليةِ أو الاشتراكية بالمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، الذي يُعَدُّ حالةً طبيعيةً للمجتمع. أو بالأحرى، فتعريفُ المجتمعاتِ بتلك الأوصاف، سيؤولُ في معناه إلى إسدالِ الستار على واقعِ المجتمع، واختزالِه إلى مجردِ عناصر (الطبقة، الاقتصاد، والاحتكار). وما الانسدادُ الذي نَتَلَمَّسُه في سرودِ الحلِّ المتأسسةِ على هذه المصطلحاتِ ضمن إطارِ نظريةِ التطورِ الاجتماعي وممارستِه، سوى بسببِ النواقصِ والأخطاءِ التي تحتويها في مضامينها. وبَعدَما آلَت كلُّ تحليلاتِ المجتمعِ المذكورةِ بهذه الصفات، والقريبةِ من الماديةِ التاريخية، إلى هذا الوضع؛ فمن الواضحِ أنّ السرودَ ذاتَ القيمةِ العلميةِ الأكثر هشاشةً ستغدو أكثر انسداداً وعُقماً. بينما السرودُ ذات الأبعادِ الدينية، ورغمَ شرحِها المستفيضِ والمكثفِ لأهميةِ الأخلاق؛ إلا أنها أحالَت البُعدَ السياسيَّ إلى الدولةِ منذ زمنٍ بعيد. أما المواقفُ البورجوازيةُ الليبرالية، فلا تقتصرُ على حجبِ المجتمعِ ذي الأبعادِ الأخلاقيةِ والسياسية، بل ولا تتوانى في الوقتِ نفسه عن شنِّ الحربِ ضده في كلِّ نقطةٍ منه كلما سَنَحَت لها الفرصة. فالفرديةُ حالةُ حربٍ معلَنةٍ تجاه المجتمع بما يُماثِل حالةَ الدولةِ والسلطةِ تجاهه بأقلِّ تقدير. والليبراليةُ في معناها أساساً إضعافٌ لقوةِ المجتمع (تصييره مجتمعاً لاأخلاقياً ولاسياسياً)، كي يَكُونَ عُرضَةً لشتى هجماتِ الفردية. أي أنّ الليبراليةَ أيديولوجيةٌ وممارسةٌ هي الأكثر عِداءً للمجتمعية.
مصطلحَا المجتمعِ ونظامِ المدنيةِ إشكاليَّان جداً في السوسيولوجيا الغربية (ليس هناك بعد ما يُسمى بالسوسيولوجيا الشرقية). علينا ألا نتناسى أنّ السوسيولوجيا كانت نَبَعَت مِن الحاجةِ إلى حلِّ قضايا الأزمةِ والتناقض والصراعِ والحربِ المتفاقمة، التي أَسفَرَت عنها احتكاراتُ رأسِ المالِ والسلطة. حيث كانتُ الأطروحاتُ تُصاغُ واحدةً تِلوَ الأخرى ومِن كافةِ الاتجاهات في سبيلِ إنقاذِ النظامِ وجَعلِه قابلاً للعيش. لقد بَرَزَت التفاسيرُ ذات الرؤيةِ العلمية (الوضعية) بشأنِ قضايا المجتمع، لدى تعاظُمِ القضايا المجتمعيةِ طرداً مع مرورِ الوقت، بالرغمِ مِن كلِّ التفسيراتِ المذهبيةِ والثيولوجية والإصلاحيةِ لتعاليمِ المسيحية. وما ثورةُ الفلسفةِ ومرحلةُ التنوير (خلال القرنَين السابع عشر والثامن عشر) في أساسهما سوى ثمرةٌ لهذه الحاجة. كما أنّ ازديادَ القضايا تعقيداً عوضاً عن حَلِّها المرتَقَب مع الثورةِ الفرنسية، قد كَثَّفَ مِن ميولِ تطويرِ السوسيولوجيا كحقلٍ علميٍّ قائمٍ بذاته. الاشتراكيون الطوباويون سان سيمون، فوريير، برودهون، أوغست كومت ودوركايم يُمَثِّلون المراحلَ التمهيديةَ في هذه الاستقامة. فجميعُهم أولادُ حركةِ التنوير، ويُؤْمِنون بالعلمِ بلا حدود. كما كانوا يُؤْمِنون بإمكانيةِ إعادةِ خلقِ المجتمعِ كما يشاءون بالعلم. لقد التَحَفوا دورَ الرب، وراهنوا عليه. فمهما يَكُن، فالربُّ كان قد هَبَطَ على وجهِ الأرض، حسب تعبيرِ هيغل. بل وهَبَطَ كدولةٍ قومية. وما ينبغي عمله كان صياغةَ مشاريعِ ومخططاتِ “هندسةِ المجتمع” الدقيقة. ذلك أنه لَم يَكُ ثمة مشروعٌ أو مخططٌ مستحيلُ التنفيذِ على أرضِ الواقع عن طريقِ الدولةِ القومية. يكفيه أنْ يَكُون ” علمياً وضعياً”، وأنْ تَقبَلَه الدولةُ القومية!
بينما كان علماءُ الاجتماعِ الإنكليز (أخصائيو الاقتصاد السياسي) يساهمون في السوسيولوجيا الفرنسيةِ عن طريقِ الحلِّ الاقتصادي، كان الأيديولوجيون الألمان يُقَدِّمون مساهماتِهم عبر الطريقِ الفلسفي. ويأتي آدم سميث وهيغل في الصدارة بمساهماتِهما. كانت الوصفاتُ المبتَدعَةُ متنوعةً للغاية، سواءً مِن اليمين أو اليسار، في سبيلِ حلِّ القضايا النابعةِ مِن استغلالِ الرأسماليةِ الصناعية للمجتمع بأبعادٍ مُهَوِّلة خلال القرنِ التاسع عشر. بينما الليبرالية، الأيديولوجيةُ المحوريةُ للاحتكارِ الرأسمالي، كانت أكثر عمليةً مِن مثيلاتها في الاستفادةِ مِن كلِّ الأفكارِ بتوفيقيةٍ تامةٍ في خلقِ النظمِ المتمفصلةِ كما الصُّرَّةُ المُرَقَّعة. أما السوسيولوجياتُ البيانيةُ الشكلية، اليمينيةُ منها واليسارية، وبينما كانت تَصُوغُ مشاريعَها بشأنِ الماضي (بحثُ اليمين عن العصر الذهبي) أو المستقبل (المجتمع الطوباوي)، فكأنها كانت جاهلةً بالطبيعةِ الاجتماعيةِ والتاريخِ والحاضر. وكانت لا تَنفَكُّ تتمزقُ إرباً إرباً لدى مواجهةِ التاريخِ أو الحياةِ الراهنة. أما الحقيقةُ التي كانت جميعُها أسيرةً لها، فهي “القفص الحديدي”، الذي نَسَجَته الحداثةُ الرأسماليةُ بِخُطىً مُتَمَهِّلة، بحيث أَقحَمَت جميعَها فيه، ذهنياً أم بنمطِ الحياةِ العملية. في حين أنّ الفيلسوف نيتشه كان على مسافةٍ أدنى إلى الحقيقةِ الاجتماعية، عندما نَعَتهم جميعاً بـ”ميتافيزيقيي الوضعية” و”أقزامِ الحداثويةِ الرأسمالية المَخصيّين”. لقد كان يتصدرُ لائحةَ الفلاسفةِ النادرين الأوائل الذين لَفَتوا الأنظارَ إلى مخاطرِ ابتلاعِ المجتمعِ بالحداثويةِ الرأسمالية. ورغمَ اتهامه بخدمةِ الفاشية بأفكاره، إلا أنّ تفسيراتِه التي تُنَبِّئُ بِقُدُومِ الفاشيةِ والحروبِ العالمية، كانت ملفتةً للأنباه.
كانت الأزماتُ الكبرى المتفاقمةُ والحروبُ العالميةُ كافيةً لإفلاسِ السوسيولوجيا الوضعيةِ والمحورِ الليبراليِّ بجناحَيه اليميني واليساري. وهندسةُ المجتمعِ بذاتها، أَبرَزَت هويتَها الحقيقيةَ بالفاشيةِ التوتاليتاريةِ والسلطويةِ التي طالما كانت عُرضةً لانتقاداتها بِكَونها الميتافيزيقيا الأكثر سقماً. ومدرسةُ فرانكفورت بمثابةِ وثيقةٍ رسميةٍ لهذا الإفلاس. كما أفسَحَت مدرسةُ آنيلس وتَمَرُّدُ الشبيبة عام 1968 المجالَ أمامَ عددٍ جمٍّ من المواقفِ السوسيولوجيةِ المابَعدَ حداثوية، وعلى رأسها مفهومُ إيمانويل والرشتاين حولَ النظامِ الرأسماليِّ العالمي. مما جَلَبَ معه عهداً مِن علومِ الاجتماعِ المتشتتةِ إلى أقسامٍ كثيرةٍ كالأيكولوجيا، الفامينية، النسبية، اليسارية الجديدة والنظام العالمي. لا ريب أنّ تَحَلّي الرأسمالِ الماليِّ بالطابعِ المهيمنِ بَعدَ السبعيناتِ قد لَعِبَ دوراً هاماً في ذلك. الجانبُ الإيجابيُّ لذلك كان يتجسدُ في تَقَوُّضِ هيمنةِ الفكرِ الأوروبيِّ المركز. أما جانبُه السلبي، فكان متمثلاً في مخاطرِ تَكَوُّنِ علمِ اجتماعٍ مُقَسَّمٍ إلى فروعٍ كثيرة.
وإذا ما أوجَزنا الانتقاداتِ الموجَّهةَ إلى السوسيولوجيا الأوروبيةِ المركز:
أ- عَجِزَت الانتقاداتُ والأحكامُ الوضعيةُ المتعلقةُ بالدينِ والميتافيزيقيا عن التقدم إلى أبعد مِن التحولِ إلى ضربٍ من ضُروبِهما. ينبغي عدمَ الاستغراب مِن ذلك. فثقافةُ الإنسانِ بِحَدِّ ذاتها يَجبُ أنْ تَكُونَ ميتافيزيقيةً بالضرورة. المهمُّ هو التمييزُ بين الميتافيزيقيا الحسنة والسيئة.
ب- إنّ عرضَ المجتمعِ على شكلِ ثنائياتِ البدائي – العصري، الرأسمالي – الاشتراكي، الصناعي – الزراعي، التقدمي – الرجعي، الطبقي – اللاطبقي، والدولتي – اللادولتي؛ إنما يَنزَعُ إلى زيادةِ حجبِ تعريفِ الطبيعةِ الاجتماعيةِ الأقرب إلى الحقيقة. فهكذا ثنائياتٌ تُزيد البُعدَ عن الحقيقةِ الاجتماعية.
ج- إعادةُ خلقِ المجتمع لا تعني سوى الألوهيةَ العصرية. أو بالأصح، وراءَ كلِّ حملةٍ مِن إعادةِ الخَلقِ يَكمُنُ نزوعٌ إلى اختلاقِ احتكارٍ جديدٍ مِن رأسِ المالِ والسلطة – الدولة. فكيفما أنّ ألوهيةَ العصورِ الوسطى على علاقةٍ أيديولوجيةٍ وثيقةٍ بالمونارشيات المطلقة (الباشوية، الشاهنشاهية، والسلطنة)، كذلك فهندسةُ المجتمعِ العصريةُ – كَونَها إعادةُ خلق – تعني أساساً الميولَ الإلهيةَ للدولةِ القوميةِ وأيديولوجيتِها. بهذا المعنى، فالوضعيةُ Pozitivizm ألوهيةٌ عصرية.
د- لا يُمكن تفسيرَ الثوراتِ كعملياتِ إعادةِ خلقِ المجتمع. وفي حالِ العكس، فهي لا تتخلصُ مِن كونها ألوهيةً وضعية. بل بالمقدورِ تعريفَها بالثورةِ الاجتماعيةِ تماشياً مع مدى تطهيرِها للمجتمعِ مِن عبءِ رأسِ المالِ والسلطة المفرطة.
هـ- لا يُمكن تحديد مَهَمَّةِ الثوريين بخلقِ أيِّ نموذجٍ للمجتمع الذي رَسَموا مشروعَه. ولا يستحقون تعريفَ مَهَمَّةٍ سليمة، إلا تناسباً مع مساهمتِهم في تطويرِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي.
و- مستحيلٌ المطابقةَ بين الأساليبِ والبراديغماتِ التي ستُطَبَّقُ على الطبيعةِ الاجتماعية مع تلك المعنيةِ بالطبيعةِ الأولى. فبينما يؤدي الموقفُ الكونيُّ المطلق بشأنِ الطبيعةِ الأولى إلى نتائجَ أقرب للحقيقة (لكني لا أستطيعُ تَصَوُّرَ شيءٍ يُسمى بالحقيقة المطلقة)، فالموقفُ النسبيُّ بشأنِ الطبيعةِ الاجتماعيةِ يَكُونُ على مسافةٍ أدنى إلى الحقيقة. ذلك أنّه لا يُمكن إيضاحَ الكونِ بالسردِ الكونيِّ المستقيمِ المسارِ إلى ما لانهاية، ولا بالمداراتِ الدائريةِ المتشابهةِ اللانهائية.
ز- يقتضي نَسَقُ الحقيقةِ الاجتماعيةِ إعادةَ الترتيبِ والتنسيقِ تأسيساً على الانتقاداتِ التي ستُطَوَّرُ طردياً. لا شكّ أني لا أتحدثُ عن خلقٍ إلهيٍّ جديد. لكني مُؤمنٌ أيضاً بأنّ المزيةَ الأكفأَ للعقلِ البشريِّ تتجسدُ في قدرته على البحثِ عن الحقيقة وإنشائها.
على ضوءِ هذه الانتقاداتِ أَسردُ الاقتراحاتِ التاليةَ فيما يتعلقُ بمنهجيةِ علمِ الاجتماعِ الذي سعيتُ لتعريفه:
- إنّ إضفاءَ المعاني على الطبيعةِ الاجتماعيةِ كأكثر أشكالِ الموجوداتِ الكونيةِ الأساسيةِ مرونةً عبر التبايناتِ والتنوعاتِ الغنيةِ المشروطةِ بالفترةِ الزمانيةِ والمكان، سيؤي إلى أطروحاتٍ أدنى إلى الحقيقة؛ عوضاً عن عَرضِها كحقيقةٍ كونيةٍ مطلقةٍ وفظةٍ من خلالِ أرديةِ وأنسجةِ المعاني الميثولوجيةِ والدينية والميتافيزيقيةِ والعلمية (الوضعية). وأيُّ تفسيرٍ أو علمِ اجتماعٍ أو حملةِ تغييرٍ عمليٍّ تُطرَحُ دونَ التَّعَرُّفِ جيداً على ماهياتِ الطبيعةِ الاجتماعية، قد يؤدي إلى ارتداداتٍ عكسية. وإذا كانت السرودُ المُصاغةُ على مرِّ تاريخِ المدنية، بدءاً من المواقفِ الألوهيةِ إلى المواقفِ الوضعية، قد عَجِزَت عن عرقلةِ احتكاراتِ رأسِ المالِ والسلطة مِن بلوغِ ذروتها؛ فإن إطراءَ التفسيرِ الأكثر إنسانيةً على نفسِها عبر نقدٍ ذاتيٍّ جذري، يُعتَبَرُ مِن مَهامِّها الحيويةِ التي لا ملاذَ منها على صعيدِ خدمةِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي.
- b) المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسيُّ هو العنصرُ الأمُّ الذي يَمنحُ الطبيعةَ الاجتماعيةَ معناها التاريخيَّ والكلياتيَّ من جهة، ويُمَثِّلُ وحدتَها ضمن إطارِ التباينِ والاختلاف كخاصيةٍ وجوديةٍ أساسيةٍ لها مِن جهةٍ ثانية. أي أنّ تعريفَ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ يؤدي دورَ العنصرِ المُعَيِّنِ الذي يَمنحُ الطابعَ والأوصافَ الخاصةَ بالطبيعةِ الاجتماعية، ويُحَقِّقُ سيرورةَ وحدتِها ضمن إطارِ التباين، ويُعَبِّر عن تاريخيتِها وتكامُلِها الرئيسي. أما الصفاتُ المستَخدَمةُ كثيراً بشأنِ المجتمع، مِن قَبيل: البدائي، العصري، الإقطاعي، العبودي، الرأسمالي، الاشتراكي، الصناعي، الزراعي، التجاري، المالي، الدولتي، القومي، والمهيمن وغيرها؛ فأيٌّ منها لا يُعَبِّرُ عن الماهيةِ المُعَيِّنةِ للطبيعةِ الاجتماعية. بل وبالعكس، فهي تَحجبها، وتُوَلِّدُ نتيجةً متجزئةً مِن المعنى؛ وهذا بدورِه ما يُكَوِّنُ جوهرَ المواقفِ النظريةِ والتطبيقاتِ العملية الخاطئةِ بشأنِ المجتمع.
- c) تعابيرٌ مثل: تحديث المجتمع وإعادة خلقه، هي عملياتٌ هادفةٌ إلى تكوينِ احتكاراتِ رأسِ المال والسلطةِ الجديدة، إلى جانبِ مضامينها الأيديولوجية. فتاريخُ المدنيةِ هو تاريخُ التَكَدُّسِ التراكميِّ لرأسِ المالِ والسلطة، بوصفه تاريخَ تلك التحديثات. من هنا، وبدلاً من الخَلقِ الإلهيِّ بشأنِ المجتمع، ينبغي أنْ تتجسدَ الممارسةُ الأساسيةُ اللازمة في الكفاحِ ضد العناصرِ المُعيقةِ لتَطَوُّرِ النسيجِ الأخلاقيِّ والسياسي للمجتمع، والمُعرقِلة لتأديةِ وظائفه. ذلك أنّ المجتمعَ الذي يُفَعِّلُ أبعادَه الأخلاقيةَ والسياسيةَ بِحُرّية، هو المجتمعُ الذي سيستمرُّ في تَقَدُّمِه بأكملِ وجه.
- d) لا يُمكِن للثوراتِ إلا أنْ تَكُونَ أشكالَ الممارساتِ الاجتماعيةِ التي يتمُّ اللجوءُ إليها في الوقتِ الذي يُعَرقَلُ فيه بنحوٍ صارمٍ استمرارُ المجتمعِ في أداءِ وظيفتِه الأخلاقيةِ والسياسيةِ بِحُرِّيَّة. فالثوراتُ ليست مِن أجلِ خلقِ مجتمعاتٍ أو أممٍ أو دولٍ جديدة، بل يتمُّ تطويرُها في سبيلِ البلوغِ بالمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ إلى أداءِ وظيفتِه بِحُرّية. حينها فقط يُمكِن للمجتمع، بل ينبغي عليه أنْ يَقبَلَ شرعيتَها.
- e) على البطولةِ الثوريةِ أنْ تَجِدَ معناها في المساهماتِ التي تُقَدِّمها للمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. وكلُّ ممارسةٍ لا تَحمِلُ هذا المعنى، يستحيلُ تعريفَها ببطولةِ المجتمعِ الثوري، أياً كانت، ومهما اتسعَ نطاقُها وفترتُها الزمانية. ذلك أنّ المشاركةَ في تَطَوُّرِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، هي التي تُحَدِّدُ دورَ الأفرادِ في المجتمع إيجابياً.
- f) علمُ الاجتماعِ الواجب تطويرَه بجعلِ هذه الخصائصِ الرئيسيةِ موضوعَ بحثٍ وتدقيقٍ عميقَين، لا يمكنه اتخاذَ التقدمِ على خطٍّ مستقيمٍ كونيّ، ولا اتخاذَ النسبيةِ الانفراديةِ الدائريةِ إلى ما لانهاية أساساً له. ففي نهاية المطاف، ينبغي تطويرَ علمِ اجتماعٍ يُعَبِّرُ عن التناغمِ بين الذكاءَين التحليليِّ والعاطفي، ويتجاوزُ قوالبَ الذاتانيةِ المثالية والموضوعانيةِ الشيئانية الصارمة، ويَتَّخِذُ مِن الأسلوبِ الجدليِّ غيرِ المُفني أساساً؛ عِوَضاً عن هذه المواقفِ القالبيةِ الدوغمائيةِ التي تَخدمُ شَرعَنَةَ التكدسَ التراكميَّ لرأسِ المالِ والسلطة في مِحَكِّ تاريخِ المدنية.
أما نظامُ الحضارةِ الديمقراطية، الذي يُمكِننا رسمَ إطارِه ضمن هكذا فرضياتٍ على الصعيدَين البراديغمائي والأمبريقي (النظري والعملي)، فإذا ما عَرَضنا مرةً أخرى الخصائصَ المعنيةَ بِمُكَوِّنِه Birim الأساسيّ على شكلِ بنودٍ أولية:
1- المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسي هو الخاصيةُ الرئيسيةُ الواجب البحثَ عنها باستمرار منذ بدء نشوءِ المجتمعِ البشريِّ إلى حين زواله. فالمجتمعُ أساساً أخلاقيٌّ وسياسيّ.
2- المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسي يَتَّخِذُ مكانَه في القطبِ المقابل لِنُظُمِ المدنيةِ المتصاعدةِ على ركيزةِ ثالوثِ المدينة – الطبقة – الدولة (والبنية الهرمية ما قبلها).
3- المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسي يتنامى ضمن تناغُمٍ وتواؤمٍ مع نظامِ الحضارةِ الديمقراطية، باعتباره تاريخَ الطبيعةِ الاجتماعية.
4- المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسيّ هو المجتمعُ الأكثر حرية.
لا يُمكن الحديثَ عن أيةِ ديناميكيةٍ مُحَدِّدةٍ أخرى تُحَرِّرُ المجتمعَ وتُحافظُ عليه حراً، بقدرِ ما يَقُومُ به عَمَلُ النُّسُجِ والأجهزةِ الأخلاقيةِ والسياسية. كما ليس بمستطاعِ أيٍّ مِن الثوراتِ والبطولاتِ أنْ تتحلى بالقدرةِ على تحريرِ المجتمعِ بقدرِ البُعدِ الأخلاقيِّ والسياسي. علماً أنّ الثوراتِ وأبطالَها لا يمكنهم أداءَ دورٍ مُعَيِّنٍ إلا بنسبةِ مساهمتهم في المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي.
5- المجتمعُ الأخلاقيُّ والسياسي مجتمعٌ ديمقراطي. ولا يُمكِن للديمقراطيةِ أنْ تكتَسِبَ معناها إلا بالتأسيسِ على وجودِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، الذي هو مجتمعٌ منفتحٌ وحر. فالمجتمعُ الديمقراطيُّ الذي يُصبح فيه الأفرادُ والجماعاتُ ذواتاً فاعلة، هو بالمقابل شكلُ الإدارةِ المُطَوِّرَةِ للمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ بالأكثر. أو بالأصح، نحنُ نُسَمّي وظيفيةَ المجتمعِ السياسيِّ أصلاً بالديمقراطية. أي أنّ السياسةَ والديمقراطيةَ مصطلحان متكافئان بالمعنى الحقيقي. فإذ ما كانت الحريةُ البيئةَ التي تُعَبِّرُ فيها السياسةُ عن ذاتها، فالديمقراطيةُ نمطُ تنفيذِ السياسةِ في هذه البيئة. بالتالي، يستحيلُ أنْ يَكُونَ ثالوثُ الحريةِ والسياسةِ والديمقراطيةِ خالياً من الدعامةِ الأخلاقية. بل وبمقدورنا تسميةَ الأخلاقِ بالحالةِ التقليديةِ المتمأسسةِ للحرية والسياسةِ والديمقراطية.
6- المجتمعاتُ الأخلاقيةُ والسياسيةُ على تنافُرٍ وتناقضٍ جدليٍّ متبادلٍ مع الدولةِ كتعبيرٍ رسميٍّ عن شتى أشكالِ رأسِ المالِ والمُلكيةِ والسلطة. فالدولةُ تسعى دائماً إلى إحلالِ القانونِ مَحَلَّ الأخلاقِ والحكمِ البيروقراطيِّ مَحَلَّ السياسة. وعلى كِلا طرفَي هذا التناقضِ المستمرِّ طيلةَ التاريخ، تتطورُ المنهجيةُ الرسميةُ للمدنيةِ الدولتية وغيرُ الرسمية لنظامِ الحضارةِ الديمقراطية. هكذا يَظهرُ اتجاهان مختلفان لمعنى دراسةِ الرموز Typology. أما التناقضاتُ القائمة، فإما أنْ تَحتَدِمَ بِشِدّة مؤديةً إلى الحرب، أو أنْ تتجهَ نحو الوفاقِ مؤديةً إلى السلام.
7- السلامُ فيما بين قوى المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ وقوى الاحتكارِ الدولتيّ ممكنٌ بإراداتِها في الحياةِ المشتَرَكةِ ضمن أجواءٍ تَغِيبُ فيها الأسلحةُ والتقتيل. ذلك أنّ أوضاعَ السِّلْمِ المشروط، والمُسَمّاةَ بالوفاقِ الديمقراطيّ، هي التي تَسُودُ في التاريخ، أكثرَ مِن سيادةِ إفناءِ المجتمعِ للدولةِ أو الدولةِ للمجتمع. فالتاريخُ لا يُعاشُ كحضارةٍ ديمقراطيةٍ بوصفها تعبيراً كلياً عن المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، ولا كنُظُمٍ مدنيةٍ بوصفها تعبيراً كلياً عن المجتمعِ الطبقيِّ والدولتي. بل يُعاشُ كحالاتٍ تتعاقبُ فيها أوضاعُ الحربِ والسِّلمِ ضمن علاقاتٍ وتناقضاتٍ متداخلةٍ كثيفة. وإلى جانبِ كونِ التدخُّلِ الفوريِّ بالثوراتِ العاجلةِ بهدفِ إزالةِ هذا الوضعِ المستمرِّ منذ خمسةِ آلافِ عام على الأقل يُعَدُّ يوتوبيا خيالية، فإنّ قَبولَ الجريانِ المتدفقِ منذ الماضي السحيقِ كما هو وكأنه قدرٌ محتوم، وعدم التدخلِ في مجراه، لا يُمكِن أنْ يَكُونَ وضعاً أخلاقياً أو سياسياً سليماً. بينما المواقفُ الاستراتيجيةُ والتكتيكية الأكثر معنىً ونَيلاً للنتيجة، تتجسدُ في تلك التي تُوَسِّعُ مجالَ الحرية والديمقراطيةِ في المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، إدراكاً منها بأنّ نضالاتِ الأنظمةِ ستَكُونُ طويلةَ المدى.
8- يؤدي تعريفُ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ بِصِفاتٍ متعاقبةٍ كالمشاعيِّ والعبوديّ والإقطاعي والرأسمالي والاشتراكيِّ دوراً حاجِباً بدلاً من الكشفِ والتوضيح. لا ريب أنه، ومثلما لا مكانَ لصفاتِ العبوديةِ والإقطاعية والرأسماليةِ ضمن المجتمع الأخلاقيِّ والسياسي، فبالإمكانِ العيشَ معها ضمن وفاقٍ مبدئيٍ وعلى مسافةٍ ملحوظةٍ منها، وبمنوالٍ محدودٍ وحَذِر. المهمّ هو عدم إفنائها، وعدم التعرضِ للابتلاع على يدها؛ بل تحديد حيزِ مجالاتها وقواها دائماً عبر تَفَوُّقِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. أما النظمُ المشاعيةُ والاشتراكية، فيُمكِن مساواتَها مع المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ بقدرِ ما تَكُونُ ديمقراطية. في حين لا يُمكِن مطابقتَها كحالةٍ من الدولة.
9- لا يُمكِن أنْ يَكُونَ للمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ أهدافٌ عاجلةٌ مِن قَبيلِ التحولِ إلى دولةٍ قومية، أو اختيارِ دِينٍ ما، أو الاندفاعِ وراءَ نظامٍ خارجَ نطاقِ الديمقراطية. أما حقُّ تحديدِ أهدافِ ونوعيةِ المجتمع، فلا يُحَدِّدُه إلا الإرادةُ الحرةُ للمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. أي أنّ الإرادةَ والتعبيرَ الأخلاقيّان والسياسيّان للمجتمع هما اللذان يُحَدِّدان النقاشاتِ والقراراتِ المرحليةَ بقدرِ صياغتِهما للقراراتِ الاستراتيجيةِ أيضاً. الأساسُ هنا هو النقاشُ والتحلي بصلاحيةِ صناعةِ القرار. والمجتمعُ الذي يُمسِكُ بزمامِ هذه القوة، بمستطاعه تحديدَ خياراته بأكثرِ الأشكال سلامةً. ولا يَحُقُّ لأيِّ فردٍ أو قوة التحلي بالقدرةِ على اتخاذِ القراراتِ باسمِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. هذا ولا تَسري هندسةُ المجتمع على المجتمعاتِ الأخلاقيةِ والسياسية.
على ضوءِ هذه التعاريف التي سردتُها بإسهاب ومِن نواحي عدة، سيُلاحَظُ أنّ الطبيعةَ الاجتماعيةَ قد تَواجَدَت واستَمَرَّت على الدوام في جوهرِ نظامِ الحضارةِ الديمقراطية بهيئةِ تكاملٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ كلي، بوصفها الوجهَ الآخرَ لتاريخِ المدنيةِ الرسميّ. فرغمَ كلِّ أشكالِ القمعِ والاستغلالِ للنظامِ العالميِّ الرسمي، إلا أنه سادَ العجزُ عن إفناءِ الوجهِ الآخر من المجتمع. إذ يستحيلُ إفناءَه أصلاً. فمثلما لا يُمكِن للرأسماليةِ الاستمرارَ بوجودها دون وجودِ المجتمعِ اللارأسمالي، فالمدنيةُ أيضاً كنظامٍ عالميِّ رسميِّ لا يُمكِنها الاستمرارَ بوجودها دون وجودِ نظامِ الحضارةِ الديمقراطية. وبشكلٍ ملموسٍ أكثر، لا يُمكِن للمدنيةِ الاحتكاريةِ الاستمرارَ بوجودها دون وجودِ الحضارةِ اللااحتكارية. والعكسُ غير صحيح. أي أنّ الحضارةَ الديمقراطيةَ كنظامِ تدفقٍ تاريخيٍّ للمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، يُمكِنها الاستمرارَ بوجودها بمنوالٍ أكثر يُسراً وخُلُوّاً من العوائق دون وجودِ المدنية الرسمية.
وبموجب تعريفها، فإني أُعَبِّرُ عن الحضارةِ الديمقراطيةِ على أنها منهجيةٌ فكريّةٌ وتراكمٌ فكريّ، مثلما هي تكامُلٌ للقواعدِ الأخلاقيةِ والأجهزةِ السياسية. أنا لا أتحدثُ عن تاريخِ الفكرِ وحسب، ولا عن الواقعِ الاجتماعيِّ ضمن سياقِ التطورِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ فقط. بل يشتملُ النقاش على كِلا الموضوعَين بنحوٍ متداخل. وأَرى أنّ هناك أهميةٌ وضرورةٌ لمزيدٍ من شرحِ أسلوبِها وتأريخها ومُقَوِّماتها، نظراً لوجودِ سرودٍ وبُنى متكاملةٍ مُعاقةٍ على يَدِ المدنيةِ الرسمية. والعناوينُ اللاحقةُ سوف تتضمن هذه المواضيع.
ب- تعاطي الحضارة الديمقراطية أسلوباً:
يؤدي أسلوبُ علومِ الاجتماعِ في التعاطي الكونيِّ المطلقِ ذي المسارِ المستقيمِ إلى إشكالياتٍ في إدراكِ الحقيقةِ بقدرِ الدوغمائيةِ الدينية بالأقل. فأحكامُه لا تختلفُ عن الجزمِ الدينيِّ القاطع، لِقَولها بِتَقَدُّمِ الكونِ إلى ما لانهاية، وبأنّ المكتوبَ في اللوحِ المحفوظِ هو المُقَدَّرُ والمتحقق. بمعنى آخر، فالشيءُ المتحققُ هو الوحيدُ الواجب تَحَقُّقُه. وكلُّ شيءٍ يَتَحَقَّقُ كما مُقَدَّرٌ له مُسبَقاً. والوضعيةُ – بعكسِ ما يُعتَقَد – ليست مناهِضةً للميتافيزيقيا أو التَّدَيُّن، بل هي الدينُ الماديُّ الأكثر فظاظة، والمصقولُ بطِلاءٍ خفيفٍ من الصبغةِ العلمية. أو بالأصح، إنها وثنيةُ الحداثة. والشَّبَهُ الأساسيُّ بين كِلا الأسلوبَين الدوغمائيَّين هو وجودُ قوةٍ تتحكمُ بالطبيعة وتُسمى القانون. حيث أُدرِجَت كلمةُ قوانينِ العلم فقط مَحَلَّ قوانينِ وشرائعِ الإله. وما يتبقى هو سردٌ مُماثِل. الجانبُ الأنكى في أسلوبِ التفكيرِ الوضعي، هو التعاطي الكامن ضمن أحكامِه بقوةِ القانون، حيث لا وجودَ للتفسير. فرؤيةُ الحُكم المُسبَقِ الحاسمةُ والموضوعيةُ التي تُفيد بالمعنى نفسِه بالنسبة للجميع، إنما هي متعاكسةٌ مع العلمِ أيضاً في جوهرها. كما أنها لا تَتركُ مجالاً للخطأ، باعتبارها محصلةً للارتكازِ على الفصلِ الحاسمِ بين الذاتِ والموضوع.
بالإمكانِ فهمَ مساعي الطبقةِ البورجوازيةِ في صبغِ ثيولوجيا العصورِ الوسطى بطِلاءِ الوضعية، وعَرضِها كفلسفةٍ دُنيَوِيّةٍ وعلموية. فهي – بطبيعةِ الحال – ستَحمِلُ آثارَ الواقعِ الاجتماعيِّ الذي وُلِدَت مِن أحشائه. إذ كان لا مفرَّ من الموجةِ الوضعيةِ التي بَدَت كأنها تَأسِرُ أذهاننا، ما لَم نتخلصْ من المواقفِ التصوريةِ المنقوشةِ في أذهانِنا منذ العصور الوسطى، بل وعلى مَرِّ تاريخِ المدنيةِ برمته. هذا الوضعُ لَم يُتِحْ الفرصةَ لأيِّ تَطَوُّرٍ أبعدَ مِن الاعتقادِ بأنّ الحقيقةَ تُمَثِّلُها البلاغةُ (الضَّلاعَة والبَهلَوَانية في الكلام) المتكررةُ الجوفاءُ والجافةُ بإفراط. هكذا حَلَّت سفسطةُ “أياً ما قالَه المعلم والفيلسوف هو الصح” محلَّ الموقفِ القديم “أياً ما قاله الإمامُ هو الصح”. هذا هو الواقعُ المتسترُ وراء عُقمِنا الذهني. بالتالي، فقد حُرِمنا حتى مِن حقِّنا في القيامِ بتفسيرٍ واحدٍ فقط بشأنِ طبيعتنا الاجتماعية. إنه وضعٌ وخيم. وهو عَمىً وأَسْرٌ عقليٌّ تلقائي. فالدوغمائيةُ الدينية – على الأقل – تُذَكِّرُ بشكلٍ ما ببعضِ الحقائقِ التاريخيةِ عبر قوتِها الناقلةِ للتقاليد. حتى هذا غيرُ موجودٍ في الوضعية. بل إنها تنسجُ اغتراباً مارداً فيما بيننا وبين حقائقنا. وهي أَشبَهُ ما تَكُونُ بفرضِ الاستسلامِ دون إطلاقِ رصاصةٍ واحدة (دون استخدام العقل)، بوصفها قوةَ الهيمنةِ الأيديولوجيةِ للغرب. واضحٌ أنه لَم يَكُن ممكناً تحطيمُ المدنيةِ الرسميةِ عموماً وبراديغما الحداثة الرأسمالية خاصةً، ما لَم يتمّ تحطيم هذه الدوغمائية. بالتالي، سادَ العجزُ عن بلوغِ قوةِ التفسيرِ الحر. وأنا بِتُّ مقتنعاً بفكرتي هذه: الأسلحةُ الأيديولوجيةُ تؤدي دورَ الحظرِ أكثرَ مِن الأسلحةِ العسكرية.
لَم يَكُن صراعي مع هذه السلاسلِ الأسلوبية قليلاً أثناء تساؤلي “أَيُمكِنُ تصييرَ الحضارةِ الديمقراطيةِ نظاماً؟”. أما الأمرُ الأصعب، فكان تَحَطُّمَ القوالبِ الدوغمائية بشأنِ الاشتراكيةِ العلميةِ التي آمنتُ بها كثيراً. وكأنكَ تتصارعُ مع نفسِك كي تتخلصَ من أَسرِ الدوغمائية. علماً أنّ القِسمَ الأكبرَ من حياتي مَرَّ بالانشغالِ بهذا الأمر.
كنتُ أعيشُ تناقضاً كهذا أيضاً: بينما كنتُ لا أزالُ متأثراً بالثقافةِ المُعاشةِ في مهدِ الثورةِ الزراعيةِ منذ آلافِ السنين (منذ 000,10 ق.م وحتى يومنا الراهن)، كنتُ من الجانبِ الآخر مُنعَكِفاً على النضالِ في سبيلِ بناءِ مجتمعِ مابعد الرأسمالية. ولكن، كيف كنا سنبني المجتمعَ الجديد، دون تحليلِ الفراغِ القائمِ بينهما على مدى اثنتي عشرة ألفِ سنة على الأقل؟ كان نظامُنا الفكريُّ قد تَحَوَّلَ إلى ضربٍ من عِلمِ الآخرة (الرأي الأُخرَوِيّ Eskataloji). جليٌّ أنّ الأسلوبَ المثمرَ لَم يَتَّخِذْ مكانَه في تفكيري آنذاك. فمَرَضُ العجزِ عن التفكيرِ خارجَ نطاقِ ما هو مكتوبٌ ولو بمقدارِ سنتمترٍ واحدٍ لا يُمكِن إيضاحَه إلا بتأثيرِ الدوغمائية. لقد تَعَرَّضنا لقصفِ الوضعيةِ الرسميةِ المُصِرَّةِ على أقوالها وعقائدها، حتى قبلَ التمكنِ مِن الخلاصِ مِن بلبلةِ تشويشِ القوالبِ الدينية. أدركتُ حينها أنّ القوةَ الأصليةَ الحاميةَ للنُّظُمِ القائمة تنبعُ مِن هيمنتها الأيديولوجية. ولهذا السببِ بِتُّ أستوعِبُ بنحوٍ أفضل دوافعَ صراعِ نيتشه مع القوةِ الأيديولوجيةِ الألمانية الرسمية حتى جُنَّ جنونه. وإنْ كنا نَعي بضعةَ حقائق شفافةٍ بشأنِ الغرب، فلا بُدَّ أننا مَدِينون في ذلك إلى هذا الصراعِ الجنوني.
القالبُ الثبوتيُّ الأولُ الذي تَخَلَّصتُ مِن تأثيرِه بنسبةٍ عليا، كان يتعلق بأطروحةِ الاشتراكيةِ العلميةِ في التَطَوُّرِ المتتالي والحتميِّ للعبودية ولأنظمةِ المجتمعِ الطبقيِّ الأخرى التي تَلحَقُ المجتمعَ المشاعيَّ البدائي. كنتُ قد تَقَبَّلتُ هذا القالبَ مدةً طويلةً من الزمن كقانونٍ راسخ. هذا ولَم أتأخرْ عن كسرِ القالبِ الثاني المتمثلِ في تسميةِ المجتمعِ بالطبقات، والذي هو متداخلٌ مع القالب السابق. ذلك أنّ تسميةَ: المجتمع العبودي والإقطاعي، تَستُرُ الحقيقةَ من أحرجِ نقاطها، إذ تُطابِق بين المجتمعِ وأسياده. كان واضحاً أنّ هذه القوالبَ امتدادٌ للأفواهِ الحاكمة. هذا ولَم أُلاقِ صعوبةً في فكِّ القالبِ الثالثِ المتداخلِ مع السابقَين على التوالي كما تَنفَتِقُ الجوارب. إني أتحدثُ عن القالبِ القائلِ بِكَونِ مراحلِ المجتمعِ الطبقيِّ ضرورةً حتميةً للتقدم. فقد فَهِمتُ أنّ مراحلَ المجتمعِ الطبقيِّ ليست حتميةً ولا تقدميةً إطلاقاً، بل وتَجَرَّأتُ على تقييمِها بعكسِ ذلك مِن حيث أنها التطورُ الأكثر رجعيةً وتقييداً. والنتيجةُ كانت إمكانيةَ السرودِ التي تُقَرِّبُ التاريخَ من الحقيقةِ أكثر. كان الأسلوبُ الأنسب هو عدم الترددِ في طرحِ التفاسيرِ المتعددة، بل – على النقيض – والنظر إليها كجهودٍ تُزيد من غِنى المعنى. ولدى تحطيمِ الدوغمائية (الأحكام المسبقة) في العديدِ من الميادين، كانت ستتطورُ قوةُ التفسيرِ وغِنى المعنى دون بُد. بمستطاعي تبيانَ النقطةِ التالية بكلِّ شفافية: أينما كان البشر، وأياً كانت أوضاعُهم، فإذا كانوا عاجزين عن حلِّ القضايا المنتصبةِ أمامهم، فالمؤثرُ الأساسيُّ في ذلك هو عدم قدرتِهم على تحطيمِ قوالبِ آلافِ السنين، ومستوياتُهم الفكريةُ البدائيةُ غيرُ الجريئة على التخلص من الغرائز. فالخوفُ في الفكرِ موجودٌ في أساسِ كلِّ المخاوف.
كانت الموادُّ التجريبيةُ (الأمبريقية) الملموسةُ الجَمّة مِن حَولي تُشَكِّلُ الخاصيةَ الثانيةَ الهامة التي تلفت نظري أثناءَ تحويلِ الحضارةِ الديمقراطية إلى فكر. أما الملاحظاتُ الخاصةُ بالتاريخ، فكانت شاهدةً على وفرةٍ مثيلةٍ لتلك المواد. لماذا يتواجدُ نظامُ كلٍّ مِن السلالةِ ونهبِ فائضِ القيمة وبؤرِ السلطة، ولماذا لا يتمّ التقييمُ الممنهَجُ للأسرةِ والعشيرة والقرية والطبقاتِ الخارجةِ عن نطاقِ السلطةِ في المدينة، والتي هي بمثابةِ الخليةِ النواةِ للمجتمع، وكذلك للشعوبِ والأمم غيرِ المتدولة؟ لماذا لا يُشَكِّلُ هؤلاء نظاماً قائماً بذاته، كي يَجِدوا معناهم أيديولوجياً وبنيوياً؟
إذا كان مَن عَقَدنا عليهم آمالَنا لَم يستطيعوا إعطاءَ جوابٍ كافٍ لهذه الأسئلة، فلا بدَّ أنّ لذلك أسبابُه. وإلا، فمِن الواضحِ جلياً أنها ليست أسئلةً مفتقِرةً للحقيقة. بَيْدَ أنّ الأجوبةَ المُعطاةَ ليست بالقليلة، وإنْ كانت مُجَزَّأةً وغيرَ ممنهجة. يكفينا أنْ نَعرِفَ كيف نبحثُ عن الجواب.
المؤثرُ الثالثُ البارزُ لدى الانعكافِ على البحثِ عن حضارةٍ وعصرانيةٍ مختلفة، هو الطاقةُ الكامنةُ للإنشاءِ الحرِّ فيما يتعلقُ بالطبيعةِ الاجتماعية. فإذا كان ثمة قضايا مستفحلةٌ ومتكدسةٌ، وإذا كان الناسُ خائري القوى وبائسين مِن البطالةِ والمجاعة، فإنّ إنشاءاتِ النظامِ (الخلق هنا ليس بمعنى هندسة المجتمع) ممكنةٌ، وضرورةٌ هامة، بل وواجبٌ أخلاقي. وبالأصل، فأبعادُ القضايا باتت تقتضي الثورة، بينما الثورةُ تتطلبُ البنى القادرةَ على إعطاءِ الجواب المرتَقَب.
المؤثرُ الرابعُ في بحثي هو؛ إذا كان النظامُ السائدُ لا يَمنَحُك ولو بصيصَ أَمَل، ولا يَعتَبِرُكَ إنساناً، ولا يَأبَهُ حتى بأبسطِ قضايا الهوية، ولا يستطيعُ حلَّها؛ فما عليكَ عَمَله كإنسان، هو معرفةُ ربطِ آمالك واحترامِكَ لنفسك بكفاءةِ إنشاءِ نظامِك الخاص. وإلا، فما يَنتَظرُك على مائدةِ الذئاب، ليس بقايا العِظام، بل قد تَكُونُ أنتَ الفريسةَ بذاتِها.
