يسرى درويش.. مسيرةٌ حافلةٌ بالعطاء التربوي والنضال السياسي – الصحفية: سهير الصالح
يسرى درويش.. مسيرةٌ حافلةٌ بالعطاء التربوي والنضال السياسي

“مسيرةٌ حافلةٌ بالعطاءِ التربوي والنّضال السّياسي،
كرّستها الشّهيدة يسرى درويش للدفاع عن
قضايا المرأة وحقوق الشّعوب المضطهدة،
وتركت من خلالها أثرًا عميقًا في مجتمعها”
الصحفية: سهير الصالح
امرأةٌ ذات إرادةٍ لا تنكسر، وقائدةٌ من أجل التغيير، كرّست حياتها لبناء مجتمعٍ ديمقراطي في شمال وشرق سوريا، لم ترضَ بالوضع القائم، فسعت نحو العدالة والمساواة، وناضلت من أجل حريّة المرأة، حتى استشهدت وهي تمضي في طريقها نحو تحقيق أحلام مجتمعٍ أكثر عدلًا وتحررًا. إنّها الشهيدة يسرى درويش التي كانت خطواتها الأولى في الحياة مؤشرًا واضحًا على المسار الذي ستسلكه، مسار العطاء والعمل الدؤوب من أجل ما تؤمن به.
ولدت يسرى درويش عام 1971 في مدينة عامودا بشمال وشرق سوريا، وترعرعت في بيئةٍ عائليةٍ تحترم العلم والثقافة، حيث كانت والدتها بديعة خليل من النساء اللواتي حرصن على تعليم أبنائهنَّ، وتوفير بيئةٍ أسريّة تشجّع على التفكير الحر والتطوّر الشخصي.
منذ طفولتها كانت يسرى شخصيّةً مختلفةً وكانت بمثابة قدوةٍ لصديقاتها، فهي أوّل فتاةٍ درست وأكملت تعليمها في الحي الذي تعيش فيه وتفوّقت في مدرستها، الأمر الذي جعل الفتيات يطالبن بالذهاب إلى المدرسة، في وقتٍ لم تكن العائلات تولي الاهتمام لتعليم أبنائها، خاصةً الفتيات.
درست يسرى في مدارس عامودا، وبعد اجتيازها مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي بدرجة تفوّق، قررت التخصص في اللغة الفرنسية وآدابها، وهي لغةٌ كانت تحمل أهميةً خاصّةً في تعليمها الأكاديمي والثقافي. حصلت يسرى على شهادة الإجازة في اللغة الفرنسية وآدابها من جامعة حلب عام 2001، وهو العام الذي شهد بداية تطوّر آخر في حياة الشّعب السّوري، إلا أنّ تلك الفترة لم تكن تحمل التغيّرات الجذريّة التي كان يأملها الكثيرون، فالنظام السوري البائد آنذاك بقي محافظًا على سياسات القمع والفساد، وبالتالي لم تكن هناك فرصٌ حقيقيةٌ للتغيير داخل النظام التعليمي أو الاجتماعي.
مع بداية الاحتجاجات الشعبيّة في سوريا عام 2011، والتي تلتها ثورة 19 تموز 2012 في شمال وشرق سوريا، قررت يسرى ترك العمل ضمن النظام البعثي والانخراط بشكل مباشر في صفوف ثورة روج آفا. هذا التحوّل لم يكن مجرّد خطوةٍ بسيطة، بل كان يُمثّل قرارًا مصيريًا في حياة امرأةٍ كانت تعمل ضمن مؤسسات النظام البعثي، واختارت الوقوف إلى جانب ثورة روج آفا ضدّ الطغيان، ضدّ نظام القمع والاستبداد، ضدّ التهميش السياسي والاجتماعي للشّعب الكردي. حرصت يسرى المعلمة على استحضار روحها المناضلة من أجل حقوق كرديتها وحقوقها كامرأةٍ حرّة في المجتمع في كلِّ حين، وربّما كان هذا الجانب من شخصيّتها السبب الأكبر وراء تأثيرها على من حولها.
أخذت يسرى على عاتقها مهمّة التدريس في مناطق شمال وشرق سوريا. كانت مدرسةً للغة الكرديّة، وذلك إيمانًا منها بأهميّة المحافظة على الهويّة الثقافيّة للشّعب الكردي، بالإضافة إلى نشر الوعي السياسي والمجتمعي. كانت من أوائل النساء اللواتي تفاعلن مع فكرة التنظيم المجتمعي وإعداد الخطط التربوية التي تدعم بناء مجتمعٍ ديمقراطي يتّسم بالتنوّع والعدالة الاجتماعيّة.
بينما كانت أحداث الثورة تتسارع في المنطقة، وخاصّةً مع بداية تأسيس المؤسسات الديمقراطيّة في قامشلو، لعبت يسرى درويش دورًا محوريًّا في بناء هذا النظام التعليمي الجديد. في عامودا كانت قد تولّت إدارة ثانوية بتول التي كانت تُمثّل علامةً فارقةً في بناء المؤسسات التعليمية الحرّة التي تحترم الهوية واللغة الكردية.
قامت يسرى بتطوير المناهج الدراسيّة التي تُساهم في بناء هويّةٍ وطنيّةٍ قويّة تتطلع إلى الحريّة والعدالة، وكانت تعمل على تحفيز الطلاب على التفكير النقدي والمشاركة في بناء المستقبل. كما كانت تؤمن بشدّةٍ بضرورة تعليم الشباب والجيل القادم كيفية التعامل مع التحدّيات المجتمعيّة والسياسيّة، وهوما جعلها واحدةً من أبرز الشخصيّات في المجال التعليمي.
مساهمتها لم تقتصر على التعليم فقط، بل كانت جزءًا من الفعاليّات الاجتماعية والسياسية التي تهدف إلى تفعيل دور المجتمع المدني. كانت من مؤسسات إدارة المدارس في عامودا، وانتخبت كرئيسة مشتركة للمجمع التربوي في عامودا، وهو منصبٌ يتطلّب كفاءةً عالية في تنظيم التعليم وإدارته ضمن الظروف الصعبة التي كانت تمرُّ بها المنطقة.
تعدُّ يسرى درويش من أبرز الناشطات في مجال النضال السياسي والاجتماعي من أجل حقوق المرأة، إذ لم تنظر إلى قضية المرأة بوصفها مطلبًا جزئيًا أو هامشيًا، بل اعتبرتها جوهر عمليّة التحوّل الديمقراطي في المجتمع. كانت تؤمن بأنّ تحرر المجتمع يبدأ من تحرر المرأة، وأنّ أيَّ مشروعٍ سياسي لا يمنح النساء دورهن الحقيقي في صنع القرار يبقى مشروعًا ناقصًا.
في خطاباتها ولقاءاتها كانت تؤكّد على ضرورة مشاركة النساء في الحياة السياسية، لا كتمثيلٍ شكلي، بل كشراكةٍ فعليّة في صياغة السياسات واتّخاذ القرارات المؤثرة. كما دعت إلى تمكين النساء علميًا وتنظيميًا، معتبرةً أنّ الوعي والمعرفة هما السّلاح الأقوى في مواجهة التهميش. من خلال انخراطها في الحركات النسائيّة سعت باستمرار إلى إيصال صوت المرأة الكردية إلى المحافل الأوسع، مؤكّدةً أنّ نضالها جزءٌ من حركةٍ نسويّةٍ عالميّة تنشد العدالة والكرامة الإنسانية.
عُرفت يسرى بموقفها الثابت في دعم نضال المرأة الكرديّة في كامل كردستان. كانت من النساء اللواتي طالما أكّدن على أنّ المشاركة في الانتخابات والترشّح للمناصب السياسيّة هو فعلُ مقاومةٍ في حدِّ ذاته. في إحدى الفعاليّات الدّاعمة للنساء المرشّحات من حزب الخضر اليساري أظهرت يسرى مواقفها القوية عندما قالت: مجرّد ترشحكن في الانتخابات ضدّ الطاغية أردوغان هو فوزٌ بحدِّ ذاته. هذه الكلمات كانت تعبيرًا عن إيمانها العميق بقدرة النساء على مقاومة الظلم والفساد من خلال المشاركة السياسيّة الفعّالة.
كانت يسرى درويش في طليعة الفعاليات التي نُظّمت في شمال وشرق سوريا لدعم ثورة المرأة. كما كان لها دورٌ بارزٌ في الفعاليّات المنددة بالعزلة المفروضة على المفكر عبد الله أوجلان، معتبرةً أنّ استمرار العزلة هو محاولةٌ لإسكات الفكر التحرري الذي قدّمه القائد الأممي عبد الله أوجلان لعموم شعوب الشّرق الأوسط.
ساهمت يسرى درويش في تأسيس الكومينات التي تُعتبر حجر الأساس في بناء المجتمعات المحليّة. كان الهدف الأساسي لإنشاء الكومينات في شمال وشرق سوريا هو توفير الدعم الاجتماعي والسياسي للأهالي في المناطق المحررة، وتقديم نموذج بديل للحكم يركّز على المشاركة المجتمعية والعدالة في إدارة الموارد. هذه الكومينات لم تكن مجرّد هيئاتٍ إدارية، بل كانت بمثابة خلايا محليّة تجمع بين الجانب الاجتماعي والسياسي، لتشمل كافّة شرائح المجتمع من رجال ونساء وشباب، بحيث يشعر كلّ فردٍ بأنّه شريكٌ في اتخاذ القرارات التي تؤثّر على حياته اليومية ومستقبل مجتمعه.
سعت الكومينات إلى بناء نظامٍ تشاركي يتميّز بالشفافيّة والمُساءلة. حيث تُدار الموارد المحليّة بشكلٍ عادل، وتُعطى الأولوية لاحتياجات السّكان الأساسيّة مثل التعليم، الصحّة، والإسكان، مع مراعاة توزيع الدعم بشكلٍ متوازنٍ بين جميع العائلات والمجتمعات المحليّة. هذه الكومينات عملت على تعزيز الوعي السياسي والمجتمعي، وتشجيع المشاركة الفاعلة للمرأة والشباب في كلِّ مستويات اتخاذ القرار، مما جعلها نموذجًا فريدًا للإدارة المجتمعيّة المستقلة والتنمية المستدامة. بالتالي؛ لعبت يسرى دورًا محوريًا في تنظيم هذه الكومينات، بل وكانت حريصةً على التأكيد على أهميّة مشاركة كلِّ شرائح المجتمع بما في ذلك النساء والشباب في عمليّة اتخاذ القرار.
في 1 نوفمبر 2022، تمَّ انتخاب يسرى درويش رئيسةً مشتركةً لمجلس مقاطعة قامشلو، وهو المنصب الذي يعكس إيمان المجتمع بقدرتها على قيادة المقاطعة. تولّيها هذا المنصب كان بمثابة اعترافٍ كبيرٍ بنضالها المستمر في سبيل تعزيز حقوق الكرد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء مؤسساتٍ مستقلّة تضمن حقوق كافة المواطنين.
بعد الزلزال المدمّر الذي ضرب شمال كردستان وتركيا وأجزاءً من سوريا في السادس من شباط 2023، كانت يسرى من بين الشخصيّات التي لعبت دورًا بارزًا في تنظيم حملة جمع التبرّعات للمتضررين. التقت بمختلف الشرائح الاجتماعية والعشائريّة في مقاطعة قامشلو لتعبئة الدعم للمتضررين من الزلزال. كانت تأكيداتها على ضرورة التضامن الإنساني وضرورة تقديم المساعدة للمنكوبين من أهم رسائلها، كما دعت الجميع إلى مساعدة بعضهم البعض في تلك الأوقات العصيبة. إلى جانب دورها القيادي في حملة التبرعات، كانت يسرى تعمل على توجيه الدعم إلى مناطق الهدم في شمال سوريا وكردستان، وأشرفت على تنظيم فرق إغاثة لنقل المساعدات وتوزيعها بشكلٍ عادلٍ، مما جعلها أحد أبرز الوجوه الإنسانية في المنطقة.
وبعد سنواتٍ حافلةٍ بالنجاح والإنجازات استهدفت يد الغدر بتاريخ ٢٠ حزيران عام ٢٠٢٣ وعبر مسيّرةٍ تركيّةٍ سيارة الشهيدة يسرى درويش، ذلك أثناء قيامها بجولةٍ ميدانيّةٍ لمؤسسات الإدارة الذاتيّة، لتفقد حياتها هي ونائبتها ليمان شويش وسائقهما فرات توما. حياتها لم تكن مجرّد سلسلةٍ من الإنجازات، بل كانت قصّة امرأةٍ قدّمت الكثير من التضحيات في سبيل بناء وطنٍ ديمقراطيٍّ مستقلٍ وعادل.
إنّ استهداف يسرى درويش وزميلتها لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان فعلًا مقصودًا يحمل دلالات سياسية واضحة. لم تكونا امرأتين عاديتين في موقعٍ عادي، بل شخصيتين وطنيتين تُمثّلان نموذجًا للمرأة المنخرطة في الشأن العام، المؤمنة بقضيّة شعبها، والسّاعية إلى بناء مجتمعٍ أكثر عدالة ومساواة. من هنا، فإنّ استهداف القيادات النسائية ليس إلا محاولةً لإعادة عقارب السّاعة إلى الوراء، وإخماد صوتٍ يتصاعد مطالبًا بالحريّة والكرامة.
بتاريخ 22 حزيران 2023 شيّع الآلاف من الأهالي جثمان الرئيسة المشتركة لمقاطعة قامشلو يسرى درويش ونائبتها ليمان شويش إلى مثواهما الأخير بمزار الشهيد إسماعيل في عامودا. تركت يسرى بصمةً لا تُمحى في مجالات التعليم و السياسة و النضال الاجتماعي، وأثرًا طيبًا أينما حلّت بسبب مواقفها الإنسانية ومواقفها حيال قضيّة المرأة وآرائها المدافعة عن حقوق الشعوب المضطهدة.
في الختام يُمكننا القول بأنّ إنجازات الشهيدة يسرى حاضرةٌ في ذهن النساء بعد مرور أعوامٍ على استشهادها. خُلّد اسمها في كتب التاريخ، وكتبت في سجل ثورة التاسع عشر من تموز قصص المقاومة والفداء في وجه القمع والاستبداد، ومع رحيلها ولدت الكثيرات لتكمل مسيرتها.
