ضمان حقوق المرأة السّورية دستوريًا شرطٌ أساسي للنهوض بواقعها – هيفيدار خالد

ضمان حقوق المرأة السّورية دستوريًا شرطٌ أساسي للنهوض بواقعها

“يتطلّب من النساء السّوريات تصعيد نضالهنَّ

لضمانِ حقوقهنَّ بشكلٍ واضحٍ في الدستور الجديد،

لأنّ العدالة في القضاء تبدأ من دستورٍ عادلٍ

ينصفُ الجميع ويحمي حقوق المرأة”

 

هيفيدار خالد

 

في سوريا، وتحديدًا بتاريخ 8 كانون الثاني من عام 2024، سقط النظام السّوري البعثي، وانهار معه ستون عامًا من سياسات القمع والاستبداد. بذلك انتهت حقبةٌ طويلةٌ من الظلم والعبودية والاضطهاد مورست بحق مكونات الشعب السوري، وفي المقدّمة المرأة السّورية التي عانت الويلات نتيجة سياسات سلطة حزب البعث وأدواته.

في ظلِّ سياسات حزب البعث كان للمرأة في هذه البلاد نصيبٌ وافرٌ من هذه الانتهاكات والممارسات اللاإنسانية. فمعاناة النساء وأوجاعهن كانت دائمًا مضاعفة نتيجة العنف الممنهج الذي مُورس بحقهن داخل السجون ومراكز التوقيف، بالإضافة إلى ميادين العمل آنذاك. ورغم ما بذلنه من جهودٍ جبّارة في مواجهة المنظومة الأبويّة التي سعت لعقودٍ إلى إسكات أصواتهن، فإنّ الانتهاكات المستمرة حالت دون حصول المرأة على دورٍ يليق بمقاومتها ونضالها.

كما أنّ قانون الأحوال الشخصيّة في سوريا يمنح الرجل صلاحيات غير متكافئة مع المرأة، الأمر الذي يقلّص من فرص حصولها على حقوقها في الميراث والزواج والطلاق، ويجعلها عرضةً للتمييز المستمر. يضاف إلى ذلك سياسة الإقصاء التي كانت في معظم الأحيان سببًا في مضاعفة آلامها واستبعادها شبه الكامل عن مجالات عديدة وميادين عملٍ مصيرية بالنسبة لها، وهي الميادين التي تستطيع المرأة من خلالها التعبير عن ذاتها وكيانها وإبراز إرادتها وحضورها المجتمعي.

مع سيطرة هيئة تحرير الشام – ذات الماضي الجهادي المتشدد – على مقاليد الحكم والسلطة في البلاد، وسنّ تشريعات وقوانين باسم الدين، لم يتغير الكثير بالنسبة للمرأة السورية هذه المرّة أيضًا، بل على العكس تمامًا فقد انقلبت المعادلة رأسًا على عقب، ووجدت المرأة السورية نفسها مرّةً أخرى في معركةٍ قاسية من أجل حماية حقوقها ومكتسباتها وهويتها. فقد انتهجت الحكومة الحالية نهجًا عدائيًا تجاه المرأة منذ اليوم الأول لوصولها من إدلب إلى دمشق، وعملت على إقصائها من مراكز صنع القرار التي كانت أصلًا مغيّبةً عنها.

وقد اختُصر تمثيل المرأة السورية في الحكومة المؤقتة التي تشكّلت في شهر آذار من عام 2025 بوزيرةٍ واحدة من أصل 23 وزيراً، وهي هند قبوات، المسيحية التي تشغل منصب وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل. في الوقت الحالي لا يتجاوز تمثيل النساء في الوزارة نسبة 5%، في ظلِّ غيابٍ كاملٍ عن وزارات الدفاع والداخلية والخارجية، كما يغيب التمثيل النسائي عن المناصب العليا في المجالس المحلية أيضًا، رغم وجود بعض الأقسام الإدارية والشرطة النسائية بحسب تقارير إعلامية. وفي ما يُعرف بمجلس الشعب المؤقّت (البرلمان) لا يتجاوز تمثيل النساء نحو 5% تقريبًا، حيث لم تُنتخب سوى ست نساء من أصل 210 أعضاء في الانتخابات التي جرت في تشرين الأول من عام 2025، إنْ صحَّ التعبير.

تتضاعف المأساة في سوريا نتيجة الصراع المعقّد الذي تتسع رقعته يومًا بعد يوم، والانهيار شبه الكامل لمنظومة العدالة، ولا سيّما أنّ المرأة السورية دفعت ثمن التحولات السياسية والعسكرية والتطورات المتسارعة والصفقات المشبوهة مراتٍ متعددة، وما تزال تدفع فاتورةً باهظة حتى اليوم.

نتيجةً لسياسات السلطة الحاليّة يتطلّب من المرأة السورية بذل جهودٍ كبيرة على مختلف الصعد من أجل ضمان حقوقها الأساسية، مثل حق التعليم، وحق الانتخاب، وحق الترشّح، والمشاركة في مراكز صنع القرار. فهذه الحقوق لا تُعطى، بل تُنتزع عبر نضالٍ مستمر وتضحياتٍ لا تحصى، سواء من خلال المقاومة المدنية أو السياسية أو حتى العسكرية.

وقد شكّلت ثورة المرأة في روج آفا نقطة تحوّلٍ تاريخيّة في مسار المنطقة، وما تزال تؤكّد أهميتها ودلالاتها. شاركت المرأة في قيادة النهج الديمقراطي، وأسهمت في إنشاء الكومينات، وإدارة المجالس، وتطبيق نموذج الإدارة الديمقراطية القائم على مبدأ الرئاسة المشتركة لضمان المساواة بين الجنسين، إلى جانب إدارة مؤسساتها المختلفة بهدف ترسيخ الوعي الديمقراطي بين صفوف المجتمع.

النقطة الأهم التي يتعين على جميع النساء السوريات الوقوف عندها هي العمل من الآن فصاعدًا على تصعيد نضالهن الحقوقي، من أجل ضمان حقوق المرأة في الدستور السوري، وضرورة أن يكون هذا الدستور عادلًا ومنصفًا لجميع مكوّنات المجتمع. فالقضاء والمحاكم لا يمكن أن يكونا عادلين إلا في حال تضمين الدستور والقوانين أحكامًا واضحةً تكفل صون حقوق المرأة. يأتي ذلك من أجل ضمان انخراط المرأة بصورةٍ فاعلة في مختلف مجالات الحياة الأساسية، وضرورة حصولها على مكانةً ملائمةً في البرلمان، إضافةً إلى مناصب في إدارة المجالس المحليّة، فضلًا عن توفير الحماية القانونية اللازمة لضمان عودةٍ آمنة وطوعيّة للنساء المهجّرات.

في سوريا اليوم، وفي ظلِّ غياب سياسات الحماية الكاملة للمرأة وضمان حضورها الفاعل، تتعرض حقوقها لخطر الضياع، كما يسهم هذا الواقع في تسهيل إفلات المعتدين من العقاب. وفي ظلِّ قوانين لا توفر لها الحماية الكافية، ولا تحمي أطفالها من الممارسات والانتهاكات التي قد يتعرضون لها، لم يعد الصمت خيارًا. المطالبات والمناشدات التي تنظّمها بعض المنظمات النسوية والحقوقية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان المحاسبة في القضايا السياسية والاقتصادية المرتبطة بوضع المرأة. لا سيّما أنّ المرأة السورية تجد نفسها اليوم في وضعٍ بالغ الهشاشة، بين قراراتٍ متضاربة وصراعٍ مستمرٍّ على الصلاحيّات، يضاف إليه الضغط الاجتماعي الناتج عن حالة الحرب والأزمات التي تعيشها البلاد منذ سنوات. تأتي هذه التحديات في ظلِّ تعقيداتٍ قانونية وحصاناتٍ سياسية ونزاعٍ عابرٍ للحدود، يجعل المرأة أسيرةً لجملةٍ من القضايا الحياتيّة المعقّدة، في ظلِّ توظيفٍ للدين وسنّ قوانين تشرعن عادات وتقاليد قديمة تحطّ من شأنها.

من هنا يُصبح النضال السياسي والدبلوماسي والقانوني ضرورةً ملحّة لضمان استمرار مكتسبات النساء وحمايتها في سوريا وعلى مختلف المستويات، وبوتيرةٍ نضاليّةٍ عالية، وفق نهجٍ تشاركي وقرارات فاعلة تستهدف استعادة حضور المرأة الحقيقي داخل المؤسسات، وتمكينها من لعب دورها الطليعي في إدارتها.

لقد شاهدنا كيف تعرّضت المرأة في الساحل السوري لمجازر وحملات تطهير عرقي، شملت قتل الأزواج والأبناء، والخطف والسبي والتهجير، في ظلِّ غياب أيِّ إطارٍ حقيقي للمساءلة أو الحماية، ودون أيِّ موقفٍ دولي يُذكر. على العكس تمامًا بل إنّ المجتمع الدولي يحاول اليوم تبييض صفحة أحمد الشرع، رغم أنّ أيدي عناصره تلطّخت بدماء السوريين.

في السويداء ذات الغالبية الدرزيّة شاهدنا مشاركة النساء مرارًا في النضال المدني، وخروجهن إلى الساحات دفاعًا عن حقوقهن وحماية مكتسباتهن بوصفهن قوةً مدنية فاعلة داخل المجتمع. إلا أنّ عمليات الإبادة والمجازر التي ارتُكبت بحق المحافظة، وعلى وجه الخصوص بحق المرأة الدرزية في شهر تموز من العام الماضي، بما فيها عمليات القتل والخطف والانتهاكات، كشفت هشاشة وضع النساء وغياب الضمانات السياسية والحقوقية والدستورية الكفيلة بحمايتهن.

في شمال وشرق سوريا أيضًا، قادت المرأة وفي طليعتها المرأة الكردية تجربةً فريدةً من نوعها وفق رؤيةٍ نسوية، وتمكّنت بجهودها ونضالها من إيصال صوتها إلى العالم. إلا أنّ السلطة الحاليّة تحاول اليوم النيل من هذه المكتسبات وتقويضها. غير أنّ المرأة ما تزال تسعى بكل ما تمتلكه من قوة إلى تعزيز دورها ومواصلة نضالها القانوني والسياسي من أجل حماية هذه المكتسبات، والعمل على تعميم تجربتها الديمقراطية في مختلف أنحاء سوريا.

لذلك؛ فإنّ سوريا اليوم بحاجة إلى حلٍّ جذري لمعالجة القضايا العميقة التي تعترض طريق السوريين، وفي مقدمتها قضية المرأة السورية التي ما تزال تعاني من ويلات الحرب. إنّ إنهاء مسلسل العنف والإقصاء يمرُّ عبر نضالٍ أيديولوجي وقانوني وحقوقي متواصل، مع ضرورة التركيز على ضمان حقوق المرأة دستوريًا بوصفه شرطًا أساسيًا للنهوض بالمجتمع السوري من الآن فصاعدًا.