بائعةُ الخبز – الكاتبة والقاصّة: ليلى خالد
بائعةُ الخبز
الكاتبة والقاصّة: ليلى خالد
في إحدى القرى الساحليّة الفقيرة المحاذية للمدينة، وفي صباحٍ صيفي كما كل الصباحات، تتسلل رائحة الخبز الشهيّة مختلطةً برائحة الأماني المصلوبة على عتبة وطنٍ جريح، تبدأ أشعة الشمس بالانعتاق من ليله البائس نحو فجرٍ جديد، ليمدّ بخيوطه بين أزقته المتعرّجة وعلى أسطح البيوت الريفية ويلامس وجوهاً مكفهرّة وأخرى مستبشرة. رغم كل شيء للطبيعة فطرتها، ففي كلِّ يومٍ تغرّد العصافير وتنشد للحياة رغم شجونها، وجدائل القمح تعانق خيوط الشمس المتوهّجة.
على طقطقةِ الصواني ورائحة الخبز الساخن الذي بدأ يخترق الأنفاس، تستيقظُ هبة، وهي فتاةٌ يافعة من عمر الحبق، جميلةُ المبسم، تمتلك عينين واسعتين كنبعٍ صافٍ يزداد بريقهما في الفرح والحزن لتمتزج مع سمرة وجهها القمري المُشَرَب من وهج الشمس.
كالعادة تنهض من فراشها مسرعةً نحو الصنبور لتسكب الماء على وجنتيها المتصحرتين من شدّة الإرهاق وهي سائرة في كلِّ صباح على دروبٍ مبهمة.
ألقتْ هبة على والدتها تحيّة الصباح، وكخفة الفراشة حين تحطُّ على وجنتي زهرة وبرقةٍ شديدة طبعت قبلةً على جبين أخوها هادي، والتفتت لوالدتها وتبادلا معاً أحاديثهما الصباحيّة بهمساتٍ هادئة وناعمة كي لا يستيقظ هادي، الأخ الذي يكبرها بعامين لكنّه كطفلٍ صغير يبحث بعينيه الحزينتين عن عمرٍ يجري دون أن يعيشه. يعيش هادي في صمتٍ جسدي، مقعد وطريح الفراش، حيث سلب القدر منه قواه الجسديّة والعقليّة فبات لا يقوى على الحركة ولا الكلام، ينسجُ لنفسه عالماً من الأحلام وهو يتأمّل الطبيعة وكل دابةٍ تدبُّ على الأرض من حوله، عيناه تنطقان بما يعجز عنه اللسان، يفهم كلّ الإشارات من حوله ويخاطبهم بروحه البريئة، ليعيش حياةً داخلية غنيّة حيث لا حدود للخيال ولا قيود.
تنتهي الأم من الخَبْزِ، وتُمعنُ في وجه ابنتها بعينيها الدامعتين والمحمرتين من شدّة لهيب نار التنور وحشرجة صدرها المخنوق من الدخان قائلةً: هيا يا ابنتي احملي سلّة الخبز وامضي إلى سوق المدينة لبيعه وأرجو من الله جبراناً للخاطر في بيعه، فأنا وأخوك بحاجةٍ للدواء قبل أن ينفذ، علاوةً على ذلك هادي لم يأكل الفستق منذ مدّة طويلة اشتري له بعضاً من الفستق الذي يحبه.
– حاضر يا أمي.
حملت هبة سلّة الخبز بعدما رتبت نفسها، ووضعت منديلها الأحمر المورّد بزهرة الأقحوان الأبيض على رأسها، ودلّت بضفيرتيها على صدرها، ومضت بقلبٍ ملؤه الأمل على ركام أحلامها المبعثرة في وطنٍ باتت الحياة فيه كابوساً يلازمهم في الليل والنهار.
تمشي بخطواتٍ مسرعة في طريقها تحت وطأة الشمس الحارقة التي اخترقت الغابة من بين أغصان أشجارها الكثيفة والمنتصبة، ينتابها الخوف كلّما اقتربتْ منها، فيتصببُ العرقُ من جبينها ليختلط مع غبار الطريق لتعبر المكان برعشةٍ وأنفاسٍ متقطّعة حتى تصل الطريق الرئيسي المؤدّي إلى المدينة. بعد مسيرٍ دام ساعةً تقريباً وصلتْ إلى سوق المدينة حيث الازدحام والصخب وضجيج المارّة والسيارات الممتزج مع نداءات الباعة وأصواتهم الخشنة والمرتفعة.
يعلو صوت هبة أيضاً من حنجرةٍ مبحوحة ومرهقة بعد رحلةٍ شاقّة (خبزٌ ساخن، خبزٌ لذيذ)، وترسم على وجهها القمري ابتسامةً قسريّة لتجذب الزبائن، تساومُ البعض وتبيعُ للبعض المشفقين عليها.
تعدُّ ما تبقى بحوزتها من الأرغفة. لم يتبقَ لديَّ سوى أربعة أرغفةٍ من الخبز، ممتاز ما زال النهارُ بأوله سأنتهي قبل الظهيرة إن شاء الله ولن أتأخّر في العودة، فطريقي للقرية طويلٌ وموحش خاصةً عندما تميل الشمس للغروب. هنا يزداد بريق عينيها الجميلتين، ويبدأ قلبها يخفق ويتراقص من الفرحة ليُسْرِ بيعتها، فجأةً وقفتْ بجانبها سيارةٌ سوداء.
يا إلهي! حتى نوافذها سوداء ويصعبُ على المرء مشاهدةُ من بداخلها. تسافر هبة بأحلامها وتتجوّل بالسيارة الفاخرة في شوارع المدينة وتشتري كل ما لذّ وطاب، تتخيّل نفسها وهي تمرُّ بالغابة بكلِّ ثقةٍ وجرأة دون الشعور بالخوف، تصل للقرية وتقف السيارة أمام باب دارها، يهرول الخادم ليفتح لها باب السيارة لتترجّل منها كالأميرات. فجأةً تصحو من خيالها مع إنزال نافذة السيارة حينما فُتحت نصفَ فتحةٍ وانطلق منها صوتٌ خشنٌ وغليظ حينما سألها الرجل:
– هل هذا الخبزُ للبيع؟
– نعم نعم، خَبَزَتْهُ والدتي للتو، تفضّل يا سيدي. تبتسم برهابة وكأنّها تحاولُ إخفاء خوفها.
يطلب الرجل من الطفلة الصغيرة هبة رغيفاً من الخبز وبيده السوداء المُشعرة يتناول الخبز ويتلمّسه، محدقاً بنظره على الرغيف تارةً وعلى بائعة الخبز تارةً أخرى. فجأةً يُزمجرُ ويعلو صوته وتظهر خشونته أكثر:
– خبزٌ بائت يا وقحة وتكذبين! إنّه بائت، فقيرة وحقيرة وكاذبة أيضاً.
كالسهام اخترقت هذه الكلمات صدرها الصغير، حصرت دمعتها في قعر عينيها، وابتلعت الغصّة في حلقها، استجمعت قواها للحفاظ على ثباتها وهدوئها وكبريائها، فعزّة نفسها لا تسمح لها بالمهانة. بالرغم من بركان القهر وفيض الجوع والمرارة إلا أنّها أبتْ أن تحني رأسها أمام الجميع، قالت بابتسامةٍ حارقة وصوتٍ ازدادت البحّة فيه:
– لا يا سيدي لستُ كاذبة، الكذب حرام، هكذا علّمتني أمي، أقسم لك أنّ الخبز طازج. في كل يوم لا أغادر السوق حتى أنتهي من بيع كل ما بحوزتي من خبز واشتري بالمبلغ حاجياتنا، ومن ثم أعود إلى القرية. في فجر كل يوم تنهض والدتي قبل شروق الشمس وتعجن العجين وتصنع الخبز اللذيذ لأبيعه ونحصل على الرزق المقسوم، وهناك زبائنٌ ينتظرونني في كلِّ صباح لشراء الخبز الساخن مني، خُبزنا طازجٌ ولذيذ وإن لم تصدقني يا سيدي تفضّل وتذوقه.
بابتسامةٍ صفراوية يكشّر عن أنيابه كذئبٍ غدّار يتهيّأ لافتراس الفريسة. يعود للتَطَبعْ بوجهٍ حسن ويقول لها بعدما مارس عليها أشدَّ أنواع الحروب النفسيّة وحطّم ما تبقى من خاطرها المكسور:
– ما اسمكِ؟
– من أين أنتِ؟
– أليس لديكِ أب و أم أو إخوة؟
– هل تذهبين إلى………..؟
تقاطعه متوترة وتجيبه قبل أن يُنهي أسئلته، وكأنّها تريد أن تخفي رعشتها التي مازالت مسيطرةً على أعصابها.
– اسمي هبة وأنا من القرية القريبة خلف التلّة تماماً، توفي والدي مذ كنت صغيرة، أعيش مع أمي وأخي وهما مريضان وما من معيلٍ لعائلتنا، فقط الخبز هو مصدرُ رزقنا يا سيدي.
– لا عليكِ لا عليكِ سأشتري منكِ كل ما تبقى لديك من الخبز.
فُتِحتْ نوافذ الأمل أمامها وشعرت بنسائم الفرح ونشوة الانتصار الخارق، بقلبٍ باتت نبضاته كحباتِ المطر على نافذة حلم، لا تدري إن كانت تُبشّر بربيعٍ وفرحٍ أم عاصفةٍ تجلب معها فيضاناً من الألم، بين رعشة الخوف ووميض الفرح ناولته الخبز وأخذت منه الثمن وكأنّها امتلكت الدنيا. قبضت عليه بأصابعها المرتجفة كأوراق شجرةٍ تترنّح في فصل الخريف على كفّها الصغير.
هرولتْ مسرعةً باتجاه أقرب صيدليةٍ عليها دون أن تلتفت للوراء، أخرجت من جيبها قصاصاتٍ صغيرة لعلب الدواء اللازم لوالدتها وأخيها، وبأنفاسٍ ويدٍ مرتجفة ناولت الصيدلاني القصاصات وقالت:
– أريد من هذه الأدوية لأمي وأخي. ابتسم الرجل الطيب في وجهها المنهك وناولها الدواء، وقال لها:
– هبة أيتها الجميلة هذه المرّة لن آخذ ثمن الدواء، وأتمنى لك السلامة والشفاء لوالدتك وهادي الجميل. أنت يا صغيرتي فتاةٌ نشيطة ومجدّة وتستحقين الثناء، اذهبي يا صغيرتي واشتري بثمن الدواء لنفسك شيئاً جميلاً تحبينه. وبيدٍ بيضاء طاهرة مسح على رأسها وهو ينظر لنظراتها المتعبة وكأنّها خرجت من حربٍ طاحنةٍ للتو. كان بريق عينها غامضاً، لم يعلم أهو بريق حزنٍ أم فرحٍ أم خوف.
خرجت من الصيدلية وكغزالةٍ شاردة قفزت إلى الناحية الأخرى للسوق، واشترت الفستق لهادي والبسمة لا تفارق وجهها القمري وهي تتخيل وتستشعر همساته من حركاته الهادئة معبّراً عن فرحته. مرّت أمام محلٍ للأحذية، لفتَ نظرها حذاءٌ جميل لونه أبيض تزيّنه وردةٌ حمراء، تقول في سرّها نعم سأشتريه إن كان سعره مناسباً، لقد قال لي العم أن أشتري بالنقود لنفسي شيئاً، ودون تردد تدخل المحل لتجرّبه وتشتريه إن كان ثمنه مناسباً لها.
– مرحباً يا عم، أريد أن أجرّب الحذاء الأبيض لو سمحت.
– أهلاً بكِ يا ابنتي.
– حسناً، ما هو المقاس.
– أربعٌ وثلاثون.
– تفضّلي أيّتها الجميلة.
– لبست هبة الحذاء برفقٍ وحرص وكأنّها تتهيأ لحفلةٍ مع الأمير، تبخترت في مشيتها داخل المحل وكأنّها تمشي على الورد، تروح وتجيء داخل المحل. لكن سرعان ما لاح أمام ناظرها طيف والدتها الهزيل بعينيها الدامعتين وثوبها المرقّع، وهادي الذي لم يلبس حذاءً طيلة حياته. كأنّ سهماً اخترق أحشاءها، شعرت بتأنيب الضمير، خلعت الحذاء من قدميها واعتذرت للبائع.
– اعذرني يا عم لن أشتري الحذاء.
– لا عليكِ يا صغيرتي.
بالرغم من انهيار حلمها إلا أنّها خرجت من المكان، وانطلقت تحت حرقة شمس الظهيرة متجهةً للقرية بشغفٍ و فرحةٍ كبرى. بخطواتها المثقلة بالتعب والإرهاق تكمل سيرها لتعبر الطريق الذي يعيدُ لها في كل يومٍ خوفَ الصباح، لكنَّ الشوق يغزو مخيّلتها ولا يفارقها وهي تتخيّل سعادة والدتها لعودتها بسلةٍ مليئة بالحاجيات، وأخوها هادي الذي سيُعبِّر عن فرحته بحركة رأسه الدائريّة وغير المتوازنة والسعادة تغمره لتفيض من عينه، وتصبَّ على روحها المرهقة لتنتعش من جديد.
فجأةً توقّفت سيارةٌ اعترضت طريقها وقطعته أمامها، بدأ قلبُها يخفقُ كعصفورٍ هارب من بندقية صياد، ارتعشت الطفولة في داخلها لتفقد توازنها وتسقط من يدها سلّة الخبز المليئة بحاجيات العائلة المنكوبة، وتتبعثر حبات الفستق والدواء مختلطةً ببعضها على طريق الجحيم والنار.
أدركتْ هبة أنّه لا مفرّ لها، حدّقت في وجهيهما وفي السيّارة، هل هو الرجل الذي صادفته في السوق، نعم إنّها نفس تفاصيل الرجل الذي حدّثها بخشونة.
نزل رجلان ضخمان من السيارة وظهرا أمامها كوحشين جائعين يسيلُ لعابُهما بشراهةٍ وهما ينظران للفتاة المسكينة، اقتربا منها وحاصراها من الأمام والخلف، حاولت التراجع ببطءٍ فاصطدمت بالرجل ووقعت أرضاً، صرخت بكلِّ ما تبقى فيها من وجع حتى ذبلت حنجرتها في صمت الخيبة. الغزالة الشاردة ضلّت طريقها نحو الأمان لتجد نفسها وحيدةً في بوتقة الجحيم. حملها الذئبان من بين أنياب القدر المشؤوم وركضا بها إلى قعر الغابة كفريسةٍ لا حول لها ولا قوّة.
بطفولةٍ مكبّلةٍ وأنفاسٍ مرتجفة فاضت عيناها بدموع الخيبة والخذلان وهي تحدّق في الدواء والفستق وأحلامها المتناثرة على الأرض. صورة والدتها وهادي لا تفارقان خيالها في شريط حياتها البائسة، وكأنّها وطنٌ صغير يتمزّق إرباً إرباااااا.
سالتْ دموعُ الأرض بصمتٍ مهيب وبراءةُ طفلةٍ تُغتصب على صدرها وهي مشلولةٌ لا تقوى على منعها، خلعتْ الأرضُ عن نفسها ثوب الكرامة، وباتت عاريةً وقاحلةً تئنُّ تحت أقدام الأشرار. أشجار الغابة كأشباحٍ تشهدُ على إعدام الحياة أمامها، لا ظلال لها ولا أحلامٌ منقوشة على جذوعها، كأن لم تُنصب عليها يوماً أرجوحةٌ، ولا عَلتْ يوماً بأحلام الطفولة نحو العنان. في لحظة شؤمٍ تحوّلت كلّها إلى رماد.
