المرأة السّوريّة بين الحاضر المجهول والمستقبل المنصوص في الإعلان الدّستوري – ديلان عثمان
المرأة السّوريّة بين الحاضر المجهول والمستقبل المنصوص في الإعلان الدّستوري

“إنّ إشراك المرأة في عملية صنع القرار،
سواء على المستوى المحلّي أو الوطني،
يُعدّ شرطًا أساسيًّا لتحقيق تنميةٍ مستدامةٍ وشاملة،
ويعزّز من قدرة المجتمع على مواجهة التحدّيات المستقبليّة”
ديلان عثمان
تشهد المجتمعات التي تمرّ بمراحل انتقاليّة تحوّلاتٍ عميقة تمسّ بنيتها السياسية والاجتماعية والثقافية، وتُعدّ صياغة الدساتير في هذه المراحل إحدى أهم الأدوات التي تحدّد ملامح المستقبل. في الحالة السورية، ومنذ اندلاع الأزمة السورية، برزت قضايا متعدّدة تتعلّق بإعادة بناء الدولة، وكان من أبرزها موقع المرأة ودورها في هذه العملية. فالمرأة السورية، التي عانت من تبعات الحرب والتهجير، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍّ مزدوج ألا وهو السّعي إلى تثبيت حقوقها دستوريًا، ومحاولة ترجمة هذه الحقوق إلى واقعٍ فعلي في ظلّ تعقيدات المشهد السياسي والاجتماعي.
في المراحل الانتقاليّة، عادةً ما تُطرح قضايا المساواة والعدالة كجزءٍ من عملية إعادة صياغة العقد الاجتماعي. أبدت المرأة السورية، عبر تنظيماتها المدنيّة مساعي عديدة برزت في النقاشات المتعلّقة بالدستور، والمطالبةً بضماناتٍ واضحة تكرّس مبدأ المساواة وصون حقوقها وخصوصيتها والتأكيد على حقّها في التمثيل السياسي العادل. إلا أنّ هذه المشاركة، رغم أهميتها، لم تكن دائمًا على مستوى التطلّعات، إذ اصطدمت بعوائق تتعلّق بطبيعة البنية السياسية التقليدية، وهيمنة القوى الذكورية على مراكز صنع القرار، فضلًا عن التحديات الأمنية والسياسية التي تحدّ من انخراط المرأة بشكلٍ فعّال في عمليات التفاوض وصناعة القرار.
تعاني المرأة السورية اليوم من صعوبة الدخول إلى مختلف السّاحات، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. فبعد سنواتٍ من الحرب، تراجعت فرص العمل، وازدادت معدّلات الفقر والبطالة، ما أثّر بشكلٍ مباشر على المرأة، خاصّةً في ظلّ غياب سياسات داعمة تضمن تمكينهنّ اقتصاديًا. كما أنّ الثقافة المجتمعية السائدة في بعض المناطق لا تزال تعيد إنتاج أدوارٍ تقليدية تحدّ من مشاركة المرأة في الحياة العامة. هذا الواقع يضع المرأة أمام معادلة صعبة، وهي كيف يمكنها أن تفرض حضورها في مجتمعٍ يعاني أصلًا من هشاشةٍ بنيوية؟
ورغم هذه التّحديات، برز دور المرأة السورية بشكلٍ لافتٍ في الحفاظ على السلم الأهلي داخل المجتمعات المحلية. فقد أدركت العديد من النساء خطورة الانقسامات الاجتماعية التي خلّفتها الحرب، وسعين إلى الحدّ من آثارها عبر مبادراتٍ قائمة على الحوار والتفاهم. لم يقتصر دور المرأة على المستوى الاجتماعي، بل امتدّ إلى المجال السياسي، حيث سعت بعض النساء إلى الانخراط في العمل العام والمشاركة في صياغة رؤى مستقبلية للبلاد. وقد برزت نساءٌ سورياتٌ في المحافل الدولية، ممثّلات لقضايا مجتمعهنّ، ومدافعات عن حقوق الإنسان، وساعيات إلى إيصال صوت المدنيين إلى العالم. هذا الدور الدبلوماسي، وإن كان لا يزال محدودًا، يعكس قدرة المرأة السورية على تجاوز القيود المحليّة والانخراط في فضاءات أوسع، حيث يمكنها التأثير في الرأي العام الدولي والمساهمة في دعم مسارات الحلّ السياسي.
إنّ الحديث عن المرأة باعتبارها “نصف المجتمع” ليس مجرّد توصيفٍ عددي، بل هو تأكيدٌ على دورها الحيوي في مختلف مجالات الحياة. ومن هنا؛ فإنّ تمكين المرأة دستوريًا يُعدّ خطوةً أساسية نحو تحقيق هذا الدور. فالدستور، بوصفه المرجعية العليا، يمكن أن يضمن حقوقًا مثل المساواة أمام القانون، والحق في العمل، والمشاركة السياسية، والحماية من التمييز. إلا أنّ هذه النصوص، تبقى غير كافية ما لم تُترجم إلى سياساتٍ عمليّة وآلياتٍ تنفيذية واضحة، تضمن تطبيقها على أرض الواقع. يبرز هنا دور التّنظيم النّسوي كأداةٍ فعّالة لتعزيز حضور المرأة. فالتنظيمات النسوية، سواء كانت جمعيات أو منظمات واتحادات، توفّر مساحةً للنساء لتبادل الخبرات، وبناء قدراتهنّ، والعمل بشكلٍ جماعي للدفاع عن حقوقهنّ. كما أنّها تساهم في الضغط على صانعي القرار من أجل إدراج قضايا المرأة ضمن أولويات السياسات العامة. وفي السياق السوري، يمكن لهذه التنظيمات أن تلعب دورًا محوريًا في المرحلة المقبلة، خاصةً إذا ما تمكّنت من توحيد جهودها، والعمل ضمن رؤية مشتركة تتجاوز الانقسامات السياسية والجغرافية.
لكن السؤال الأهم يبقى، كيف تستطيع المرأة السورية التوافق مع الهيكلية القائمة اليوم؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من اعتماد استراتيجياتٍ مرنة تأخذ بعين الاعتبار الواقع القائم دون الاستسلام له. يمكن للمرأة أن تبدأ من المساحات المتاحة، مهما كانت محدودة، وأن تعمل على توسيعها تدريجيًا من خلال بناء الثّقة وتعزيز حضورها في المؤسسات المختلفة. كما أنّ بناء التحالفات مع قوى مجتمعية أخرى، مثل الشباب ومنظّمات المجتمع المدني، قد يساهم في تعزيز قدرتها على التأثير، وفتح آفاقٍ جديدة للمشاركة. كما أنّ الوعي القانوني يلعب دورًا مهمًّا في تمكين المرأة من المطالبة بحقوقها والدفاع عنها. لذلك، فإنّ الاستثمار في تعليم النساء وتوعيتهنّ يُعدّ خطوةً أساسية نحو تحقيق التغيير اللازم، خاصّةً في المناطق التي تعاني من آثار النزاعات الأخيرة. فيما يتعلّق بالنمطيّة، فإنّ التخلّص منها يتطلّب جهدًا طويل الأمد يشمل مختلف مستويات المجتمع. وقد لعبت بعض النساء السوريات دورًا مهمًا في كسر هذه الصورة، من خلال انخراطهنّ في مجالات كانت تُعتبر حكرًا على الرجال، مثل العمل السياسي، والإعلام، والعمل الإنساني، وحتى التمثيل الخارجي في المحافل الدولية والمجال العسكري الذي تصدّرته المرأة الكردية في شمال البلاد وشرقه.
تذليل العقبات التي تواجه المرأة السورية يتطلّب أيضًا إرادة سياسية حقيقية تترجم إلى سياساتٍ واضحة تدعم حقوقها. فمن دون وجود قوانين تحمي المرأة من التمييز والعنف، وتضمن لها فرصًا متكافئة، ستبقى الجهود الفردية محدودة الأثر. كما أنّ إشراك المرأة في عملية صنع القرار، سواء على المستوى المحلّي أو الوطني، يُعدّ شرطًا أساسيًا لتحقيق تنميةٍ مستدامة وشاملة، ويعزّز من قدرة المجتمع على مواجهة التحديات المستقبلية. كما أنّ حضور المرأة السورية في العمل الدبلوماسي سيسهم في تعزيز قيم الحوار والتفاهم، ويفتح قنوات تواصل أكثر مرونة، ما قد ينعكس إيجابًا على مسارات السّلام وإعادة الإعمار.
على الصّعيد القانوني، يبرز إشكالٌ واضحٌ في محدودية تناول حقوق المرأة ضمن الإعلان الدستوري السوري، إذ لم تُعطَ هذه الحقوق المساحة الكافية أو الصياغة الواضحة التي تضمن حمايتها وتفعيلها بشكلٍ فعلي. هذا القصور يطرح تساؤلًا مهمًّا حول الآليات التي يمكن للمرأة من خلالها المطالبة بحقوقها. وفي هذا الإطار، تستطيع المرأة الاستناد إلى المبادئ العامّة التي يتضمّنها أيُّ نصٍّ دستوري، مثل مبدأ المساواة أمام القانون، وعدم التمييز على أساس الجنس، وحقّ المشاركة في الحياة العامّة. كما يمكنها الاعتماد على الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها سوريا، والتي تُعدّ جزءًا من الإطار القانوني المرجعي، وتُستخدم كأداة ضغط لتعزيز الحقوق، خاصّةً في حال غياب نصوص صريحة. إلى جانب ذلك، يلعب الحراك القانوني والنسوي دورًا مهمًا في الدفع نحو تعديل التشريعات القائمة، والمطالبة بإدراج بنود واضحة تضمن حقوق المرأة في الدستور، مثل الكوتا السياسية، والحماية من العنف، والمساواة في العمل والتعليم. إنّ هذا المسار القانوني، رغم تعقيداته، يشكّل أحد أهم الأدوات التي يمكن للمرأة السورية من خلالها تحويل مطالبها إلى حقوقٍ مُعترفٍ بها ومحميّة ضمن إطار الدولة.
