المرأة السّورية.. حجر الأساس في بناء سوريا المستقبل – رجاء شوفي

المرأة السّورية.. حجر الأساس في بناء سوريا المستقبل

“إنّ بناءَ سوريا المستقبل لا يمكنُ أن يتمَّ دون

 الاعترافِ بأنَّ المرأةَ هي من حافظتْ

على ما تبقّى من إنسانيّةٍ في هذا المجتمع،

 وهي التي علّمت الأطفال أنّ الوطنَ

 ليسَ مجرّدَ حدودٍ، بل هو كرامةٌ وحق”

رجاء شوفي

 

المرأة السّورية هي  العمود الفقري الذي استندت إليه البلادُ خلال سنوات الحرب الطويلة والأزمات المتلاحقة. من قلب المعاناة، ومن السويداء إلى قامشلو ودمشق وحلب، لم تكن المرأة مجرّد ضحيةٍ للنزوح والتهجير، بل تحوّلت إلى حارسةٍ للهويّة، ومحرّكٍ أساسي للاقتصاد المنزلي، وصوتٍ صارخٍ للمطالبة بالحقوق المدنية والسياسية. في مقالتي هذه سأُسلّطُ الضوء على وضع المرأة السّورية مع التركيز على دورها المحوري في الحفاظ على النسيج الوطني.

بدأتْ الأزمةُ السّورية بانهيارٍ مفاجئٍ للأمان، فكانت المرأة هي الأكثر عرضةً لتبعات التهجير القسري. وجدت آلاف النساء أنفسهن مسؤولاتٍ عن تأمين لقمة العيش وحماية الأطفال في بيئاتٍ غريبة وغير آمنة. ففي النزوح الداخلي اضطرت المرأة السّورية للتنقل بين المحافظات، وافتراش مراكز الإيواء، حيث واجهت تحدّياتٍ هائلة في الخصوصيّة والصحة. أمّا في اللجوء الخارجي – في بلاد الاغتراب – كانت المرأة السّورية هي الجسر الذي يربط العائلة بجذورها، حيث سعت للحفاظ على اللغة والتقاليد السّورية وسط ثقافاتٍ متباينة.

المرأة في السّويداء.. الخصوصيّة والدور الريادي

في السّويداء؛ اتخذ دور المرأة طابعًا يمزجِ بين التمسّك بالقيم الموروثة والانفتاح نحو التغيير. لم تكتفِ المرأة بدور “ربّة المنزل”، بل كانت فاعلًا اجتماعيًا وسياسيًا بارزًا في الحفاظ على التماسك المجتمعي، إذ لعبت نساء السويداء دورًا كبيرًا في المبادرات الأهليّة، وتوزيع المعونات، وفتح المنازل للنازحين من المحافظات الأخرى، مما عزز روح المواطنة. كما شاركت المرأة في السّويداء في الحراك السّلمي، وبرزت بشكلٍ لافتٍ في الوقفات الاحتجاجيّة والمطالبة بالحقوق المعيشية والكرامة، ووقفت في الصفوف الأولى، مما يعكس وعيًا سياسيًا متجذرًا وحرصًا على الهويّة السّورية الجامعة.

المرأة السّورية حارسة الهويّة الوطنيّة والنسويّة

 

بينما كانت نيران الحرب تحاول تمزيق النسيج الاجتماعي، كانت المرأة السّورية تخيط هذا التمزّق بيديها، لا بخيطٍ عادي بل بذاكرةٍ حيّةٍ وإرادةٍ لا تنكسر؛ فمن قلب الألم أعادت تشكيل الهوية الثقافية عبر تفاصيل بسيطة بدت كأنّها مقاومة صامتة، في طبقٍ يُطهى على عجل، أو حكايةٍ تُروى للأطفال قبل النوم، أو ثوبٍ تقليدي يُحفظ كأنّه وثيقة انتماء، لتبقى “روح سوريا” حيّة في قلوب الأجيال الجديدة، سواء في المخيمات أو في دول اللجوء. في الوقت ذاته، لم تكتفِ المرأة بدور الحافظة، بل تحوّلت إلى فاعلٍ سياسي وحقوقي، إذ نشأت خلال الأزمة حركاتٌ نسويّة رفعت سقف المطالب من مجرّد النجاة إلى الشراكة الحقيقية، مطالبةً بتمثيلٍ عادلٍ في مسارات التفاوض وصياغة الدستور المستقبلي، ومؤكدةً أنّ إعادة بناء سوريا لا يمكن أن تتم دون صوت النساء وخبراتهن، فهنَّ لم يكنَّ على هامش الحكاية، بل في صلبها، يعِدن رسم ملامح المستقبل بثباتٍ يشبه الأرض حين تتعافى بعد العاصفة.

أدّت الحرب إلى فقدان المعيل في الكثير من الأسر، مما وضع المرأة أمام تحدٍّ اقتصاديٍّ مباشر، فوجدت نفسها فجأةً في مواجهة مسؤولياتٍ ثقيلةٍ لا تحتمل التأجيل، لكنّها لم تتراجع، بل أعادت ترتيب الأولويات وصنعت من الضرورة بابًا للابتكار والعمل. من هنا انتشرت المشاريع الصغيرة كمساحاتٍ للنجاة والكرامة معًا، حيث تحوّلت البيوت إلى ورش إنتاجٍ نابضةٍ بالحياة، من الصناعات الغذائية إلى الخياطة والأعمال اليدوية، في مشهدٍ يعكس قدرة المرأة على تحويل أبسط الإمكانات إلى مصدر دخلٍ واستقلال. مع اتساع هذا الدور، دخلت النساء سوق العمل بقوة، واقتحمن مجالاتٍ كانت تُعدُّ حكرًا على الرجال، مثبتاتٍ كفاءةً عالية وإصرارًا لافتًا، الأمر الذي ساهم تدريجيًا في تغيير النظرة المجتمعية التقليدية لدور المرأة الاقتصادي، لتصبح شريكًا أساسيًا في الإنتاج لا مجرّد داعمٍ هامشي. لم يتوقّف هذا التحوّل عند حدود تأمين لقمة العيش، بل أسّس لوعيٍ جديدٍ يرى في تمكين المرأة اقتصاديًا خطوةً جوهريّة نحو إعادة بناء مجتمعٍ أكثر توازنًا وعدالة، حيث تتقاطع الكرامة مع العمل، ويولد الأمل من قلب التحدّي.

رغم تدمير المدارس والجامعات، ناضلت الأم السّورية لضمان استمرار تعليم أطفالها. كما أنّ الشّابات السّوريات برزن في الجامعات العالميّة والمحليّة، محققاتٍ مراكز متقدّمة وهو ما يعتبر ردًا حضاريًا على محاولات التجهيل والتغييب. دور المرأة السورية قبل وبعد الأزمة تحوّل إلى جزءٍ وجداني وقانوني ينسج ألم الواقع السوري بآمال التغيير. لتكون هذه المقالة مرآةً حقيقيةً وصادقة للمرأة في السويداء والساحل والشمال وكل شبر من هذه الأرض.

بعيدًا عن الأرقام والتقارير، تعيش في عين كلِّ امرأةٍ سوريةٍ حكايةٌ لم تُحكى بعد. هي “نول” الحكايا التي لا تنتهي، ففي جبل العرب بالسويداء، تقف المرأة بشموخ أشجار اللزاب، تحرس ذكريات بيوتها العتيقة وصوت المهباش الذي لم ينقطع كرمه رغم شحّ الزمان. وفي جبال الساحل، تمزج المرأة دمعها بملح البحر، تنتظر غائبًا أو تزرع تبغًا في أرضٍ روتها بجهدها وعرقها. وفي الشّمال كان دورها صعبًا، حملت السلاح وواجهت الشرَّ بكلِّ مكوناته (داعش) وزجّت بهم في السجون والمخيمات حتى لا يصل هذا الفكر إلى المجتمع كافة.

هذا الوجدان السّوري المشترك هو ما جعل من “الهويّة الوطنيّة” ليست شعارًا فحسب، بل ممارسةً يوميّة. هي الرائحة التي تنبعث من خبز “الصاج” في القرى، وهي الأغاني الحزينة التي تُغنى في الأتراح، وهي الزغاريد التي تخرج من القلب رغم الغصّة. لقد حوّلت المرأة السّورية البيت من جدرانٍ إسمنتية إلى مفهومٍ معنويٍّ للوطن، فبقي الوطن حيًّا بفضل تمسّكها بتفاصيل الحياة الصغيرة.

لا تكتملُ المشاركة الفعّالة للمرأة إلا ببيئةٍ قانونيةٍ تحمي مكتسباتها التي نالتها بجدارةٍ خلال الأزمة. فبينما كانت المرأة في السويداء والساحل تقود أسرتها اقتصاديًا، واجهت عوائق تشريعية تحتاج إلى مراجعةٍ عميقةٍ منها:

  • قوانين الأحوال الشخصيّة: برزت الحاجة الماسّة لتعديل القوانين المتعلّقة بالولاية، والحضانة، والميراث. فمن غير المنصف أن تكون المرأة هي “المعيل والمدبّر” في الواقع، بينما تظلُّ قاصرةً قانونيًا في بعض الجوانب الإجرائيّة.
  • حقوق الملكيّة والسّكن: خلال النزوح، فقدت الكثير من النساء حقوقهن في الملكيّة بسبب غياب الوثائق أو القوانين التي لا تعترف بملكيّة المرأة للأرض في بعض الأرياف. الصمود النسوي اليوم يطالب بضماناتٍ قانونية تُثبت حق المرأة في ممتلكاتها وميراثها.
  • الجنسية والمواطنة: تزايدت المطالب النسويّة بتمكين المرأة السّورية من منح جنسيتها لأطفالها، كجزءٍ لا يتجزأ من مفهوم المواطنة الكاملة والهوية الوطنية التي لا تفرّق بين رجلٍ وامرأة.

إنّ وضع المرأة السّورية، من المهجرين في الخيام إلى الصامدات في جبل العرب والساحل، هو وضع “البطلة التراجيدية” التي رفضت الانكسار. هي لم تعد تطلب تمثيلًا بل تفرض وجودًا. إنّ بناء سوريا المستقبل لا يمكن أن يتمَّ دون الاعتراف بأنّ المرأة هي من حافظت على ما تبقّى من إنسانية في هذا المجتمع. هي التي علّمت الأطفال أنّ الوطن ليس مجرّد حدود، بل هو كرامة وحق. وهي التي أثبتت أنّ “النسويّة” في سوريا ليست استيرادًا ثقافيًا، بل هي ابنة الأرض، نبتت من حاجة الأمهات لحماية أبنائهن، ومن حاجة المجتمع للعدالة والمساواة.