الفنُّ رحلةٌ للبحث في الذّات وتجاوز الزمن – الفنانة التشكيلية: ميديا أمراني
الفنُّ رحلةٌ للبحث في الذّات وتجاوز الزمن

“أعتبرُ الفنَّ رحلةً في البحث عن الذّات،
لبلورة عملٍ فنيّ يعكس مشاعر الرضى والحب،
فالفنّ يتخطّى حدود الزمن، ويرسم ملامح البقاء،
وهذا ما أسعى إليه في استمرارية عطائي
من خلال نتاجي الفني ولوحاتي المنفَّذة بالخامة الزيتية“
الفنانة التشكيلية: ميديا أمراني
أنا ميديا أمراني من سري كانيه المحتلة ولدتُ عام 1992. مدينتي تعني لي الكثير فهي أنا، هي نحن، هي ذاكرتنا الجميلة، الأرض التي منحتنا الحياة، كلُّ شيءٍ فيها كان مختلفًا فهي الروح التي أبقتنا نستمر، لنعود إليها يومًا ما. منذ الصغر كانت جدران البيت لوحاتي الأولى. لم أكن أملك المعرفة ولا الأدوات الكافية، كنت أستخدم موادًا من محيطي وحياتي اليومية مثل فحم البطاريات، بويا الأحذية، ملوّنات الطعام، وأحيانًا بعض أدوات المكياج من الفتيات حولي.
ربّما أكون مختلفةً عن الكثيرين، إذ أنني لستُ من أولئك الذين وجدوا دعمًا أساسيًا منذ البداية، بل على العكس تمامًا واجهتُ الرفض في كثيرٍ من الأحيان. كان حبي للرسم، والشعور الذي كان ينعكس داخلي أثناء ممارسته هو الداعم الأساسي لي، وهو ما منحني الاستمرارية ومحاولة البحث عن ذاتي، علّني يومًا ما أرسم لوحةً ذات قيمةٍ فنيةٍ عالية.
التحقتُ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية/قسم الأدب الإنكليزي في حلب وتخرجت عام 2022. يُعتبر قلم الرصاص غالبًا المرحلة الأولى التي تُمهّد لما يليها، وتختلف هذه التجربة من شخصٍ لآخر. أمّا أنا، فأستمتع بالرسم بالألوان الزيتية وبكيفية مزجها، لمرونتها وإمكانية التعديل عليها لاحقًا.

الفن الانطباعي التعبيري هو مصطلحٌ يُستخدم لوصف تداخل أو تقاطع بين الانطباعية والتعبيرية، أي أسلوبٌ فنيٌّ يجمع بين التقاط اللحظة والمشهد وبين التعبير عن الشعور الداخلي للفنان. حتى الآن ما زلت أبحث عن نفسي، ولا أستطيع تحديد أسلوبٍ واضحٍ لما أرسمه، لكنني أجدني متأثرةً بالانطباعيّة، تستهويني ضربات الريشة القاسية أو الواضحة، والظل والنور الحاد.
جميع لوحاتي قريبةٌ مني، بغضّ النظر عن الفجوات أو الأشياء غير المكتملة فيها، وبعيدًا عن قلّة الخبرة، فأنا أعتبر كلَّ لوحةٍ نتيجة جهدٍ وحالة استمتاع. هذه التجارب هي ما تدفعني لأن أحاول إنجاز لوحةٍ أفضل غدًا وفي المستقبل. ربّما تزعجني أحيانًا رائحة النفط، إضافةً إلى التفاوت في جودة الألوان ونوعيتها، إلى جانب الفوضى التي ترافق إيجاد المساحة الخاصة، لكنّها فوضى تُشبع الروح.
نظّمتُ معارض كثيرة تنوّعت بين الفردية والجماعية، شكّلتْ كلُّ واحدةٍ منها محطةً أساسيةً في مساري الفني. كان أوّل معارضي الفردية بعنوان رسائل نيسان، والذي افتُتح في مدينة سري كانيه عام 2017، قبل احتلالها، ليحمل في طيّاته ملامح البدايات الأولى وتجربة ذاتية صادقة. في عام 2018 شاركتُ في المعرض الفنّي لمهرجان أدب وثقافة المرأة الثاني، لتبدأ بعدها مرحلة مختلفة تمامًا مع النزوح عام 2019، وهي مرحلةٌ يمكنني وصفها بالقاسية على المستويين الإنساني والنفسي. رغم ذلك، بقي الرسم ملجأي المعتاد والمساحة الأكثر أمانًا للتعبير والاستمرار.
مع وصولي إلى مدينة قامشلو، كان مركز الفنون وجهتي الأولى، وهناك تغيّرت الكثير من الأمور لدي إذ تعلّمت الرسم بشكلٍ أكثر أكاديمي، سواء من حيث التعامل مع الخامات وتقنيات استخدامها، أو من حيث تعميق فهم أهمية الفن ودوره في المجتمع. شاركتُ في المعرض الفني لمهرجان خجخجوك – شقائق النعمان عام 2021، والمعرض الفني للتنوع الثقافي والمعرض الفني لمهرجان أدب وثقافة المرأة السابع ومعرض هنار – رمان ، وغيرها من المعارض الجماعية. في عام 2025 افتتحتُ معرضًا فرديًا بعنوان ما وراء المكان.
كان معرض ما وراء المكان تجربةً لمحاولة بث روحٍ من العزم والإصرار والإيمان بأنّ بمقدور كلٍّ منا أن يخلق شيئًا جميلًا، وأن نمنح المكان الذي بلا روح روحًا جديدة بمزيجٍ من الألوان، وأرواح الأشخاص الذين ارتادوا المعرض، وكلماتهم التي تركت أثرًا فيني ومنحتني الحافز للاستمرار وتقديم ما هو أقرب للمجتمع وذو أثرٍ حقيقي. مجموعة اللوحات في المعرض استوحيتها من ألوان الرمان الأحمر، البنفسجي، والأزرق، لأنّها تحمل في طيّاتها ذكريات طفولتي وأرضنا في مدينة سري كانيه، حيث كانت هناك بساتين الرّمان المنتشرة التي شكّلت جزءًا من حياتنا اليومية. كلُّ لونٍ اخترته في لوحاتي يعكس شعورًا مختلفًا، الأحمر يرمز للحيوية والعاطفة، البنفسجي للحلم والخيال، والأزرق للهدوء والسكينة التي كنت أشعر بها وأنا أتجوّل بين أشجار الرمان. هذه الألوان ليست مجرّد ألوانٍ على لوحة، بل هي حكايةٌ عن جذوري وارتباطي بالأرض والبيئة التي نشأت فيها.

كثيرًا ما كنت أخاف استخدام هذه الألوان التي يمكن تسميتها بالصاخبة، لكن هذه المرّة تجرّأتُ، كبدايةٍ لإنجاز مجموعة لوحاتٍ بنفس الدرجة اللونيّة ومرتبطة بالموضوع الذي اخترته، وكمحاولةٍ لاستكشاف نفسي بأكثر الألوان التي كنت أشعر أنّها بعيدةٌ عني. إلى جانب تجربتي الفنيّة ومعارضي المتعددة، بادرتُ إلى تنفيذ عملٍ مجتمعي إنساني، تمثّل في مبادرةٍ فرديةٍ ضمّت ست عشرة لوحة فنية، خصّصت لقسم الأورام في مشفى ابن النفيس بمدينة دمشق عام 2024.
شكّلت هذه الإنجازات ثمرة تعبٍ حقيقي وتجربةً تراكميّةً سعيتُ من خلالها إلى أن يكون للفنّ أثرٌ فعليٌّ يتجاوز حدود المعارض والجدران. هذا المسار لم يمر دون تقدير، إذ حظيت بتكريمات متعدّدة ضمن مهرجان المرأة في دوراته الثانية والسابعة والعاشرة، التي أُقيمت في أعوام 2018 و2022 و2025. كلُّ تكريمٍ كان بمثابة دفعةٍ إضافيّةٍ تُشجّعني على الاستمرار وتؤكّد لي أنّ الفن ليس مجرّد هواية، بل وسيلة للتواصل مع الآخرين ونقل الرسائل الإنسانية والاجتماعية.
من الصعب عادةً الموازنة بين العمل والموهبة، خاصّةً أنّ الرسم يحتاج إلى متسعٍ من الوقت ومساحةٍ مكانيةٍ، أحيانًا بالصخب وأحيانًا بالهدوء. لكن وجودي في مركز مالفا للفنون والثقافة، منحني الفرصة للاستمرار، حيث بات بإمكاني ممارسةُ الرسم ضمن أوقات عملي، وأُتيحت لي المساحة الكافية لممارسة ما أحب. أؤمن أنّ كلّ ما يمارسه الإنسان بحب، ويمنحه شعورًا مختلفًا عمّا يعيشه يوميًا، وخصوصًا الفنون، يجعل من رحلة الاستكشاف والبحث أجمل ما يمكن. قد نتراجع أحيانًا أو نتوقف، لكنّ ذلك الشعور يُعيدنا للاستمرار ولو ببطء. لذا؛ لا بدّ من الاستمرار من أجل ما نحلم يومًا بتحقيقه.
على الإنسان أن يبقى وفيًا لشغفه. تمرّ ظروفٌ وأوقاتٌ قد تدفعهُ للتراجع أو الإهمال، لكن هذا لا يعني أنّ الحبَّ تجاه الموهبة قد مات. طالما أنّ هناك استمرارية، سيأتي اليوم الذي نصل فيه إلى أحلامنا التي نعيشها في مخيّلتنا ونتمنّى تحقيقها.
