الرئاسة المشتركة لمجلس سوريا الدّيمقراطيّة ليلى قهرمان لـ آفاق المرأة
الرئاسة المشتركة لمجلس سوريا الدّيمقراطيّة ليلى قهرمان لـ آفاق المرأة

“إنّ المطالبة بحقوق المرأة وتثبيتها في الدّستور ليست
مهمّة النّساء لوحدهم بل هي مهمّة المجتمع السّوري بأسره،
فالدستور الذي لا يضمن كرامة المرأة وحقوقها
كشريكٍ كاملٍ في صنع القرار
هو دستورٌ يعاني من خللٍ بنيوي،
ولن يستطيع بناء وطنٍ مستقرٍّ أو ديمقراطي”
إعداد: سامية كردي
- بعد الترحيب؛ المرأة السورية بين الماضي والحاضر ما التغييرات التي طرأت على واقعها، كيف شاركت في بناء المجتمع السوري المتكامل؟
حين نبدأ الحديث عن دور المرأة السورية، فإننا نستحضر مسيرةً طويلةً صاغت بوعي وحكمة، حيث رسمت ملامح الحركة النسائية في سوريا عبر عقودٍ من النضال والتضحيات. منذ البدايات؛ كانت المرأة نواة الوعي المجتمعي والثقافي والدور الريادي الذي حافظ على تماسك المجتمعات وبناء الأجيال. لم يكن حضورها مجرّد مشاركة عابرة أو دور شكلي، بل كانت القوة الدافعة التي أرست دعائم النهضة، وجسدت ذلك بأسماء حفرت بصمتها في ذاكرة الوطن مثل نازك العبد، ماريا عجمي، ثريا الحافظ، كوليت خوري، والكثير من النساء الأخريات اللواتي قدّمن نماذج استثنائية من القيادة والالتزام الاجتماعي والسياسي.
عبر التاريخ، قدّمت السوريات تضحياتٍ جسام لترسيخ وجودهن ورفع صوتهن، وصولًا إلى مرحلة الاستقلال التي شكّلت انعطافًا حاسمًا. ففي هذه المرحلة ربطت المرأة بين قضيّتها وقضية الوطن، ورأت في التحرر الوطني نقطة الانطلاق الكبرى لتحقيق حقوقها المشروعة. مع الاستقلال، تمكّنت المرأة من تحقيق جزءٍ من تلك الحقوق المستحقّة، واستمرّت في عطائها الذي لم يقتصر على الرعاية الأسرية والاجتماعية، بل شمل مساهمتها في تأسيس المؤسسات المدنية وصياغة القوانين. أثبتت المرأة السورية في كلِّ أزمة أنّها الركيزة المتينة، والمنارة التي لا غنى عنها في مسيرة بناء الوطن والحفاظ على استقراره، مؤكّدةً أنّ دورها التاريخي والسياسي والاجتماعي مستمرٌ ومتنامٍ، وأنّ حضورها الفاعل هو شرطٌ حقيقي لتقدّم المجتمع ونهضته الشاملة.
- واقع المرأة السورية في الإقرار والمشاركة السياسية والاجتماعية في ظلِّ نظام البعث؟
مع الانعطاف الحاد الذي شهده تاريخ سوريا أثناء سيطرة حزب البعث على الحكم، تحوّلت البلاد إلى بؤرة من الظلام قيّدت الحريات وأجهزت على المكتسبات التي حققتها السوريات عبر عقود. لقد شنّت هذه الذهنية الدكتاتورية حربًا ممنهجة حطّت من مكانة المرأة، فصيغ الدستور والقوانين لا لتكون ملاذًا أو أمانًا، بل لتتحول إلى أغلال تشريعية قيدت من خلالها إرادة المرأة وحرّيتها.
لقد أدى هذا النهج السلطوي إلى دمارٍ حقيقي في بنية الحقوق النسائية، وهو الدمار الذي أنسحب على سوريا بأكملها، حيث تراجعت البلاد في كافّة المحافل وألحقت الضرر في نسيجها الوطني والحضاري. فاستبدل الحراك النسوي الحر “الاتحاد النسائي” إلى واجهة صورية وقبضة أمنية أحكمت الخناق على المجتمع، مما أدى إلى تصحّر شامل في الحياة السياسية والاجتماعية، وغيّب الدور الحقيقي للمرأة، وخيّم السواد على حضورها، لتتراجع سوريا كدولة ومجتمع، ولتدفع المرأة قسرًا إلى زاوية التهميش بعيدًا عن جوهر التأثير، ما ألحق بها وبالوطن ضرراً عميقاً لا تزال تداعياته ترهق كاهل المستقبل.
رغم هذا؛ بقيت إرادة المرأة السورية حاضرةً تتسلل بصمت إلى فضاءات العمل الاجتماعي والمبادرات الثقافية والتعليمية، محاولةً الحفاظ على جذور النضال النسوي، وإبقاء الشعلة حيّةً لتكون أساسًا لإعادة بناء حضورها وتأثيرها في المستقبل، والعودة لتأكيد أنّ تحررها وحقوقها لا يمكن أن تُلغى بالقوانين القمعية أو السياسات السلطوية مهما طال الزمن.
- ما هو وضع المرأة في الأزمة السورية بشكلٍ عام، من التهجير إلى المشاركة الفعّالة في الحفاظ على الهوية الوطنية والنسوية؟
مع انطلاقة شرارة التغيير في عام 2011، بادرت المرأة السورية لتكون جزءًا أصيل من هذا التحول الجذري، معلنةً بصوتها تحطّم أغلال الخوف والارتهان لتسترد مكانتها الريادية في أدق لحظات التاريخ. على مدار خمسة عشر عامًا من ركام الخراب الذي أرهق البلاد، واجهت المرأة السورية أقصى أنواع الوجع من النزوح والتهجير والاعتقالات، حيث دفعت ثمنًا باهظًا من حريتها واستقرارها في مواجهة آلة القمع.
رغم هذه الظروف القاسية لم تستسلم المرأة السورية، بل نشطت في شتى الميادين لتنقذ ما تبقى من روح سوريا. صقلت مهاراتها وعززت من إمكانيتها في قلب المحن، حتى غدونا اليوم نمتلك تجارب حيوية وشخصية فريدة نابعة من رحم المعاناة، وهي خبرات ملهمة نستطيع الاستفادة منها في صياغة غد جديد. أثبتت المرأة السورية أنّها لم تكن مجرّد شريكة في الكفاح، بل كانت العمود الأساسي والضمان الجوهري الذي حفظ نبض الحياة وسط الحطام، محولة مرارة السنين إلى إرادة صلبة ترسم طريق الحرية والكرامة. كما كانت المرأة السورية صوت العدالة والضمير الحي، لا تسمح بتهميش القيم الإنسانية ولا بالانكسار أمام آلة العنف. وكانت مثالًا على التصميم والإصرار على استعادة الحياة الطبيعية، وتعزيز دورها السياسي والاجتماعي.
أما بالنسبة للمرأة في شمال وشرق سوريا فهي كانت في قلب هذا التحوّل التاريخي. تجلّت ثورة المرأة كنموذجٍ ريادي استطاعت فيه المرأة تنظيم نفسها وبناء مؤسساتها الخاصّة، مؤمنة أنّ التغيير هو جوهر البناء والتطوير. من خلال نضالها المستمر، خاضت المرأة مواجهة مصيرية ضدَّ العادات والتقاليد البالية والذهنية الذكورية المتحكمة في مفاصل المجتمع، لتحقق مكتسبات تاريخية غير مسبوقة على عدّة مستويات (السياسية والإدارية والقانونية والأمنية).
التضحيات التي قدّمتها المرأة في شمال وشرق سوريا جسّدت من خلال وحدات حماية المرأة المعنى الأسمى للنضال، حيث أثبتت أنّها الدرع الحصين وحامي النساء الأول. خاضت صمودًا أسطوريًا في محاربة مرتزقة داعش الذهنية الظلاميّة، ووضعت تحرير النساء وحمايتهن كأولوية قصوى. لذلك؛ فإنّ تواجد هذه القوات ضمن بنية الجيش الوطني السوري بخصوصيتها يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح نحو مستقبل آمن ومستقر، يضمن الحماية والعدالة ويعكس جديّة المجتمع في اعتماد مبدأ المساواة والمشاركة الفعليّة للمرأة في كافة المجالات.
- المرأة في شمال وشرق سوريا حققت الكثير من الإنجازات كيف يمكن ضمان مكتسباتها ضمن دستور سوري جديد يصون هذه المكتسبات قانونيًا ودستوريًا؟ وهل الإعلان الدستوري يضمن مشاركتها قانونيًا في التمثيل والمشاركة السياسية والقضائية؟ ما المعوقات في هذا الصدد ؟
بخصوص الحديث عن حقوق المرأة وتثبيتها في الإعلان الدستوري، يمكنني القول إنّه مع سقوط النظام البعثي الاستبدادي دخلت سوريا مرحلة جديدة كان من المفترض أن تكون فضاءً للحرية والمساواة، إلا أنّ الخطوات الأولى جاءت مخيبة للآمال. تجلى ذلك بوضوح في الإعلان الدستوري الذي حمل ملامح الإقصاء المتعمد للمرأة السورية. لقد حاول هذا الإعلان حصر مكانة المرأة في إطارٍ ضيّق، ودور نمطي داخل المنزل، متجاهلًا نضالاتها الطويلة وتضحياتها التي صانت المجتمع السوري من الانهيار.
كان من المفترض أن يكون الدستور الجديد منصةً لإعادة الاعتبار للمرأة السورية، وأن يعكس مساهمتها الفاعلة في جميع ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّ الواقع أظهر تجاهلًا صارخًا لإرادتها، وكأنّ سنوات النضال لم تكن سوى تاريخٍ عابر يُنسى بسهولة. هذا التجاهل لم يؤثّر فقط على المرأة كفرد، بل امتد ليضرب بنية المجتمع برمّته، إذ أدى إلى استمرار فجوات التمييز وعدم المساواة في القوانين والسياسات العامة، ما أعاق جهود التنمية وبناء الدولة الحديثة القائمة على العدالة والمشاركة المتساوية.
- كرامة المرأة وحريتها يجب أن تثبت في صلب الدستور الجديد، فقوة المجتمع تنعكس في مدى حماية الدستور لحقوق المرأة، لماذا تريد المرأة صياغة دستور جديد للبلاد، وكيف ستعمل المرأة في ظلِّ هذه المعوقات؟
إنّ حسر دور المرأة في البيت هو إنكارٌ لكونها شريكًا وطنيًا أصيلًا في قيادة سوريا ومؤسساتها، وإجهاضًا لحلم الدولة المدنية التعددية، إنّ هذا التهميش لا يمثل جوهر سوريا الجديدة بل يعيدنا إلى المربع الأول من التغيير أو من التميز والتصحر السياسي.
هنا يجب التأكيد على أنّ المطالبة بحقوق المرأة وتثبيتها في الدستور ليست مهمّة النساء لوحدهم بل هي مهمة المجتمع السوري بأسره، فالدستور الذي لا يضمن كرامة المرأة وحقوقها كشريك كامل في صنع القرار هو دستور يعاني من خلل بنيوي، ولن يستطيع بناء وطن مستقر أو ديمقراطي. إنّ استعادة مكانة المرأة هي الضمانة الوحيدة لعدم ضياع بوصلة التغيير الذي دفع ثمنها السوريين دمًا ومعاناة.
بعد سقوط النظام، تمثل المرحلة الانتقالية في سوريا مرحلة تاريخية فارقة، إلا أنّها تحمل تحديات جسيمة تهدد تهميش الدور المحوري للمرأة. رغم التوقعات ببناء دولة تعددية عند سقوط النظام في ديسمبر 2024، كشف الواقع عن فجوة كبيرة بين الخطاب السياسي والتمثيل الفعلي. تواجه المرأة السورية في هذه المرحلة عوائق بنيوية تحول دون مشاركتها الحقيقية في الحياة العامة، أهمها:
أولًا: التهميش السياسي، إذ أظهرت الانتخابات التشريعية التي أجريت في أكتوبر 2025 تراجعًا حادًا في تمثيل النساء، حيث بلغت النسبة 4% فقط، ستة مقاعد من أصل 119، مما يعكس استمرار الذهنية الذكورية والمجتمعية التي تعيق وصولهن إلى مراكز صنع القرار.
ثانيًا: غياب التمثيل في المؤسسات التنفيذية، إذ لوحظ غياب شبه كامل للمرأة في الحكومة الانتقالية في سوريا، وينظر لهذا الغياب كأداة لإنتاج نظام حكم أحادي يقصي الكفاءات النسائية ويهمش دورها المؤثر في إدارة شؤون الدولة.
ثالثًا: المسؤولية المجتمعية الشاملة، فصياغة دستور يضمن حقوق المرأة ليس شأنًا نسويًا خاصًا، بل هي مهمة المجتمع السوري بأسره. الدولة التي لا تشارك نساؤها في صياغة قوانينها هي دولة تفتقر إلى التوازن الديمقراطي وتظل عرضة للاستبداد. إنّ بناء سوريا الجديدة يتطلب مسارًا سياسيًا شاملًا يرى في وجود المرأة في مفاصل الإدارة والتشريع ضرورة، إذ لا تكتمل شرعية أي مؤسسة بدونها، لتتحول من صفة التهميش إلى عمود البناء الوطني المستقر، وتصبح مشاركتها أساسًا لضمان العدالة والمساواة، وإعادة رسم مستقبل سوريا على أسس الديمقراطية الحقيقية.
- ما هي أبرز الاتفاقيات التي تصون حقوق المرأة في الحياة الكريمة والتساوي، وهل الانضمام إلى هذه الاتفاقيات سيكون عاملًا مؤثرًا في إضفاء متطلبات المرأة وبنود خاصة بها في الدستور السوري؟ كيف ستصون المرأة حقوقها في ظلِّ غياب قانوني رادع في الدستور السوري؟ اتفاقية سيداو، منظمات حقوق الإنسان والطفل، كيف تستفيد المرأة من هذه الاتفاقيات لتثبيت مطالبها؟
لا يمكن بناء دولة حقوقية بوجود استثناءات، لذا فإنّ سحب التحفظات على اتفاقية سيداو هو الخطوة الأولى لتفكيك القوانين التمييزية، بدءًا من الأحوال الشخصية وصولًا إلى قانون الجنسية. فحقوق المرأة ليست ملفًا مؤجلًا لما بعد الاستقرار، بل هو شرط أساسي له، وأي تأجيل يعني استمرار الفجوة في العدالة والمساواة، واستمرار معاناة النساء اللواتي دفعت العديد منهن ثمنًا باهظًا في حياتهن اليومية نتيجة القوانين التمييزية. لذلك؛ يتطلب تحويل القانون إلى ردع حقيقي، أن يبدأ بوعي المرأة السورية بحقوقها وقدرتها على استخدام المحاكم والمنابر الدولية لا انتزاع هذه الحقوق، مما يجعل أيَّ انتهاكٍ ضدّها مكلفًا سياسيًا وقانونيًا ويضع الجهات المخالفة تحت المساءلة، ويؤكد أنّ حقوقها غير قابلة للتجاهل أو المساومة.
هذا التغيير لا يقتصر على مجرّد تعديل قانوني، بل هو تأسيس لعقد اجتماعي جديد تقوم فيه الدولة والمجتمع على مبدأ الشراكة الفعلية للمرأة، حيث تصبح المرأة السورية شريكًا كاملًا في صياغة السياسات واتخاذ القرارات، وليس مواطنة من الدرجة الثانية. يشمل ذلك تعزيز حضورها في كل مؤسسات الدولة، السياسية والإدارية والقضائية، وإزالة كل الحواجز التي تحدُّ من مشاركتها في الحياة العامة، سواء في البرلمان أو في الهيئات التنفيذية أو في المجتمع المدني.
كما أنّ تمكين المرأة قانونيًا واجتماعيًا يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الدولة، إذ أنّ المجتمع الذي يتجاهل حقوق نصفه من السكان لا يمكن أن ينهض بمؤسساته أو يحقق التنمية الشاملة. بالتالي؛ فإنّ خطوات تعزيز حقوق المرأة وإلغاء أي قيود تمييزية هي بمثابة استثمار مباشر في مستقبل سوريا، وإعادة رسم علاقة الدولة بالمواطن على أسس العدالة والمساواة الحقيقية.
إنّ تصحيح المسار التاريخي في سوريا وتحويل الاتفاقيات الدولية إلى قوة ردعٍ قانونية يتطلب اليوم جهودًا مضاعفة من النساء السوريات، والانتقال من مجرّد المطالبة إلى فرض التغيير الواقعي على الأرض. تبدأ هذه المسيرة بتوحيد الصفوف ضمن كتلة واحدة تفرض حضورها في لجان صياغة الدستور الجديد، لضمان دستور يحقق المساواة الكاملة وسحب كافة التحفّظات على اتفاقية سيداو لا سيّما في قوانين الجنسية والأحوال الشخصية.
- الصورة الراهنة تثبت أنّ نظام الحكومة المؤقّتة يرفض تمامًا تواجد المرأة في هياكل الدولة ومراكز صنع القرار، على الأغلب توجد امرأتين في الوزارات، كيف تنعكس هذه الصورة على واقع المرأة في سوريا؟ تواجد المرأة في الهياكل التنظيمية والحكومات يضفي التنوع والمساواة ويضمن حقوقها الدستورية، إلا أنّ المرأة السورية تمَّ إقصاؤها من هذه المهام لماذا برأيك، وكيف تستطيع المرأة الإصرار في التمثيل السياسي والاجتماعي والقضائي؟
إنّ أهمية وجود المرأة في مراكز التمثيل السياسي والقضائي ليست مجرّد استحقاقٍ شكلي، بل هي الضمانة الأساسية لحماية المكتسبات من أي ارتدادات محتملة، ولضمان أن تبقى الحقوق محفوظة ومفعّلة على أرض الواقع. لذلك؛ يتطلب الأمر أيضًا نشر الوعي الحقوقي في كافة المجتمعات، وفي مجتمعنا بالدرجة الأولى، لتعزيز قدرة النساء على المطالبة بحقوقهن وتحويل المعرفة القانونية إلى أداة فعلية للمساءلة. عند تحقيق هذه الشروط، ستتمكن المرأة من تحويل الدستور إلى درع حقيقي يحمي كرامتها، ويؤسس لدولة العدالة والمواطنة التي تكون فيها شريكًا أصيلًا في البناء واتخاذ القرار، وليس مواطنة تنتظر منحًا أو عطية من أحد.
إنّ حضور المرأة السورية في قلب المشهد العام ليس مجرد مطلب حقوقي، بل هو الضمان الوحيد لتصحيح المسار وبناء دولة مستقرة وقوية. فوجودها في المسار السياسي عبر كوتا دستورية أو تمثيل فعلي في البرلمان والحكومة، يضمن انتقالنا من عقلية التهميش إلى عقلية المشاركة في القرار.
في المسار القضائي، يعد تعيين النساء في المحاكم ضرورةً لضمان تطبيق العدالة بروح المساواة، لتكون القضية السورية درعًا يحمي الحقوق ويمنع الارتداد عنها. أمّا في المسار الاجتماعي، فإنّ انتزاع حق المواطنة الكاملة ومنح الجنسية يمثل حجر الزاوية لتصحيح إرث النظام البائد الذي حوّل المرأة إلى مواطن من الدرجة الثانية. دمج هذه المسارات في الدستور الجديد وتوحيد الجهود النسوية لتحقيقها هو السبيل لتحويل الاتفاقيات الدولية إلى واقع قانوني رادع، يعيد للمرأة السورية مكانتها كشريك أصيل في البناء ويضمن ألا ينحرف مسار العدالة والمواطنة مرة أخرى.
أمام كلِّ هذه الصعوبات والتحديات التي تفرضها المرحلة الانتقالية، نؤكّد أننا كنساء سوريات نستحق الأفضل والأجمل. نستحق وطنًا يليق بحجم تضحياتنا، ومكانًا يعترف بوجودنا وحضورنا الفاعل في صياغة المستقبل. إنّ سعينا ليس مجرد شعارات، بل هو إصرارٌ على انتزاع تمثيلٍ حقيقي يعكس دورنا كشريكٍ وطني لا غنى عنه في قيادة سوريا ومؤسساتها، ونرفض العودة إلى القبول بالتمثيل الصوري.
هنا يمكنني القول: إنّ بناء سوريا الجديدة يتطلّب رؤية نسوية واعية تضمن ألا ندفع مجددًا نحو المربع الأول، لذا يجب انتزاع حقوقنا في الدستور، والمشاركة في صنع القرار هي السبيل الوحيد لضمان العدالة، حيث تكون المرأة السورية في قلب المشهد رائدة ومبدعة وحامية لمكتسباتها، لتتمكن سوريا من المضي نحو غدٍ مشرق يشهد حضور نسائها وقوة إرادتهن.
