الثقافة والمجتمع والعلاقة الوطيدة بينهما – فريال جولي

 الثقافة والمجتمع والعلاقة الوطيدة بينهما

“الثّقافة والمجتمع بينهما ارتباط وثيق،

فالثّقافة تحدّد القيم التي يؤمن بها الأفراد، والمعايير التي يحكمون بها سلوكهم،

والطريقة التي يُنظّمون بها حياتهم الاجتماعية والاقتصادية،

كما يؤثّر المجتمع في الثقافة أيضاً،

فيمكن أن تؤدي التغييرات في المجتمع إلى تغييرات في الثقافة”

 

فريال جولي

الثقافة تعني القدرة على التمكُّن من العلوم والفنون والآداب، وهي غنىً فِكريّ ومَعرِفة واسعة، ومجموع نِتاج جَماعَة في مجالات الأدب والفَنّ والفِكر، ومجموعة من المعتقدات والمعارف. تدلّ الثقافة على مجموعة من السمات التي تميّز أيّ مجتمع عن غيره منها الفنون والموسيقا، الدين، الأعراف، العادات والتقاليد، القيم وغيرها.

من هنا ندرك أنّ الثقافة والمجتمع لهما ارتباط وثيق مع بعضهما البعض، فالثقافة تؤثر على المجتمع في الكثير من المجالات، فهي تحدد القيم التي يؤمن بها الأفراد، والمعايير التي يحكمون بها سلوكهم، والممارسات التي يتبعونها في حياتهم اليومية. كما تؤثر في الطريقة التي يتفاعل بها الأفراد مع بعضهم البعض، والطريقة التي ينظمون بها حياتهم الاجتماعية والاقتصادية.

كمايؤثر المجتمع في الثقافة أيضاً، فيمكن أن تؤدي التغييرات في المجتمع إلى تغييرات في الثقافة. كما يمكن أن تؤدي التفاعلات بين الثقافات المختلفة إلى ظهور ثقافات جديدة. إنّ الثقافة والمجتمع هما من أهم العناصر التي تحدد هوية الفرد والمجتمع. فهي تؤثر على طريقة تفكيرنا وشعورنا وتصرفاتنا وتحدد الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم من حولنا.

وفي معرض الحديث عن الثقافة لا بد من الإشارة إلى الدور الكبير للمرأة فيها، فالمرأة تلعب دوراً كبيراً في العملية الثقافية، وفي مسيرة تطور المجتمع في كافة مراحله. وما نقرؤه ونسمع عنه ونشاهده أيضا في التاريخ ليس إلا دليلا على الدور الكبير الذي لعبته عبر تاريخها الطويل. وإن تم إقصاؤها عن هذه الوظيفة والواجب الكبير، فذلك يعود لأسباب كثيرة أهمها سيطرة العقل الذكوري عليها، وانتشار العادات والتقاليد البالية، بالإضافة لعوامل أخرى مساعدة عبر مراحل تاريخية عديدة،  أدى ذلك كله إلى إبعادها عن حركة التاريخ والمجتمع.

بعد أن كانت المرأة الركيزة والأساس المتين الذي يُبنى عليه المجتمع، تعرّضت للتهميش والإقصاء، وهذا بالطبع أدى إلى حرمان المجتمع من إبداعاتها الخلاقة ودورها الكبير في  الثقافة، فبَات مجتمعاً ناقصاً باعتماده على طرف واحد لا يدرك قيمتها ولا دورها الرائد في المجتمع، ولكنها لم تستسلم لهذا الواقع، بل استمرت في كفاحها عبر مسيرتها الطويلة، حتى استطاعت أن تسترد صوتها المكبوت، وتؤكد على قدرتها على الإبداع وإظهارها للجميع، فهي كما قيل عنها ركيزة لتطور البلدان كونها نصف المجتمع، فإذا كان هذا النصف متخلفاً وجاهلاً فمن سيبني المجتمع؟، وأيضاً قيل بأنّ المرأة ذاتها هي الأقدر على نشر الثقافة، وهي ضحية كل نظام بعيدٍ عن إدراك قيمتها ودورها في المجتمع.

يؤدي عملها إلى تعزيز ثقتها بنفسها، ويوفر فرصة كبيرة لها باكتساب خبرات مختلفة في العلاقات الإنسانية، وفرصة للتفاعل الاجتماعي الذي يُسهم في استقرار الأسرة وإرساء روح التفاعل فيها، كما ويعطيها فرصة للتعبير عن قدرتها وميولها وطموحها وحاجتها للنجاح والتميز، ويضمن لها مستقبلاً أفضل، ويحقق المرونة في المكان الذي تعمل فيه، ويخلق بيئة العمل التفاعلية، والمساهمة في التنمية الاقتصادية والمستدامة، وتوفير فرصة عمل مناسبة لجميع أفراد المجتمع. إنّ بروز المرأة على العديد من المنابر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مجتمعنا، يُعدّ في حقيقة الأمر تتويجاً للنجاحات المستمرة التي يتم إحرازها حتى الآن في عملية الكفاح المتواصلة والهادفة إلى تطوير وبناء المجتمع، والمشاركة الفاعلة الحقيقية في عملية التنمية الشاملة من خلال وجود المرأة كعضو فعَّال في المجتمع عبر فتح بيئة خصبة لعملية تمكين المرأة.

جميع التحديات التي تواجه المرأة كالفقر والجهل والتعصب والبطالة وظروف الحرمان يجب أن يتمّ العمل عليها من منظور تنموي، وبتعاون كامل من كافة الجهات القيادية وصناع القرار ومؤسسات المجتمع المدني لمعالجة تلك التحديات كافة، وتوسيع الدور التنموي لها داخل المجتمع لأجل المساهمة في بنائه بشكل قوي وقادر على معايشة الواقع والعصر في كل حال. وهذا لا يتوقف بالطبع على مجال محدد من أجل تمكين المرأة لنفسها، بل يجب عليها أن ترتقي بذلك حتى تصل إلى مرحلة حماية نفسها ولو كانت في أي مكان، وخاصة في الظروف الحالية التي نمرّ بها وتشهدها المنطقة. فالتجييش يأتي على رأس الأولويات التي لابدّ لها من أن تقوم به للدفاع عن نفسها ضد الأخطار التي تهدد وجودها ومجتمعها، والحماية الجوهرية في ذلك ضرورة لها، تحمل في طياتها الكثير من المعاني والرسائل التي تُبين بأنّ لها القدرة على ضمان حماية نفسها وعائلتها والمجتمع، فهي لم تَعُد الطرف الأضعف في معادلة كانت تخرج منها دائماً خاسرة نتيجة بعدها عن التدريب للقيام بمهمة الدفاع، وتشكيل منظومة قوية صعبة على العدو الذي يحاول بكل الوسائل النيل منها ومن أبناء مجتمعها بالاعتداء غير المشروع عليها.

وقد توقف المفكر عبد الله أوجلان كثيراً عند قضية حرية المرأة، وناقشها بشكل مستفيض في كتاباته ومرافعاته، وأكّد على أنّ المرأة حين تنال حريتها فإنّ ذلك يصب في إطار الأهداف الكبيرة التي تساعد على إنجاح الثورات وانتصارها، فالمرأة هي في كينونتها مرتبطة بالحياة، بل هي الحياة بذاتها، ومن المستحيل التفكير في أن تقوم أية جهة أو أي طرف كان من أن يقوم بالدور الذي تقوم به ما لم تقف على قضية المرأة بشكل عميق ويفسرها التفسير اللازم، وبالطريقة المثلى، ليصل إلى فهم هذه الحقيقة ويتمكن من نيل الحرية التي يصبو إليها.

وقد استطاع الفيلسوف عبد الله أوجلان من أن يُسلّط الضوء على قضية حرية المرأة، والتي تُعتَبر اليوم من القضايا الرئيسية التي تُناقش على مستوى العالم، وتَمَكنَ أيضاً من أن يجد حلاً لهذه المعضلة.  ويعدّ شعار “المرأة، الحياة، الحرية” من أبرز المفاهيم العصرية التي تم العمل بها.

وينقل لنا أيضاً مقولته عن أهمية المرأة، ودورها الأساسي في الحياة بقوله: “إنّ المرأة جزءٌ أساسي من الحياة، لكن عليها التأكد من ألّا تكون جزءاً شكلياً فحسب، بل تحرص على أن تكون فاعلاً واعياً ومسؤولاً”. فما نلاحظه هنا تأكيده على أهمية الدور الذي تمثله المرأة في الوجود، وعليها ألا تكون جزءاً شكلياً فحسب، بل أن يكون دورها فعالاً وبقوة ومؤثراً في الحياة والتاريخ، عن طريق تسلّحها بالوعي والمسؤولية.

رسخ المفكر عبد الله أوجلان الدور الكبير الذي تقوم به المرأة في مجال التجييش والنضال والمقاومة، وتمجيد الشهيدات والبطلات، بقوله: “ترى المرأة الآن أكثر من أيّ وقت مضى أنّ وجودها ضمن هذا النضال هو جزء أساسي من الحياة، ولا يمكن للمرء أن يفهم الحياة ويحقق العدالة ما لم يحيي هؤلاء الشهيدات البطلات، شهيدات نوروز العظيمات وقرارات الحياة القوية هذه”. فهي إذاً الوجود وترتبط بها الحياة بشكل كبير. ويقول في ذلك: “كلمتا المرأة والحياة في تاريخ شعبنا يمثلان الشيء ذاته، لكن كلّما تقدمنا تاريخياً أصبحتا متضادتين أكثر، إنّنا نغطي هذا الاختلاف الكبير مجدداً بعبارة أخرى، إنّنا نوحّد المرأة والحياة”.

وقد تمّ العمل على هذا الشعار؛ شعار ” المرأة الحياة الحرية”، من خلال قيام المرأة الكردية بثورتها التي ألهمت العديد من النساء في بلدان العالم، نظراً لعمق فكر الفيلسوف عبد الله أوجلان وفلسفته، والتي أولى بها حرية المرأة قيمة كبيرة. لذلك من وجهة نظره على الجميع دعم حرية المرأة والوقوف إلى جانبها، وأنّ الثورة لا تحقق نجاحاتها الباهرة وانتصاراتها إلا عن طريق حصول المرأة على حريتها. حيث يقول المفكر عبد الله أوجلان: “لطالما نقولُ إنّ الظروف التي تخرج فيها كلمتا المرأة والحياة من كونِهما معنيتين بالمرأةِ والحياةِ، هي مؤشرٌ على انهيار المجتمع وتقوُّضِه. يستحيل التفكير في أن تتمكن العناصر التي بمقدورنا تسميتها بالثورة أو الحزب الثوري أو المناضلِ الريادي، من أن تلعب دورها ما لم تحلل هذه الحقيقة وتوظفها في سبيلِ الحرية”.

وكل هذا إن دلّ على شيء فإنّه يدل على أنّ المرأة لها مكانة سامية في المجتمع، والتي لا يمكن لأحدٍ إغفالها، الأسباب التي دفعتها إلى الابتعاد عن حركة الحياة والمجتمع والتاريخ كثيرة، يضاف إلى ذلك أيضاً أنّ الرأسمالية نفسها قامت بدور كبير في حرمانها من حقوقها بالنظرة الدونية لها، وتحويلها إلى سلعة في سوق العمل تباع وتشترى وأداة للعرض فقط، ما أدى إلى إبعادها عن حقوقها، وممارسة الإبادة الثقافية بحقها.

ونحن نرى بأنّ الإنسانية صفة مشتركة بين جميع المجتمعات، وتؤمن حالة تشاركية كبيرة بين الذكر والأنثى كإنسان مكلف ومسؤول، وتدفع إلى تحرير المرأة من كافة أنواع التمييز ضدها. لكن ما يلفت النظر هو أنّ العادات والتقاليد البالية ما زالت تُشكّل الذهنية المتخلفة في التعامل مع حقوق المرأة وواجباتها، حيث أنّ المشكلات تتشابه وتتضخم وتنمو وتستمر، بعكس الشعوب المتقدمة التي تعمل على معالجة المشكلات باستمرار، واهتمامها بدراسة الحالات والظواهر للعمل على تطويرها من خلال تطبيق الدستور، الذي يضمن حق الجميع في المشاركة الإنسانية.

وهنا يكمن الفرق الكبير، حيث أنّ العادات والتقاليد البالية تساعد على تهيئة المجتمع الذكوري، وتخلق في سياق المراحل الحالة نفسها، حيث تتكرر التصرفات والأفعال التي تطال إنسانية وكرامة المرأة، وفي سلب حقوقها تحت أقنعة شتى منها على سبيل المثال عدم تكافؤ الفرص بين الرجال والنساء في الحصول على عمل، والمفهوم السائد عنها كعورة، هذه المفردة المغلقة بقيت دون تفكيك لماهية العورة، وأنّها فريسة سهلة الصيد، وفي تعرضها للعنف بأشكاله، وهي تصرفات غير منطقية، ومدعومة من مفاهيم رجعية بليدة ومريضة، همّشت مفهوم الإنسانية في صورته الناصعة مقابل أنانية مفرطة وغير متعقلة.

هذا المفهوم الرجعي والمتخلف الذي يحتاج لقراءة واعية ونهضوية تؤهل المجتمع المتخلف للخروج من أزماته المتعددة، والعمل على رؤى عادلة، ولمستقبل أكثر إشراقاً، وفي مجمل الحالات يقدم المفهوم الرجعي المرأة بطريقة هزيلة، وغير موضوعية، نتيجة الكثير من الحالات والمواقف التي تحدث في المجتمع، ومازالت المرأة في حالات عديدة راضية مطمئنة لوضعها المخزي للأسف الشديد، حيث تتحرك وفق تلك المفاهيم الخاطئة والتي حرفت مسيرتها وحولتها لامرأة تابعة للرجل، نتيجة ثقافة اجتماعية وأسرية تحكمها وتتحكم فيها الأعراف، علينا أن نفهم كيف تكونت سيكولوجية التمييز المبنية على التبعية، وكيف بمقدور المرأة أن تحمي نفسها من الوقوع فيها؟

وما يلفت النظر أيضاً أنّ هذه السيكولوجية المتخلفة في جميع حالاتها لا علاقة لها بتقدم وتحرر المرأة، ولكنها تمثل رغبات وتطلعات أصحابها، لتحول فكر المرأة إلى فكر آخر. هكذا نتج عن العادات والتقاليد البالية الظلم وسلب الحقوق. ونتساءل عن مشاركة المرأة في النظام الاجتماعي المعني بالحقوق والواجبات، فرغم تفوق المرأة في المنتج الثقافي الأدبي إلا أنّ ذلك المنتج في ظل التخلف يبقى محصوراً على الرجل، مما أدى إلى كتابة التاريخ من وجهة نظر ذكورية، وفي غياب الطرف المعني وهو المرأة، نتساءل أين نتاج المرأة؟ إنّ معظم ما لدينا يُعتبر من نتاج الرجل الذي ظل يكرر نفسه لقرون، وهذا يعتبر بالطبع انتكاسة للتاريخ في جوهره، والسؤال الأهم متى سينتصر المشروع النهضوي تحت شعار “المرأة الحياة الحرية” الذي ننادي به ونضحي من أجله؟