ثقافة المرأة ونضالها اليوم ضدّ الإبادة الثقافية – ديلان عثمان
ثقافة المرأة ونضالها اليوم ضدّ الإبادة الثقافية
“ثورة المرأة في القرن الحادي والعشرين
جاءت لتُعيد اللّبِنة الأساسية إلى مكانها الصحيح،
ومن خلالها ستعيد المرأة إلى جوهرها وتكتب تاريخها الحافل بالإنجازات والتضحيات،
إن تحقق ذلك واستعادت المرأة مكانها وهويتها المسلوبة،
ستستعيد المرأة مكانتها ثقافيّاً“
ديلان عثمان
نحنُ في عصرٍ يفرض التحليل والتعويل على دور المرأة البارز في كل المجالات، خصوصاً المجالات التي لامست تاريخ البشرية وكوّنتهُ. المرأة لم تكن يوماً مساعداً في هذا التكوين بل كانت المركز والمحور الأساسي في تكوين المجتمعات، وذلك بفضل قدراتها الفكرية والجسدية والروحية والفنّية، ولا بدّ من أن نركّز على هذه الجوانب التي تشكل لدينا أبرز عوامل الحضارة والازدهار والثقافة المجتمعية، ولا ننسى فضلها في وضع الأسس الصحيحة لأي مجتمع كان، فالمرأة هي الحامية لِلغة الأم وحاملة الميراث الثقافي الممتد لآلاف السنين، كما لعبت الدور الأساسي في رعاية المجتمع وإدارته بشكل طبيعي من حيث وضع المبادئ الأخلاقية.
عند حديثنا عن ثقافة المرأة لا يخفى على أحدٍ إبداعها الخاص بطابعها الأنثوي، كونها الأم والمربية والفنانة والرسامة والمعلمة، والأصح أنّها حاضنة وذاكرة المجتمع بذاته، فلو نُعيد قُرّاءنا إلى طفولتهم قليلاً ونسأل عمّا سردت لهنّ أمهاتهن من حكايات وأمثال ومواويل، وكأنّها تنقل هذه الحاضنة لأطفالها منذ الصغر لتكتمل فيما بعد شخصية الطفل حتى بلوغه الهوية الثقافية والوطنية. كيف نميّز كل هذه الاختلافات الثقافية في مجتمع الشرق الأوسط لولا دور الأم في تعليم اللغة والخصوصية الوطنية والثقافية لأي شعبٍ كان. فمنذ بدء الحياة الطبيعية حظيت المرأة بالعديد من المكانات لدى المجتمعات والتي اعتبرتها قديسة ومصدر الحياة واستمراريتها، ذلك ما ظهر جليّاً من خلال التماثيل التي وجِدت في المناطق الأثريّة عبر عصور متتالية.
ووفقاً للعديد من الأساطير القديمة، كانت المرأة رمزاً للطبيعة الخصبة، ففي أسطورة التكوين البابلية نجد «ننخرساج» الأم الأرض، وفي الحضارة الكنعانية كانت الأم الكبرى هي «عناة»، ولدى الإغريق ظهرت شخصية الأم الكبرى في «أفروديت»، أمّا في الحضارة الرومانية تمثّلت الأم الكبرى في «فينوس» الثقافة الأمومية.
بمتابعة الصيرورة التاريخية نجد أنّ الثقافة الأمومية بقيت راسخة في الحضارات المختلفة، كمثال على ذلك الحضارة الفرعونية التي امتازت فيها المرأة بالقداسة فكانت الملكة المقدسة كـ «نفرتيتي». على الرغم من المرتبة التي كانت تحتلّها المرأة على مرّ العصور، إلاّ أنّها بالمقابل كانت تواجه تحديات وصعوبات جمّة متمثلة بكونها أنثى، لكنّ ذلك لم يُلِن من عزيمتها وإرادتها ورغبتها في الحصول على حقها في المساواة.
في الوقت الراهن تسعى الأم إلى ترسيخ القيم والمبادئ الأخلاقية من خلال تنشئة أبنائها نشأة صالحة، وغرس القيم الإيجابية والولاء والانتماء الوطني فيهم. الثقافة التي تحظى بها الأم لها تأثير كبير على تنشئة الأبناء، فكلما اتسعت آفاقها نتج عن ذلك أبناء وبنات على درجة كبيرة من الوعي، لأنّ ما تكتسبه الأم حتماً سيُنثر بين الأبناء وتعُمّ الفائدة على المجتمع، لأنّ العائلة هي اللّبنة الأساسية للمجتمع.
لنفترض أنّ فرداً قد كبُر في مكان معزول بعيداً عن المجتمع. أي ثقافة سيكتسب هذا الفرد؟ هل سيعي أنّه يمتلك هوية وطنية وثقافية؟ ودون الأخلاق الاجتماعية ولغة الأم وطريقة التفكير والحياة البشرية كيف سيدرك إنسانيته؟ هنا بالإمكان العودة إلى التعريف الصحيح الذي وضعه المفكر عبد الله أوجلان عن الثقافة ” نُعَرِّفُ الثقافةَ بمعناها الضيقِ بأنّها عالَم المعنى لدى المجتمع، وقانونُه الخُلُقِيّ، وذهنيتُه وفنُّه وعِلمُه. وبتوحيدِ المؤسساتِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعيةِ مع هذا المعنى الضيق، يتمُّ الانتقالُ إلى تعريفِ الثقافةِ بمعناها العام أنّها مجموعُ كينوناتِ المعاني والبُنى، التي كَوَّنَها المجتمعُ البشريُّ على مدارِ التاريخ. وبينما تُعَرَّفُ كينوناتُ البنى على أنها مجموعُ المؤسساتِ المنفتحةِ للتحولِ والتطور، فمن الممكنِ تعريفُ كينوناتِ المعاني على أنّها مستوى أو مضمونُ المعاني المتنوعةِ والغنيةِ والمترابطةِ ببعضها البعضِ تبادُليّاً وبالتكافُؤِ ضمن تلك المؤسساتِ المتحولة”.
ونظراً للتهميش الذي تعرّضت له المرأة في التاريخ البشري، والذي كُتب بيد الرجل الحاكم والذهنية الذكورية السلطوية، فإنّ البحث والتّعمق في ثقافة المرأة كالبحث عن إبرة في كومة قش، ابتداءً من ثقافة الآلهة الأم وصولاً إلى نضالها اليوم من أجل صون ثقافتها من الإبادة الثقافية التي تُمارس بحقّها من قبل القوى الرأسمالية والنظام الأبوي. رغم أنّها وليدة الثقافة وصاحبة الدور الأبرز في تكوينها وإبداعها في المجال الفني إلا أنّ التاريخ المحرّف على يد الرجل همّش وأقصى المرأة عن هذا المجال.
ثورة المرأة في القرن الحادي والعشرين جاءت لتعيد اللبنة الأساسية إلى مكانها الصحيح، ومن خلالها ستعيد المرأة إلى جوهرها وتكتب تاريخها الحافل بالإنجازات والتضحيات. بطبيعة الحال؛ إن تحقق ذلك واستعادت المرأة مكانها وهويتها المسلوبة ستستعيد المرأة مكانتها ثقافياً أيضاً، أي أنّ هذا الأمر مرتبط تماماً بهوية المرأة والعودة إلى الجوهر.
هذا العصر يمنح المرأة فرصاً تاريخية لتنشر ثقافتها؛ ثقافة السلام والمحبة والتآلف والتآخي بين الشعوب. رغم التحديات التي تواجهها والهجمات الشرسة ضدها في هذا القرن، إلا أنّها بعزيمتها تقف صامدة، ما يدل على إصرارها في إيصال رسالتها السامية وضمان الحياة الصحيحة وفق القيم الإنسانية.
في المكان والزمان الذي تتمتع المرأة فيه بحقوقها، وتلعب دورها بشكل فعلي في الحياة الثقافية والسياسية، يتمتع المجتمع أيضاً بالأخلاق المجتمعية الراقية، فرُقي المجتمعات مرتبط طرداً برقي ثقافة المرأة، وخير دليلٍ على ذلك وضع المفكر عبد الله أوجلان حرية المرأة والمجتمع الأخلاقي والسياسي مبادئ أساسية لأي مجتمع حر. وقد تركّز هذا المفهوم في مشروعه الديمقراطي وتمّ ترجمته في تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في إقليم شمال وشرق سوريا، هذا المشروع الذي ألهم الكثيرين حول العالم، وبحثوا فيه عن سرّ نجاحه في جغرافية ضيقة، دون أن يعلموا أنّ هذا السر يكمن في تفعيل دور المرأة المثقفة والريادية في قيادة ثورتها بالتزامن مع ضخ كامل قواها في خدمة بناء مجتمع حر وآمن.
لكي نكون بنات تلك المرأة الأم والآلهة التي نسجت وصانت هويتنا وأبدعت في أداء دورها ومسؤولياتها في استمرار الحياة ووضع أسس صحيحة لكيفية العيش بسلام، كان لا بدّ من تسليط الضوء على ثقافة المرأة عبر هذا العدد. بدورنا كنساء لا بدّ من العودة إلى جذورنا الثقافية المتمثلة بثقافة الأم والمرأة الآلهة وإحيائها في حياتنا اليومية والسياسية والاجتماعية، وذلك عبر خطوات مدروسة منها نشر هذه الثقافة وصونها من الإبادة والاندثار.
عبر النضال والمقاومة الأسطورية للمرأة في هذا العصر، وما نشهده اليوم من سياسات وممارسات تعسفية وتهميشية بحقها، إلا انها ثابرت على العطاء اللا محدود لتنتشل المجتمعات من المستنقع الرأسمالي وتمضي بفلسفة «المرأة الحياة الحرية» نحو مستقبل مشرق لعالمنا هذا. وبالتزامن مع شهر آذار من عام 2025، ويوم المرأة العالمي، نبارك لجميع النساء بهذه المناسبة التي تحققت بتضحياتهن ونأمل أن تكون وسيلة لنيل المرأة حريتها وحقوقها.