الدفاعُ الذاتيُّ هو سياسةُ الأمنِ والحمايةِ للمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي، فالمجتمعُ العاجزُ عن حمايةِ نفسه، يَخسَر معانيَ صِفاتِه الأخلاقيةَ والسياسية

الدفاعُ الذاتيُّ هو سياسةُ الأمنِ والحمايةِ للمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي،

فالمجتمعُ العاجزُ عن حمايةِ نفسه، يَخسَر معانيَ صِفاتِه الأخلاقيةَ والسياسية

 “أنا أسميها نظرية الورد. فكرت في الوردة.

الوردة تنبت أشواكاً لتحمي نفسها.

حتى الوردة أو النبات له دفاعه الخاص.

حتى النظر إلى الطبيعة يكفي للدفاع عن النفس.

أليس من حقنا أن ندافع عن أنفسنا ولو بقدر وردة؟ الدفاع عن النفس مقدس.

ذكرت أن الجميع في كل فئة، النساء، وخاصة النساء، يجب أن يدافعن عن أنفسهن.

أخبرتهن أنه يجب عليهن تطوير دفاعهن عن أنفسهن.

يجب على الجميع أن يعرفوا كيف يحمون أنفسهم بوعيهم وإرادتهم.

ومن المثير للاهتمام أنني يجب أن أدافع عن أولئك الذين يحتاجون للدفاع عن أنفسهم”

 

 

المفكر عبد الله أوجلان

 

انفصالُ الإنسان عن “فصيلةِ الثدييات البدائية” السابقةِ له، وأطوارُ التطور النوعي ليس أمراً هاماً بالنسبة لموضوعنا. فنحن لا نبحث في الأنثروبولوجيا. لا ريب أننا كثيراً ما نصادف أمثلةَ العيش المشترك على شكلِ جماعاتٍ أو تجمعات، ليس في عالمِ الحيوان فحسب، بل وفي عالمِ النبات أيضاً. وبطبيعةِ الحال، فكلُّ نوعٍ مضطرٌ للعيش على شكلِ تجمعاتٍ متقاربة ومشتركة. فلا أشجارَ بلا غابة، ولا أسماكَ بلا سرب. ولكنّ تجمعَ الإنسان متمايزٌ بالماهية والنوعية. ولربما كان المجتمعُ إنساناً أعلى، أو أنه الجهازُ المنظِّمُ الذي خَلقَ وسيخلق الإنسانَ الأعلى. فلو أخذنا بإنسانٍ ما من المجتمع ورميناه في وسطِ غابة (بعد ولادته مباشرة، وبعد تأمينِ الحَصانة والحماية له)، فلن ينجو من التحول إلى كائنٍ ثديي بدائي. وإذا ما وضعنا بجانبه عدةَ أناسٍ أُخَر يشبهونه في الحالة، فستكون المرحلةُ المبتدئة أَشبَهُ كثيراً بالمرحلة الانتقالية الحاصلة لدى الثدييات البدائية. ولكنّ الأمرَ لا يسري على عالَمِ الحيوانات. هذا الوضعُ لوحده يدل بشكلٍ صارخ على القيمة المتمايزة للمجتمع الإنساني، وينير بشكلٍ فريدٍ دورَ الإنسان في بناءِ المجتمع، ودورَ المجتمع في إنشاءِ الإنسان.

لا ريب في أنه لا مجتمعٌ دون إنسان. ولكنّ الضلالَ الأكبر يكمن في اعتبار المجتمع مجردَ تجمعٍ من الأناس. فالإنسانُ بلا مجتمع ليس سوى كائنٌ ثديي بدائي. في حين أنّ الإنسانَ المجتمعي قادرٌ على التحول إلى قوةٍ مذهلة، وبلوغِ قدرةٍ فكرية عظمى. ولربما كان قرارٌ من الإنسان سبباً في تحويلِ العالم كله إلى صحراءَ قاحلة (كالإقرار بتفجيرِ القنابل النووية). هذا الإنسانُ قادرٌ على القيام برحلةٍ إلى الفضاء، وباكتشافاتٍ واختراعاتٍ لا محدودة. إننا نسرد هذه الأمثلة لإيضاحِ قوةِ المجتمعية وقدراتها. ومع أن التكوين الاجتماعيَّ من شؤونِ علمِ الاجتماع، إلا أنّ الموضوعَ الذي نقوم بتحليله مختلفٌ كلَّ الاختلاف. فبلوغُ المعرفة وبناءُ نَسَق الحقيقة يمران فقط وفقط من المجتمع. وكلُّ ما يتحقق في الفرد الإنسان لا بد وأن يكون مجتمعياً. لا نقصد هنا الإنسانَ الوارث وسليل الحيوانات والنباتات، ولا حتى المتبقي من الكون الفيزيائي أو الكيميائي. بل نتحدث عن الإنسان الناشئ ضمن المجتمع.

لقد قامت كلُّ نظمِ المدنيات، بما فيها الحداثةُ الرأسمالية، بالبحث والتدقيق في الإنسان منفصلاً عن التاريخ والمجتمع. أو بالأحرى، نظرَت إلى كلِّ الأفكار والبنى العائدة للإنسان بعينٍ منفصلة عن التاريخ والمجتمع، بل وطرحتها كإنجازٍ للأفراد المتعالين على المجتمع. ومنها ابتُدِعَت فكرةُ الملوك المتسترين والعراة، والآلهة المقَنَّعة وغير المقَنَّعة. أنوه إلى أننا عندما نتغلغل في مفهومنا واصطلاحنا بصدد المجتمع، سنتمكن من تحليل كل أولئك الملوك والآلهة، مثلما سنستطيع توضيح المنبع الأصلي لتلك الأفكار، وماهياتها، وبناها الاجتماعية الناشئة فيها، وبالأخص النظم الاجتماعية المولِّدة للقمع والاستغلال والاضطهاد.

إنّ طرحَ العلاقة بين الإنسان والمجتمع بأفضلِ الأشكال وأصلحها تُعَدُّ المسألةَ الأولية في الأسلوب. فكلٌّ من بيكون وديكارت المدَّعيان أنهما علميان للغاية، قد تناولا مسائلَ الأسلوب ومشاكله وكأنهما لا علمَ ولا روابطَ لهما بالمجتمع الذي يربيان ويتحركان ضمنه. في حين أننا نعلم اليوم عِلمَ اليقين أنّ المجتمع الذي تأثرا به ليس سوى ذاك المجتمعُ الذي أنشأ الرأسماليةَ كنظامٍ عالمي، أي، مجتمعَ البَلَدَين اللذين نسميهما اليوم إنكلترا وهولندا. بالتالي، فالأساليب التي اتبعوها وكوَّنوها ليست سوى أفكارٌ ذاتُ علاقةٍ وثيقة بالمجتمع الذي يُشهِر البابَ على مصراعيه أمام الرأسمالية.

علينا الاقتناع بمبدأِ العدالة في الكون. فما من موجودٍ يمكنه أن يُولَدَ دون علةٍ أو ظرفٍ مناسب. والطبيعةُ في تكوينها أكثرُ عدلاً مما نشاهد. وسنكون على صوابٍ فيما إذا اعتبرنا المجتمعَ المدينيَّ مسؤولاً عن فقداننا لمهاراتنا في الملاحظة، أو في تعرضها للتحريف والتشويه والتضليل. ووجودُ الإنسان أيضاً تطوُّرٌ عادل. وبالاستطاعة القول أنّ كلَّ النظام الكوني، والعالَم البيولوجي، والمؤسساتِ والمنظمات الاجتماعية مسخَّرةٌ لخدمةِ تكوينِ ونشوءِ الإنسان. فهل من عدالةٍ أعظم؟ أما إذا كانت التحريفات الكبرى المستفحِلة في المجتمع على يد الهرميةِ والدولة قد طمست هذه الحقيقة؛ فيجب البحث عن المسؤول ضمن هذه القوى البشرية المحرِّفة والمضلِّلة. وهذه بالذات مَهَمَّةُ الإنسانِ الباحثِ عن العدالة والمعني بها، فهو القادر على تطوير كافةِ أنواعِ المعاني والعمليات والممارسات اللازمة في سبيلِ العدالة. وبالطبع، فالأشخاصُ القائلون “أبحث عن العدل” هم الذين عليهم تحمُّل مشقاتِ هذه الوظيفة، وتلبية متطلباتها بأكثر الأشكال قيمةً وتنظيماً وعمليةً وديمومة.

يبدو أنّ اعتمادَ التنوعِ العظيم في العالَم البيولوجي، وأطوارِ التطور التدريجي (الطبيعي) أمرٌ ممكنٌ في إرشاداتنا الأولية، بل ويُسَهِّل مهمتنا. إذ، بمستطاعنا إدراك الانتقال الحاصل بين عالَمَي النبات والحيوان على نحوٍ أسهل بفضلِ فهمِ الانتقالات والتحولات المتبادلة بين الجزيئات والعناصر الحية وغيرِ الحية. وقد قَطَعَ العِلمُ مسافاتٍ شاسعةً في هذه المواضيع. فرغم كلِّ نواقصه والأسئلةِ العالقة دون رد، إلا أننا نتمتع بغنى شاملٍ من المعاني والاصطلاحات. فعالَمُ النبات بحدِّ ذاته معجزةٌ بكل معنى الكلمة، بدءاً من الطحالب البدائية إلى شجرةِ فاكهةٍ مذهلة، ومن الأعشاب إلى الورود الشائكة. كلها مؤشرٌ صارخٌ على قدرةِ المهارة والكفاءة الحيوية فيها. وبالأخص تلك العُرى الوثيقة والعلاقات المتناسبةُ طردياً بين جمالِ الوردة وآليةِ دفاعها عن ذاتها بالأشواك، والتي توحي ببعضِ الأمور حتى لأكثرِ الناس جهلاً وبلهاً. وأكثرُ جوانبِ التطور التدريجي لفتاً للأنظار هو احتضانُ كلِّ طَورٍ لاحقٍ لسابقه، وصونُه إياه في أحشائه كجزءٍ أو عاملٍ من عوامل الغنى، لدرجةِ أن آخِر نباتٍ يستمر في وجوده كـ “الأم” باعتبارِه مختزَلَ كلِّ النباتات. بمعنى آخر، وعلى نقيض ما يُعتَقَد، فالتطورُ الطبيعي لا يكون بإفناء البعض (وجهة النظر الداروينية الوثوقية الدوغمائية)، بل يحقق سيرورته وديمومته بالإغناء والإكثار. إنه تطورٌ يسري من النوع الواحد إلى مختلف الأنواع، ومن الطحلب البدائي إلى التكَثُّر والتنوع اللامتناهي. علينا النظر إلى التنوع والتوافر باعتباره لغةَ النباتات وحياتَها. فهي أيضاً لها عوائلها وأقاربها، بل وحتى أعداؤها. ولكنَّ آليةَ الدفاع الخاصة بكلِّ نوعٍ أو جنسٍ تعد مبدأً راسخاً لدرجةِ أنه يكاد لا يوجد كائنٌ بلا آليةِ دفاع.

إنّ التعريفَ والحل اللذَين يَعرِضهما نظامُ الحضارة الديمقراطية مختلفان نوعياً. فالدفاعُ عن النفس حقٌّ مقدس لأجلِ كلِّ مجموعةٍ اجتماعية. فالتمتعُ بقوةِ الدفاع إزاء كلِّ أنواعِ الاعتداء على وجودِ الجماعة وقِيَمِها التي يتأسس عليها وجودُها، إنما يتخطى نطاقَ الحق، لِيغدوَ علةَ الوجود نفسه. إني على قناعةٍ باستحالةِ نعتِ قوةِ الدفاع بمعناها الكلاسيكي بالسلطة. قد يَكُون من الأنسب تسميتها بقوةِ أو اقتدارِ الدفاع الديمقراطي. عندما نضع نصبَ العين كيف تسعى الوردة (وهي نبتة) للدفاعِ عن نفسها بأشواكها، لا أتمالك نفسي من تسميةِ براديغما الاقتدار الديمقراطي هذه بـ “نظرية الوردة”.

الدفاعُ الذاتيُّ هو سياسةُ الأمنِ والحمايةِ للمجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسي. أو بالأحرى، فالمجتمعُ العاجزُ عن حمايةِ نفسه، يَخسَر معانيَ صِفاتِه الأخلاقيةَ والسياسية. وفي هكذا وضع، إما أنْ يَكُونَ المجتمعُ قد استُعمِر، فيَنصَهِرُ ويتفسَّخ، أو أنه يُقاوِمُ سعياً لاستردادِ صفاته الأخلاقيةِ والسياسية وتفعيلِ وظائفها. والدفاعُ الذاتيُّ هو اسمُ هذه المرحلة. فالمجتمعُ المُصِرُّ على كينونته، والرافضُ للاستعمار وشتى أنواعِ التبعية المفروضةِ من طرفٍ واحد، لا يُمكِنُه تَبَنِّي موقفه هذا إلا بإمكانياته ومؤسساتِه المعنيةِ بالدفاع الذاتي. لا يتكون الدفاعُ الذاتيُّ حيالَ المخاطرِ والضغوطِ الخارجية وحسب. فالتناقضاتُ والتوتراتُ محتَمَلةٌ في كلِّ وقت ضمن البنى الداخليةِ للمجتمع أيضاً. ينبغي عدم النسيانِ أنه ما دامت المجتمعاتُ التاريخيةُ طبقيةً وسلطويةً مدةً طويلةً من الزمن، فستبقى القوى الساعيةُ للحفاظ على خاصياتها تلك مدةً أطول. وستُقاوِم تلك القوى بكلِّ طاقاتها من أجلِ صَونِ وجودها وكياناتها. بالتالي، فسيحتَلُّ الدفاعُ الذاتيُّ مكاناً هاماً في أجندةِ المجتمعِ ردحاً طويلاً من الزمن كطلبٍ اجتماعيٍّ شائع. إذ ليس من اليسير على قوةِ القرار أنْ تَدخُلَ حيزَ التنفيذ، دون تعزيزها بقوةِ الدفاع الذاتي.

علماً أننا في راهننا وجهاً لوجه أمامَ حقيقةِ سلطةٍ متغلغلةٍ حتى مساماتِ المجتمعِ كافةً، ليس من خارجه وحسب، بل ومن داخله أيضاً. لذا، فتكوينُ مجموعاتِ الدفاع الذاتيِّ المتشابهة داخلَ جميعِ مساماتِ المجتمع المناسِبةِ أمرٌ مصيريّ. فالمجتمعاتُ المفتقِدةُ للدفاعِ الذاتيّ مجتمعاتٌ مستعمَرةٌ ومفروضٌ عليها الاستسلامُ مِن قِبَلِ احتكاراتِ رأسِ المال والسلطة. لكلِّ مُكَوِّنٍ في المجتمع قضيتُه في الدفاعِ الذاتيِّ دائماً وعلى مرِّ السياقِ التاريخي، بدءاً مِن الكلانات إلى القبائلِ والعشائر، ومن الأقوامِ إلى الأمم والجماعات الدينية، ومن القرى إلى المدن. فاحتكارُ رأسِ المالِ والسلطة أَشبَهُ بانقضاضِ الذئب على فريستِه التي يُطارِدُها. وكلُّ مَن افتقَرَ للدفاع الذاتي، قامَ بتشتيته كما قطيع المواشي، مستولياً عليه قدرَ ما شاء.

إنّ تشكيلَ كيانِ الدفاعِ الذاتيِّ وممارسته، والحفاظَ عليه جاهزاً وفعالاً دائماً، شرطٌ لا بُدَّ منه في كينونةِ المجتمعِ الديمقراطيِّ والاستمرارِ بوجوده، ولو بِما يَكفي للحَدِّ مِن اعتداءاتِ واستغلالاتِ احتكاراتِ رأسِ المال والسلطة كحدٍّ أدنى. ونظراً لأنه سيتم العيش مع أجهزةِ رأسِ المالِ والسلطة بشكلٍ متداخلٍ لأَمَدٍ طويل، فمن المهمِّ بمكان عدم الانزلاق في خطأَين اثنَين. الخطأ الأول؛ تسليمُ المجتمعِ أمنَه الذاتيَّ للنظامِ الاحتكاري، كأنْ تَأتَمِن القِطَّة على الكَبِد. وقد ظَهَرَت للعيان النتائجُ التدميريةُ لذلك مِن خلال آلافِ الأمثلة. الخطأ الثاني؛ العمل على التحول الفوريِّ إلى جهازِ سلطةٍ تجاه الدولة، بكلمةِ سرٍّ فحواها أنْ تَكُون كالدولة. وتجاربُ الاشتراكيةِ المشيدةِ تنويريةٌ في هذا المضمار بما فيه الكفاية. من هنا، فالدفاعُ الذاتي القَيِّمُ والفعال سوف يَبقى عنصراً لا يمكن الاستغناء أو التغاضي عنه في الحضارةِ الديمقراطية، تاريخياً أم راهناً أم مستقبَلاً.

لا ريب أنه بالمستطاع الإكثار مِن عناصرِ الحضارةِ الديمقراطية، وشرحها أكثر. ولكني على قناعةٍ بأنّ هذا العرضَ كافٍ من حيث استيعابِ الموضوع وإدراكِ أهميته.

 تجربة الحرب الشعبية الثورية، والأمة الديمقراطية:

إفساحُ الطريقِ أمام حقيقةِ الأمةِ الديمقراطيةِ هو من أهمِّ النتائجِ التي أسفرَت عنها تجربةُ الحربِ الشعبيةِ الثوريةِ التي رادَها حزب العمال الكردستاني. في واقعِ الأمر، لَم يُشَرْ إلى حقيقةِ الأمةِ الديمقراطية، ولَم يُخَطَّطْ لها بعلانيةٍ ووضوحٍ ضمن بنيةِ حزب العمال الكردستاني الأيديولوجية. ذلك أنّ مصطلحَ الأمةِ السائدَ في أيديولوجيتِه هو نسخةٌ اشتراكيةٌ مشيدةٌ للدولةِ القومية. والأهمُّ من هذا وذاك، أنه يَطغى مفهومٌ واحدٌ مطلقٌ لدى الحديثِ عن الأمة، ألا وهو نزعةُ أمةِ الدولةِ الهيغلية. ولا يَسودُ التفكيرُ بحقيقةِ الأمةِ خارجَ إطارِ هذا المصطلحِ وحقيقتِه. ما من ريبٍ أنّ التفسيرَ الهيغليّ لمفهومِ الاشتراكيةِ العلميةِ الماركسية يُتَّخَذُ أساساً هنا. فما كان يخطرُ بالبالِ لدى الحديثِ عن الأمةِ في عهدِ ماركس وأنجلز، هو تجاوُزُ الأسيجةِ الإقطاعية، وتكوينُ مجتمعٍ قوميٍّ مُشادٍ بيَدِ الدولةِ المركزيةِ ضمن حدودِ وحدةِ اللغةِ والثقافة. بالتالي، نُظِرَ إلى الدولةِ القوميةِ على أنها واقعٌ واحدٌ مطلق. فهي المصطلحُ المعياريُّ الأولُ في فلسفةِ هيغل، والمحطةُ الأخيرةُ للتطورِ الاجتماعيِّ ولتَشَكُّلِ ملامحِ الدولة. أما تشييدُها بزعامةِ البورجوازيةِ أو البروليتاريا، فلا يُغَيِّرُ من المضمونِ الأحاديِّ المطلقِ للمصطلح. فالظاهرةُ الوحيدةُ التي تَجُولُ في الخاطرِ لدى التلفظِ بكلمةِ “الأمة” هي أمةُ الدولة. مفهومُ الدولةِ القوميةِ هذا هو السببُ في عجزِ الماركسيةِ عن تخطي الحداثةِ الرأسماليةِ وانصهارِها بالتالي في بوتقتِها. فلدى القبولِ بالدولةِ القوميةِ كشكلٍ اجتماعيٍّ أساسيّ (إذ يُدعَمُ إعلانُ ألمانيا دولةً قوميةً في عام 1871 بنحوٍ فاقع)، فما يتبقى هو انسحابُ البروليتاريا إلى هذه الحدودِ المرسومة، ودخولُها في خدمةِ دولتِها القوميةِ مقابل منحِها بعضَ الحقوقِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ كي تستطيعَ العيشَ والمثابرةَ عليه. وهذا القبولُ هو الذي حدَّدَ مصيرَ الاشتراكيةِ المشيدةِ قبل مئةٍ وخمسين عاماً. والبرهانُ على علاقةِ هذا المصطلحِ وواقعِه مع الرأسمالية هو إعلانُ عناصرِ الحداثةِ الرأسماليةِ فوزَها المؤزرَ مُؤَطَّراً بالدولةِ القومية في نهايةِ كلِّ مرة، وعلى رأسِها تجربتا الاتحادِ السوفييتيِّ والصين. ولا يمكنُ تفسيرُ تحوُّلِ الاشتراكيةِ المشيدةِ من الداخلِ إلى الرأسماليةِ فيما عدا ذلك.

لاقت مقارباتُ الاشتراكيةِ المشيدة، التي سلكَها حزب العمال الكردستاني خلال تجربتِه في الحربِ الشعبيةِ الثورية، أكثرَ المشقاتِ بخصوصِ الدولتيةِ القومية. فالحقيقةُ الدولتيةُ القوميةُ للكونتر كريلا التي حاربَها، قد أدّت إلى الترددِ بشأنِ معنى الحربِ الثوريةِ وأهدافِها. والأسوأُ أنّ أساليبَ كِلا الطرفَين بدأت تتشابهُ بالتدريج. فعانَت اشتراكيةُ حزب العمال الكردستاني المثاليةُ من المصاعبِ المتزايدةِ في وجهِ الحقيقةِ الدولتيةِ القومية. هذا هو الواقعُ الكامنُ خلف أزمتِه التي اتضحَت معالمُها اعتباراً من عامِ 1995. فإلى أيِّ مدى تَكُونُ الدولةُ القوميةُ ظاهرةً اشتراكية؟ وكَم يُمكنُ تحقيق ذلك؟ وبناءً على الجوابِ الذي سيُعطى على هذَين السؤالَين الأساسيَّين، كانت الأزمةُ ستؤدي إلى التصفية أو ستؤولُ إلى حلٍّ قوميٍّ مغاير. في هذه النقطةِ بالتحديد باتت “الأمةُ الديمقراطيةُ” المصطلحَ المفتاحَ للنفاذِ من الأزمةِ الأيديولوجية.

لَم يَكُن خطأً نعتُ حزب العمال الكردستاني بـ”القوميين” أثناء انطلاقتِه كمجموعة. كما إنّ نعتَه بـ”التحرريين الوطنيين” و”جيش التحرير الوطنيّ” كان يُذَكِّرُ بنفسِ المعنى، ويعبِّرُ عن الحقيقةِ التي يُرادُ تمثيلُها. إذ كانت الدعايةُ في الفترةِ الأيديولوجيةِ تَتَّخِذُ من تحليلِ الواقعِ الكرديِّ الوطنيّ أساساً. أما عدمُ رغبتِنا في نعتِنا بالقوميين، فكان ينطلقُ أساساً من ارتباطِنا الوثيقِ بالأمميةِ الاشتراكية. لكننا كنا عاجزين أيضاً عن الانقطاعِ عن الواقعِ الوطنيّ. بالتالي، كان يتوَلَّدُ خطرُ محاكاةِ الأيديولوجياتِ القومويةِ الهادفةِ إلى الدولتيةِ القومية، لدى انزلاقِ المصطلحِ من الطابعِ القوميِّ نحو النزعةِ القوموية. مع ذلك، لَم نَكُنْ في المرحلةِ الأيديولوجيةِ نتحلى بالكفاءةِ التي تؤهِّلُنا لتمييزِ هذا الخطِّ الرفيعِ الفاصل. أما تصعيدُ حملةِ عامِ 1984 إلى الأبعادِ القومية، وإفساحُها المجالَ أمام ظروفِ الحربِ الوطنيةِ الثورية؛ فقد جعلَنا نواجِهُ مصطلحَي السلطةِ والدولِ القوميةِ عن قُربٍ أكثر، كنتيجةٍ لا مَهرَبَ منها. كنا نخوضُ الحربَ بالقوى الشعبية. وكانت ثمة حدودٌ فاصلةٌ بيننا وبين الشريحةِ العليا، إقطاعيةً كانت أم بورجوازية. كما كان رُقِيُّنا إلى مستوى البُعدِ الوطنيِّ لا يفني فاعليةَ مصطلحِ الحربِ الشعبية. وكان مصطلحُ “القومية الشعبية” يتنامى رويداً رويداً عوضاً عن “القوموية البورجوازية”. وإذ ما نظرنا إلى تكامُلِ كردستان ضمن إطارِ هذه المستجداتِ الحاصلة، فبمستطاعِنا تبيانُ النقاطِ التالية:

أ – منذ مطلعِ القرنِ العشرين، وبالأخصِّ بعد تقسيمِ كردستان في العشرينيات، كانت وتيرةُ التململاتِ المرتكزةِ إلى الشريحةِ العليا، والتي بمقدورِنا تسميتُها بالقومويةِ البدائية، قد بدأت بالتسارعِ في كردستان العراق. فتخطّي الحركةِ للإطارِ الضيقِ المنحصرِ بالمثقفين، واكتسابُها الطابعَ الجماهيريّ؛ كان سيُسَرِّعُ من القوموية. من هنا، فإعلانُ KDP بعد الحربِ العالميةِ الثانيةِ يفيدُ بخطوِ خطوةٍ مهمةٍ على دربِ القومويةِ العصرية. في حين تلفتُ جمهوريةُ مهاباد الأنظارَ كأولِ تجربةٍ قومية. كما نجحَت حربُ الكريلا في كردستان العراق (عام 1961) بتأجيجِ المشاعرِ القومية في عمومِ كردستان. وبالرغمِ من هزيمةِ الحركةِ والانقسامِ الذي حلَّ بها حصيلةَ الخلافاتِ والشِّقاقاتِ الداخلية، إلا إنّ التطوراتِ والأحداثَ فرضَت وجودَ سلطةٍ قوميةٍ كرديةٍ ودولتيةٍ قومية، وإنْ بطابعٍ فيدراليّ. هكذا أُدرِجَت الدولتيةُ القوميةُ الكرديةُ الفيدراليةُ في الأجندةِ بدعمٍ إمبرياليٍّ وإسرائيليّ، وذلك كنموذجٍ ذي أهميةٍ تعادلُ ما عليه الدولتيةُ القوميةُ الإسرائيليةُ في فلسطين بأقلِّ تقدير. هذه نقطةٌ بالغةُ الأهمية. فعندما تمّ الإقرارُ بالدولةِ القوميةِ التركية، أو بالأحرى تجسيدُ ثورةِ الجمهوريةِ في هيئةِ دولةٍ قوميةٍ بعد عامِ 1923 (أو لِنَقُلْ بعد عامِ 1925)، وعندما جرى تَصَوُّرُ نموذجٍ بِدئيٍّ مصغَّرٍ من إسرائيل (هناك حاجةٌ لبحوثٍ شاملةٍ في هذا المضمار)؛ فقد قُرِّرَ بعدَ عامِ 1945 –ولو متأخراً نوعاً ما– تشييدُ نموذجٍ كرديٍّ مشابهٍ بِدئيٍّ ومُصَغَّرٍ من إسرائيل بزعامةِ KDP. وجْهُ الاختلافِ بينهما هو الفارقُ الزمنيُّ واختلافُ الخصائصِ القوميةِ للقوى المعنية. بمعنى آخر، ثمة حاجةٌ مسيسةٌ لتشييدِ الدولتَين القوميتَين التركيةِ والكرديةِ كنموذجٍ بِدئيٍّ من إسرائيل المستقبليةِ والمضمونة. فالدولةُ القوميةُ التركيةُ المُشادةُ بيَدِ CHP كإسرائيل بِدئية، قد تحققَت لدى الكردِ كدويلةٍ قوميةٍ كرديةٍ بِدئيةٍ بيَدِ KDP.

حاولتُ لفتَ الأنظارِ فقط إلى هذا الموضوعِ الذي سأستفيضُ في تناوُلِه ودراستِه لاحقاً، وذلك بغيةَ سردِ تفسيرٍ صحيحٍ بشأنِ تَشَكُّلِ الإقليمِ الكرديِّ الفيدراليّ، الذي دخلَ حيزَ التنفيذِ منذ التسعينياتِ على خلفيةِ حربَي الخليجِ الأولى والثانية. فأحدُ الأهدافِ الرئيسيةِ لحربِ الخليجِ الأولى في 1990، كان إلقاءَ الخطوةِ على الدربِ المتجهةِ صوب الدولةِ القوميةِ الكردية. يمكنُنا اعتبارُ هذه الظاهرة، التي ابتدأَت في الشرقِ الأوسطِ بعدَ عامِ 1990 تأسيساً على حربِ الخليج، بأنها ثالثُ إفرازٍ مهم لـ”الحربِ العالميةِ الثالثة”: حيث شُيِّدَت الدولةُ القومية التركية كإسرائيل بِدئيةٍ صُغرى على أنقاضِ الإمبراطوريةِ العثمانيةِ المهزومةِ بعد الحربِ العالميةِ الأولى، وشُيِّدَت الدولةُ الإسرائيليةُ الحقيقيةُ بعد الحربِ العالميةِ الثانية، في حين شُيِّدَت الدولةُ القوميةُ الكرديةُ كإسرائيل بِدئيةٍ أفرزَتها “الحربُ العالميةُ الثالثةُ” كوسيلةِ ضمانٍ أساسيةٍ للدولةِ الإسرائيلية. وعليه؛ لاقت الدويلةُ القوميةُ الكرديةُ بعد عامِ 1990 دعماً من قوى الحداثةِ الرأسماليةِ المهيمنة أولاً (أمريكا والاتحاد الأوروبيّ واليابان وغيرها)، ومن الدولتَين القوميتَين التركيةِ والإسرائيليةِ في المنطقةِ ثانياً؛ وذلك بغية تصييرها بديلاً في وجهِ حزب العمال الكردستاني. والحروبُ التي شنتها شبكةُ غلاديو ضد حزب العمال الكردستاني بدعمٍ من الناتو بعد 1990، تؤيدُ هذه الحقيقةَ بسطوعٍ لا غبار عليه. إذ عُمِلَ من خلالِ قومويةِ الدولة على اتخاذِ التدابيرِ اللازمةِ مقابلَ التحولِ القوميِّ الشعبيِّ الذي عمَّ أصقاعَ كردستان كثمرةٍ من ثمارِ خيارِ حزب العمال الكردستاني في الحربِ الشعبيةِ الثورية، ودارت المساعي لإفراغِه من محتواه والقضاءِ عليه. ورغمَ كلِّ نواقصِها وأخطائِها، إلا إنّ تجربةَ الحربِ الشعبيةِ الثوريةِ المبتدئةَ بعد عام 1990، كانت قد أَفرَغَت السياساتِ المرسومةَ بشأنِ كردستان بعد الحربِ العالميةِ الأولى، سواء تلك المرسومةُ بيَدِ قوى الهيمنةِ الغربيةِ أم الدولتَين القوميتَين التركيةِ والإسرائليةِ كقوتَين إقليميتَين. وقد كان الأمرُ كذلك اصطلاحاً وظاهرةً على السواء. ومع تعاظُمِ مصطلحِ الأمةِ الديمقراطية، كانت ملامحُ هذا الواقعِ القائمِ تتبدى أكثر، ليتحولَ هذا التَّجَلّي الشفافُ إلى حقيقةٍ متبلورةٍ كلياً مع حربِ الخليجِ الثانية (فيما بين 2003–2010). أما الخاصيةُ الأهمُّ التي بُرهِنَت صحتُها في هذه الفترة، فكانت استحالةَ تمَكُّنِ حزب العمال الكردستاني من إنشاءِ أو تأسيسِ دولةٍ قوميةٍ كردية، نظراً لعدمِ مساعدةِ الظروفِ على القيامِ بذلك أيديولوجياً وعملياً. ولكن، اتَّضحَ بالمقابل استحالةُ كبحِ لجامِه أو منعِه من تحقيقِ التحولِ القوميِّ الشعبيِّ الموجودِ كطاقةٍ كامنةٍ في بنيتِه الأيديولوجيةِ كخيارٍ للأمةِ الديمقراطية.

ب – الأمةُ الديمقراطيةُ ليست مجردَ اصطلاحٍ فحسب. بل وتتجسدُ كواقعٍ قائمٍ بذاتِه. فالنضالُ الذي خاضَه حزب العمال الكردستاني في فترةِ المجموعةِ الأيديولوجيةِ ضد قومويةِ الأمةِ الحاكمةِ وضد قومويةِ الأمةِ المحكومة، لا يزالُ يستمرُّ كنضالِ الأمةِ الديمقراطيةِ تأسيساً على تجربةِ الحربِ الشعبيةِ الثورية ضد كِلتا الدولتيّتَين القوميتَين. وبينما تجهدُ الدولُ القوميةُ الحاكمةُ إلى الصمودِ عن طريقِ العنفِ المحضِ والمتواطئين المأجورين، فإنّ الدويلةَ القوميةَ الكرديةَ لم تتمكنْ من تَجَنُّبِ التعرضِ للعزلةِ على يدِ حركةِ الأمةِ الديمقراطية، رغمَ كلِّ القوموياتِ التي تحيطُ بها ومَن يمُدُّ يَدَ العونِ لها داخلياً وخارجياً. ولأولِ مرةٍ في تاريخِ الثورةِ الكردستانيةِ يسعى كلٌّ من خَيارِ الدولةِ القوميةِ وخيارِ الأمةِ الديمقراطيةِ إلى أداءِ دورِه في آنٍ معاً.

إنّ تمايُزَ هذَين الخيارَين في الثورةِ الكردستانية، وارتسامَ الخطوطَ الفاصلةِ بينهما أيديولوجياً وسياسياً وميدانياً بعدَما كانا متداخلَين في الثورتَين الفرنسيةِ والروسيةِ والعديدِ من الثوراتِ المعاصرةِ الأخرى؛ يُعَدُّ حدثاً ذا أهميةٍ تاريخيةٍ ملحوظة. فما ساد في جميعِ الثوراتِ المعاصرةِ حتى اليوم، كان إما سيطرةَ الشريحةِ العليا بالكامل أو تفوُّقَ الشريحةِ السفلى بمفردِها. وكانتا لا تَخُطّان حدوداً فاصلةً واضحةً فيما بينهما، سواء عندما تَكُونان متحدَتَين أم منفصلتَين. بل إنّ العملَ على تصفيةِ بعضِهما بعضاً داخلياً بات أسلوباً أساسياً تَتَّبِعانه في النضال. لكنّ هذا الوضعَ لَم يذهبْ أبعدَ من تعزيزِ قوةِ الحداثةِ الرأسمالية. أي أنّ مفهوماً نضالياً خاطئاً كان سائداً بين كِلتا الطبقتَين وكلتا الأمتَين. أما في تجربةِ الحربِ الشعبيةِ الثوريةِ الكردستانية، وبينما كان الوضعُ الغامضُ شبيهاً بمثيلاتِها السابقاتِ لها في بدايةِ الأمر، إلا إنّ النضالاتِ الكثيفةَ قد سَرَّعَت في نهايةِ المطافِ من وتيرةِ التمايزِ والجزمِ به. كما لَم تقتصرْ هذه التجربةُ في تلك الأوقاتِ على تخطّي الدولتيةِ القوميةِ الموجودةِ بين ثنايا الاشتراكيةِ المشيدة. بل وطوَّرَت عوضاً عنها نموذجاً يدفعُ إلى تجاوُزِ وتخطّي الدولتيةِ القوميةِ البورجوازيةِ الكائنةِ في أحشاءِ الاشتراكية على الصعيدِ الأيديولوجيّ، ويُخرِجُ القضيةَ الوطنيةَ من كونِها قضيةَ بناءِ دولةٍ قومية، ليَصُبَّها في بوتقةِ إنشاءِ الشعبِ نفسَه بنفسِه كأمةٍ متساويةٍ وحرة، أي مندرجةٍ في معيارِ الأمةِ الديمقراطية. وهكذا جعلَت معيارَ الأمةِ الديمقراطيةِ نموذجاً بديلاً في حلِّ القضايا الطبقيةِ والوطنيةِ على السواء. وصَيَّرَت الأمةَ الديمقراطيةَ من أهمِّ عناصرِ العصرانيةِ الديمقراطية (إلى جانبِ عنصرَي الصناعةِ الأيكولوجيةِ والاقتصادِ التشاركيّ المُعيق للربح). وبتجاوُزِها الدولتيةَ القوميةَ الهيغلية، التي باتت بلاءً مُسَلَّطاً على الاشتراكيةِ العلميةِ منذ ما يناهزُ القرنَ ونصفَ القرن، فتحَت الطريقَ أمام الاشتراكيةِ الأدنى إلى العلمية؛ مُنجِزةً بذلك أهمَّ مساهمةٍ في إنشاءِ الاشتراكيةِ الفلسفيةِ والعلميةِ والأخلاقيةِ والجمالية.

ج – ومقابلَ هذه المساهمةِ التاريخيةِ في الحقلِ النظريّ، فقد تسارعَ نشوءُ كيانَي الأمةِ الديمقراطيةِ والعصرانيةِ الديمقراطيةِ أيضاً داخلَ الواقعِ الاجتماعيِّ الكرديِّ المتجسدِ في كردستان على أرضِ الواقع. فمع تَكَوُّنِ الأمةِ الديمقراطيةِ صارت الحدودُ بين الكردِ في الأجزاءِ الأربعةِ من كردستان بلا جدوى. أي، وبينما تُعَدُّ الحدودُ كلَّ شيءٍ بالنسبةِ إلى الدولِ القومية، فقد أُسقِطَت إلى مرتبةِ اللاشيء بالنسبةِ إلى الأمةِ الديمقراطية. وبينما تشكَّلَت ملامحُ الأمةِ الديمقراطيةِ في عقليةِ الشعبِ كأهمِ ثورةٍ للوعي، فقد أُنشِئَ شبهُ الاستقلالِ الذاتيُّ الديمقراطيُّ أيضاً كأهمِّ ثورةٍ متجسدةٍ عينياً في الأجزاءِ الأربعة. كما جُعِلَت عجلاتُ آلياتِ الإبادةِ الثقافيةِ الخاصةُ بالدولِ القوميةِ التركيةِ والإيرانيةِ والعراقيةِ والسوريةِ تَدُورُ من دونِ جدوى بنسبةٍ مهمة. وبالمقابل، فقد صُيِّرَ الشعبُ الكرديُّ في كلِّ جزءٍ من تلك الأجزاءِ جزءاً مُبدعاً ضمن الأمةِ الديمقراطية ومُنشِئاً إياها. إنّ الحربَ الشعبيةَ الثورية، التي لَم تكتَفِ بإماطةِ اللثامِ عن مؤامرةِ الإبادةِ الثقافيةِ والدولتيةِ القوميةِ العميلةِ النابعةِ من هيمنةِ الحداثةِ الرأسماليةِ طيلةَ القرنَين الأخيرَين، تُعتَبَرُ نجاحاً عظيماً بتحقيقِها الأمةَ الديمقراطيةَ كبديلٍ راسخٍ في كلِّ جزء وفي ذهنيةِ كلِّ إنسانٍ كرديٍّ صادقٍ ومخلص وفي جسدِ كلِّ مجموعةٍ كرديةٍ وفية. بناءً عليه، فقد أَعَدَّت الأرضيةَ اللازمةَ لتطويرِ التعاونِ والتضامنِ الوديِّ بين شعوبِ الجوارِ أولاً (الشعوب التركية والعربية والفارسية)، وبين ثقافاتِ شعوبِ الأقلياتِ الأخرى والشعوبِ المُعَرَّضةِ للتصفيةِ ثانياً (الأرمن، الإغريق والسُّريان وغيرهم)؛ وهيأَت الأجواءَ لتنظيمِها جميعاً بوصفِها تَجَمُّعَ الأممِ الديمقراطية. كما فتحَت الأبوابَ على مصاريعِها أمام الرقيِّ بهذا النجاحِ التاريخيِّ على الصعيدَين الإقليميِّ والعالميّ، من خلالِ أدائِها لدورِها الرياديِّ في إنشاءِ العصرانيةِ الديمقراطية.