المرأة السّورية في ظلِّ الدولة القومية بين الشّعارات والواقع – مولودة إيبو
المرأة السّورية في ظلِّ الدولة القومية بين الشّعارات والواقع

“قام النظام البعثي على شعارات المساواة والعدالة،
وادّعى تبني مشروعٍ يهدف إلى تحرير الإنسان،
بما في ذلك المرأة،
إلّا أنّ هذه الشّعارات بقيت في معظمها خطابًا نظريًا
دون تطبيقٍ فعليٍّ يُعزّز دور المرأة كشريكٍ حقيقيٍّ في المجتمع”
مولودة إيبو
المرأة مرآة المجتمع، ومن خلالها يُقاس مستوى تحضّره وتطوّره. فكلّما تمتّعت المرأة بالحرية والكرامة والحقوق، ازداد المجتمع تماسكًا وقوة. ورغم تكرار مقولة إنّ المرأة نصف المجتمع، بقي هذا الشعار فارغًا لم يُترجم إلى واقعٍ ملموس، خاصّةً في ظلِّ الأنظمة الاستبدادية التي ترفع شعارات المساواة والحرية، بينما تُمارس في الحقيقة سياسات الإقصاء والتهميش. في هذا السّياق يبرز التساؤل حول واقع المرأة في ظلِّ النظام البعثي في سوريا، وهل استطاعت أن تنال حقوقها فعليًا أم بقيت تلك الحقوق حبيسة الشّعارات الأيديولوجية؟
أولًا: الشّعارات الاشتراكيّة التي كانت تُسمع كلَّ يوم، وما هي حدود تطبيقها؟
قام النّظام البعثي في سوريا على الشّعارات الاشتراكية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وادّعى منذ نشأته تبني مشروع نهضوي يهدف إلى تحرير الإنسان ومن ضمنه المرأة. غير أنّ هذه الشّعارات بقيت في كثيرٍ من الأحيان خطابًا نظريًا ولم تترجم إلى سياساتٍ حقيقيةٍ تعزّز دور المرأة كشريكٍ فاعلٍ في المجتمع.
فعلى الرغم من تضمين بعض القوانين والدساتير نصوصًا تتعلق بحقوق المرأة، إلا أنّ الواقع العملي كشف استمرار البنية الاجتماعية التقليدية ذات الطابع الذكوري، الممتدة عبر آلاف السنين. لم تعمل السّلطة على تفكيك هذه البنية، بل ساهمت في ترسيخها واستثمارها لتعزيز نفوذها، كما تجلّى في تجربة الاتحاد النسائي الذي جاء برعاية أسماء الأسد.
هذا الاتحاد، الذي شغل أعضاؤه مواقع ومناصب داخل الدولة، بدا ظاهريًا ممثلًا للنساء، لكنّه في حقيقته لم يكن واضح التوجّه أو الدور، ولم يُعرف على أيِّ أساسٍ يستند أو ما هي حدود تأثيره. وبدلًا من أن يكون أداةً لتمكين المرأة وقيادتها داخل المؤسسات، تحوّل إلى إطارٍ يحتكر تمثيلها، ويوظّفها لخدمة مصالح ضيّقة، ما أبقى النساء ضمن أدوارٍ محددة دون تمكينٍ حقيقي في مراكز صنع القرار، واقتصر حضورهنَّ على تمثيلٍ شكلي.
كما ساهم هذا النموذج في تكريس التفاوت بين النساء أنفسهن، وتعميق البُعد الطبقي والاجتماعي، حيث ظهرت فئةٌ تحاكي السلطة الذكورية في ممارساتها، بعيدة عن القيم الاجتماعية والسياسية والتاريخية المرتبطة بقضايا المرأة. وقد شكّل ذلك أحد أبرز أسباب استمرار إقصاء المرأة والضغط عليها، رغم ما تمتلكه من قدراتٍ وكفاءاتٍ عالية عبر العصور. بذلك، تحوّلت هذه التجربة إلى نموذجٍ يُعيد إنتاج البنية السّلطوية ذاتها بأشكالٍ مختلفة، ويكرّسُ أسس الهيمنة بدلًا من تفكيكها، مما ساهم في تعميق الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية على حساب تمكين المرأة الحقيقي.
أيضًا؛ برزت في دمشق حركة “القبيسيات”، وهي حركةٌ اتخذت من الدين غطاءً لها، لكنّها أسهمت عمليًا في تعزيز نفوذ النظام البعثي. قد سعت هذه الحركة إلى نوعٍ من المساومة غير المباشرة مع حركة الإخوان المسلمين، وظهرت نساؤها بمظهر الحاميات للنظام، إلا أنّ دورهنَّ اتّجه نحو استهداف المرأة وتهميشها بشكلٍ أكبر بدلًا من تمكينها.
لكن، هل استطاعت هذه التسميات، سواء ما يُعرف بالاتحاد النسائي أو القبيسيات، أن تعزّز مكانة المرأة أو تصون حقوقها وتلغي أشكال الإقصاء التي تُمارس بحقها؟ وهل عملت فعلًا على تخليص المرأة من جرائم القتل تحت مسمى “الشّرف”، أو على محاسبة ظاهرة تعدد الزوجات التي كثيرًا ما استُغلت فيها المرأة كوسيلةٍ لا كإنسانٍ له حقوقه وكرامته؟ في الواقع، لم تتجاوز هذه الأطر حدود الخطاب الشّكلي، ولم تُحدث تغييرًا جوهريًا في البنية الاجتماعية أو القانونية، بل ساهمت في إعادة إنتاج التهميش بصورةٍ أكثر تنظيمًا، مع استمرار غياب المساءلة الحقيقية وتكريس الهيمنة الذكورية بأدواتٍ مختلفة
ثانيًا: التهميش السياسي والاجتماعي للمرأة
لم تكن المرأة في ظلِّ النظام البعثي شريكًا فعليًا في الحياة السياسية أو الاجتماعية، بل جرى توظيفها ضمن إطارٍ يخدم استمرار النظام. إذ لم تمنح المساحة الكافية للتعبير عن ذاتها ككيانٍ، بل جرى اختزال دورها كونها أداة ضمن منظومة السلطة. يظهر هذا التهميش في غياب النساء عن مواقع القرار الحقيقية، وفي اقتصار مشاركتهنَّ في أطرٍ شكليّة لا تمتلك تأثيرًا فعليًّا. كما استمرت مظاهر التمييز الاجتماعي بما في ذلك العنف القائم على التنوّع الاجتماعي وجرائم الشّرف دون معالجةٍ جذريّةٍ من قبل الدولة.
شكّلت المنظّمات مثل الاتحاد النسائي واجهةً رسميّةً لتمثيل المرأة, غير أنّ هذه المؤسسات لم تكن مستقلّة بل كانت خاضعةً لهيمنة الحزب الحاكم، وقد شغلت مناصبها نساءٌ مرتبطاتٌ بالسّلطة، مما جعلها بعيدةً عن تمثيل هموم النساء، كما جعلها بعيدةً كلَّ البعد عن هموم وآلام النساء الحقيقية.
وبدلًا من أن تكون هذه المؤسسات أداةً للدفاع عن حقوق المرأة تحوّلت إلى جزءٍ من منظومة الضبط الاجتماعي والسياسي، حيث أعادت إنتاج أنماط السلطة ذاتها وأكثر. كما مارست الأساليب القمعيّة في المؤسسات التربوية والاجتماعية بما يعكس تبنيها النهج السلطوي الذي لا يختلف عن نظيره الذكوري. لم يسعَ النظام البعثي إلى تفكيك الثقافة الذكورية المتجذّرة في المجتمع، بل أعاد إنتاجها ضمن إطارٍ حديث يخدم مصالحه، فبقيت المرأة خاضعةً لعلاقات الهيمنة سواء داخل الأسرة أو في الفضاء العام.
كما تجلّى التميّز الطبقي بشكلٍ واضح، حيث حصلت النساء المرتبطات بالسلطة على امتيازاتٍ خاصّة، في حين عانت نساء الطبقات الفقيرة من التهميش والاستغلال. وقد جرى توظيف حاجتهنَّ الاقتصادية لدمجهنَّ في شبكاتٍ تخدم النظام، سواء بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة.
لم يقتصر التحكّم بالمرأة على المؤسسات الرسميّة، بل امتدّ إلى المجال الديني والاجتماعي من خلال دعم حركاتٍ وتنظيماتٍ ذات طابعٍ ديني مثل (القبيسيات) أي الجماعات النسويّة، والتي عملت تحت غطاءٍ ديني بينما أدّت دورًا في تعزيز السيطرة الاجتماعية والسياسية. ساهمت هذه التنظيمات في تقييد دور المرأة المستقلّة وإضعاف حضورها في القضاء العام خاصّةً إذا لم تكن منخرطةً ضمن منظومة السّلطة.
ثالثًا: القمع والانتهاكات بحق النساء
تعرّضت النساء في سوريا خاصّةً خلال فترات الصراع لأشكالٍ متعددةٍ من الانتهاكات التي وثّقتها منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، وشملت هذه الانتهاكات الاعتقال التعسّفي الذي كان يفتقر إلى أدنى المعايير الإنسانية، كوسيلةٍ للضغط على أفراد عائلاتهن، التعذيب الجسدي والنفسي بما في ذلك الضرب والصعق بالكهرباء، الحرمان من النوم والطعام، الحبس الانفرادي لفتراتٍ طويلة، الإهانات اللفظية والمعاملة المهينة.
لا يمكن اعتبار هذه الممارسات حالاتٍ فردية، بل كانت جزءًا من منظومةٍ قمعيّة ممنهجة هدفت إلى إخضاع المجتمع ككل، حيث استخدمت المرأة كوسيلة ضغط اجتماعي وسياسي. هنا نستطيع القول بأنَّ النظام البعثي السّوري رغم ادعائه الدعوة إلى تحرّر المرأة لكنّه لم ينجح في تحقيق هذا الهدف على أرض الواقع، بل على العكس أسهم في إعادة إنتاج التهميش والهيمنة، سواء عبر مؤسساته الرسميّة أو من خلال البنية الاجتماعيّة التي حافظ عليها، أو من خلال غياب التشريعات الفعّالة والآليات الرقابيّة، الأمر الذي ساهم في استمرار هذه الانتهاكات دون محاسبة حقيقية.
مع ذلك؛ فإنّ تاريخ المرأة السّورية لم يخلُ من النضال، إذ واصلت العديد من النساء مقاومة هذه الظروف، والسّعي لنيل حقوقهن رغم القيود المفروضة عليهن. عليه؛ فإنّ أيَّ مشروعٍ حقيقيٍّ لتحرير المجتمع لا يُمكن أن يتحقق دون تمكين المرأة بشكلٍ فعلي، ليس فقط عبر النصوص والشّعارات، بل من خلال سياساتٍ حقيقيةٍ تضمن مشاركتها الكاملة في مختلف مجالات الحياة، وتكفلُ حمايتها وتُعزز دورها كشريكٍ أساسيٍّ في بناء مستقبلٍ أكثر عدلًا وإنصافًا.
ختامًا يمكنني القول: إنّ مستقبل سوريا الجديدة يرتبط بشكلٍ وثيقٍ بمدى الاعتراف بدور المرأة كشريكٍ كامل، والعمل الجّاد على إزالة العوائق القانونيّة والاجتماعية التي تعيق مشاركتها، بما يضمن تحقيق العدالة والكرامة لجميع أفراد المجتمع.
