الاندماج الديمقراطي.. مشروع لإعادة البناء على أسس الحرية والديمقراطية – زليخة عبدي
الاندماج الديمقراطي.. مشروع لإعادة البناء على أسس الحرية والديمقراطية

بقلم: زليخة عبدي
“الاندماج الديمقراطي مشروعٌ يهدف إلى إعادة بناء المنطقة على أسس الحريّة والديمقراطيّة،
وينطلق من قناعةٍ مفادها أنّ الحلول الدائمة للأزمات لا تتحقق عبر التصعيد العسكري،
وإنّما من خلال الاعتراف بالحقوق المتساوية، وتأسيس جمهوريّة ديمقراطيّة تشاركيّة”
إنّ البشر عاشوا قبل آلاف السنين حياةً طبيعية اتسمت بالمحبة والتسامح والترابط الاجتماعي، حيث كان الفرد يعمل من أجل الجماعة، والجماعة تعمل من أجل الفرد، وكان الجميع يتكاتفون لحماية الكلان أو الجماعة من المخاطر المحدقة بهم. استمرّت هذه المرحلة لفترات طويلة إلى أن بدأ الإنسان بالاستقرار وممارسة الزراعة، فتطوّرت الأدوات وأساليب الحياة، وظهرت الزقورات التي أسست لمرحلة جديدة من التاريخ الإنساني اتسمت بظهور السلطة والهيمنة على المجتمع.
مع هذه المرحلة بدأت الحياة الطبيعية بالتراجع، ليحلَّ محلّها نظامٌ قائمٌ على الكهنة والسلطات التي عاشت على حساب الناس، وظهرت طبقات اجتماعية متباينة بين السادة والعبيد، مما أدى إلى اتساع الفوارق الاجتماعية التي كانت سائدة في المجتمعات الأولى.
في مواجهة هذا الواقع، ظهر عدد من الفلاسفة والدعاة الذين سعوا إلى تغيير هذا المسار وإعادة المجتمع إلى حالة النقاء والصفاء الأولى، إلا أنّ محاولاتهم لم تنجح في إحداث التغيير المطلوب. مع مرور الزمن ظهرت الأديان التوحيدية التي دعت إلى عبادة إله واحد، وأكّدت أنّ البشر جميعًا متساوون في الخلق، ولا تمييز بينهم إلا بالعمل الصالح، في محاولة لكسر حالة الفوضى التي عاشتها المجتمعات من قتل وجوع وتفرقة وظلم.
في عهد النبي يوسف عليه السلام تتجلى صورة من صور تلك المرحلة الاجتماعية، إذ قام إخوته ببيعه لتاجرٍ بعد أن ألقوه في البئر، ليُنقل بعدها إلى مصر ويُباع في سوقها حتى وصل إلى قصر عزيز مصر. إذا كان ابن النبي يعقوب عليه السلام قد تعرّض للرمي في البئر والبيع كونه ليس من أم إخوته.
بدأتُ بهذه السردية التاريخية لفهم حجم التحوّلات التي مرّت بها البشرية وما آلت إليه أوضاعها اليوم، حيث نعيش في مرحلة الرأسمالية العالمية التي باتت تتحكم في زمام الأمور. خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية عملت الدول العظمى على إعادة رسم خريطة الشعوب وفق رؤيتها السياسية، فتم تقسيم المجتمعات إلى قوميات ودول قومية، وكان لمنطقة الشرق الأوسط نصيبٌ كبير من هذه السياسات نظرًا لأهميتها الجغرافية والتاريخية، إضافة إلى ما تمتلكه من ثروات طبيعية وباطنية.
لم تكتفِ القوى الكبرى بصناعة الدول القومية، بل قامت وفق اتفاقية سايكس بيكو، بتقسيم جغرافية كردستان إلى أربعة أجزاء موزعة بين تركيا والعراق وسوريا وإيران. منذ ذلك الوقت بدأ الشعب الكردي يواجه سياسات الإقصاء والإنكار والتمييز، وتعرض لسلسلة من المجازر والانتهاكات، كما مورست بحقه سياسات الصهر القومي ومحاولات دمجه قسرَا ضمن القوميات العربية والتركية والفارسية، إضافة إلى حرمانهم من حقوقهم القانونية.
عاش الشعب الكردي مراحل طويلة من الاضطهاد والإنكار، حتى بات الكثيرون يخشون التصريح بحقيقة أصولهم العرقية التي تمتد إلى تاريخ حضارة ميديا، تلك الحضارة التي تركت إرثًا إنسانيًا وحضاريًا مشرقًا للبشرية. رغم ذلك، لم يتوقف الشعب الكردي يومًا عن المطالبة بحقوقه الثقافية واللغوية والقانونية، فظهرت العديد من الحركات التحررية إلا أنّ معظمها تعرض للقمع وانتهى بالقضاء على قياداتها وإفشال مشاريعها.
أدى تكرار إخفاق تلك الحركات إلى تعميق حالة الخوف لدى الكردي من التعبير عن هويته ولغته الأم، حتى أصبحت كلمة “الكرد” كالذيل الذي يجره وراءه الكردي. جاءت كارثة إبادة كرد حلبجة ومجازر الأنفال التي ارتكبتها السلطة العراقية آنذاك بقيادة صدام حسين وبفكرها البعثي الشوفيني، لتشكل إحدى أكثر الصفحات مأساوية في تاريخ الشعب الكردي. مع انتهاء تلك المرحلة، دخل جنوب كردستان مرحلة جديدة من البناء والتجربة السياسية، وهي تجربة لم تخلوا من التحديات والصعوبات. اليوم، ومع التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة وتغيّر موازين القوى، يواجه جنوب كردستان تحديات ومخاطر جديدة.
أمّا تجربة الحركة الكردستانية التي قادها المفكر عبد الله أوجلان، في بداية السبعينيات كحركةٍ طلابية رأت حجم الظلم الواقع على الشعب الكردي من قتل وتهجير وتجويع وحرمان من الخدمات الأساسية في المناطق الكردية، إضافةً إلى منع الكردي من التحدث بلغته الأم. دفعت هذه السياسات إلى ظهور أحزاب وحركات تحررية رأت في الاستقلال حلًا للقضية الكردية، فخاضت مواجهات طويلة مع الدول القومية التي مارست مختلف أشكال العنف والقمع، في حرب استنزفت دماء الكرد لعقود طويلة.
مع مرور السنوات وتراكم الخبرات النضالية والكفاحية، بدأت مرحلة جديدة تقوم على مشروع يسعى إلى خدمة جميع الأطراف والحفاظ على الأرواح ومنع إهدار المزيد من الدماء. فقد أدركت الحركة أنّ الحلول السلمية تمثل الطريق الأكثر واقعية نحو تحقيق الحرية والكرامة للشعب الكردي، وأنّ البحث عن السلام وإيجاد حلول ديمقراطية من خلال الاندماج مع هذه الدول يمكن أن يفتح الباب أمام مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة للطرفين معًا.
من هنا، لا بد من التوقف عند هذا الطرح الجديد ومفهوم الاندماج الديمقراطي، باعتباره أحد أهم المفاهيم التي برزت في السنوات الأخيرة بوصفه مدخلًا لمعالجة القضايا العالقة وبناء شراكة قائمة على الاعتراف المتبادل. لبيان مفهوم الاندماج الديمقراطي لا بد أولًا من التوقف عند مفهوم الاندماج لغةً واصطلاحًا. لغةً؛ يُقصد بالاندماج امتزاج الشيء بالشيء أو انضمام جزءٍ إلى كل أكبر منه ليشكلا معًا كيانًا واحدًا متجانسًا. أمّا اصطلاحًا، فهو عملية دمج فرد أو مجموعة ضمن مجتمع أو نظام أكبر، بحيث يصبحون جزءاً منه ويتفاعلون معه.
يُعدُّ هذا الطرح بمثابة الطريق الثالث والخيار الاستراتيجي لتحقيق السلام وبناء جمهوريات ديمقراطية في الدول التي قُسمت فيها جغرافية كردستان، بوصفه نموذجًا جديدًا يتجاوز النموذج التقليدي للدولة القومية. فالاندماج وفق رؤية الفيلسوف عبد الله أوجلان، يقوم على تكامل المجتمع الديمقراطي مع الدولة القومية دون صهر الهويات أو إذابتها، وعلى إعادة بناء الجمهورية باعتبارها كيانًا قائمًا على الوحدة والتعددية في إطار دستوري وقانوني يضمن حقوق جميع المكونات ويحميها.
من هذا المنطلق، يعني الاندماج اندماج الكرد في الدول القومية كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، لا كأقلية أو عدو، كما يعني اندماج مختلف الهويات والقوميات ضمن إطار جمهورية ديمقراطية واحدة تقوم على مبدأ المواطنة المشتركة والتنوع الثقافي. كذلك يشمل اندماج الأحزاب الكردية في الحياة السياسية السلمية بعد إنهاء مرحلة الكفاح المسلح، التي كان لها دور مهم في إيصال القضية الكردية إلى الرأي العام العالمي.
هنا نستخلص أنّ الاندماج العام غالبًا ما يُفهم بوصفه ذوبانًا في الأغلبية أو فقدانًا للخصوصية الثقافية والقومية، بينما يطرح الفيلسوف عبد الله أوجلان مفهومًا مختلفًا يقوم على “التكامل مع الاختلاف” أو “الوحدة في التعدد”، حيث تبقى الهويات والثقافات مجتمعة تحت سقف ديمقراطي واحد.
يمر تحقيق السلام بمرحلتين مترابطتين، تبدأ الأولى بإنهاء الصراع المسلح، بينما تتمثل الثانية في مرحلة البناء الإيجابي وتعزيز الديمقراطية. كما تُعدُّ المواطنة المشتركة مبدأً أساسيًا يضمن حرية الهويات والمعتقدات وتشكل الأساس لانتقال العملية من المرحلة السلبية إلى المرحلة الإيجابية. من أجل تحقيق ذلك، لا بدَّ أن تُبنى الجمهورية الجديدة على تشريعات وقوانين تكفل حقوق الشعوب.
يسعى المفكر عبد الله أوجلان إلى تطبيق رؤيته على أرض الواقع من خلال الدفع باتجاه إصلاحات سياسية وقانونية ضرورية، إلى جانب اتخاذ إجراءات برلمانية تسهم في ترسيخ عملية التحوّل الديمقراطي، بدعم من حكومة العدالة والتنمية وحركة القوميين في تركيا. كما تبنى الفيلسوف أوجلان نموذج الهيكل المزدوج، الذي يقوم على انضمام قوات سوريا الديمقراطية إلى جيش النظام في دمشق ككتلة إلى جانب وجود قوات دفاع محلية، محذرًا من أنّ أي تحوّل ديمقراطي هش سيعيد إنتاج أشكال جديدة من الديكتاتورية.
بمعنى أدق؛ فإنّ مشروع الأمة الديمقراطية يتجاوز حدود الدولة الواحدة، إذ لا تقتصر رؤية الفيلسوف أوجلان على معالجة قضية داخل دولة بعينها، بل تمتد لتشكل مشروعًا فكريًا وسياسيًا شاملًا يهدف إلى إيجاد حلول لأزمات الشرق الأوسط بأكمله، من خلال بناء نموذج حكم جديد يتيح التعايش السلمي بين مختلف الشعوب والمكونات.
استنادًا إلى هذا الفهم لمفهومي الاندماج والاندماج الديمقراطي، يمكن استخلاص أنّ هذا المشروع يشكّل أحد الحلول المطروحة للأزمات العالقة في ظلِّ المتغيرات الدولية والإقليمية التي تشهدها المنطقة، ولا سيّما فيما يتعلّق بالقضية الكردية وقضايا الأقليات. فالاندماج الديمقراطي لا يخصُّ الكرد وحدهم، بل يشمل جميع المكونات والطوائف، بما فيها العلويون والدروز والمسيحيون.
لا يمكن إغفال ما تعرّض له أبناء الطائفتين العلوية والدرزية من انتهاكات ومجازر خلال مراحل مختلفة من الصراع السوري ومع مجيء السلطة الحاكمة المؤقتة في دمشق. بما أنّ سوريا لا تزال تعيش حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، فإنّ تبني مشروع الاندماج الديمقراطي يُطرح بوصفه أحد السبل الممكنة لمعالجة الصراعات.
إلا أنّ هذا المشروع ما زال يصطدم بعقبات تتعلق بفهم السلطة المؤقتة في دمشق وكذلك الدولة التركية لمفهوم الاندماج، إذ يُنظر إليه أحيانًا على أنّه استسلام للسلطة المركزية دون منح صلاحيات حقيقية للمجتمعات المحلية، مع الاكتفاء بنظام الإدارة المحلية الذي لا يلبي احتياجات المكونات التي عانت التهميش والإقصاء لعقود طويلة.
إنّه مشروع سياسي يهدف إلى إعادة بناء المنطقة على أسس الحرية والديمقراطية، وينطلق من قناعة مفادها أنّ الحلول الدائمة للأزمات لا تتحقق عبر التصعيد العسكري، وإنّما من خلال الاعتراف بالحقوق المتساوية وتأسيس جمهورية ديمقراطية تشاركية تتعايش فيها مختلف الهويات بحرية تحت مظلّة المواطنة المشتركة.
