المرأة الواعية تصنع مستقبلاً أكثر إشراقاً لمجتمعها – زليخة عبدي
المرأة الواعية تصنع مستقبلاً أكثر إشراقاً لمجتمعها
” يجب إنشاء منظومة نسائية لمتابعة أوضاع المرأة
في كافة المؤسسات،
وبناء مؤسسات موازية للمؤسسات العامة في المنطقة
للاهتمام بفكر المرأة وتحقيق أهدافها المنشودة”
زليخة عبدي
عند تناول واقع المرأة بشكلٍ عام لابدَّ من العودة إلى التاريخ وما آلت إليه المرأة اليوم، حيث سيبقى تناولنا للموضوع ناقصاً لأنّه لا يجوز تجزئة الموضوع. هذا يعطينا الخط التاريخي لوجود المرأة ويعطي الأدلة على تعايش المجتمعات البشرية لآلاف السنين، والتي ارتكزت على النظام الأمومي الذي عمل على إرساء روح الجماعة والعدل والمساواة والمحبة، وأثبتت اللقى الأثرية قوة المرأة وغياب المصالح الطبقية. المرأة حققت قفزات نوعية في التطور البشري ونظر إليها كـ “إلهة”، وتلقت التمجيد لأنّها المبدعة ومخترعة سبل العيش لاستمرارية الحياة، وطريقة تعاملها مع الطبيعة التي أظهرتها بجوهرها الأنثوي، ومعها تكونت الحماية والهوية وحقوق الجماعة والقيم الأخلاقية.
في تلك الفترة الزمنية التاريخية، ما كان سائداً هو نظام مجتمع طبيعي كون الدساتير والقوانين التي وُضعت كانت من قبل المرأة، هذه الحياة التي كانت تسودها الروح المفعمة انهارت أمام التغير الذي طرأ على دور كل من الرجل والمرأة، إذ بدأت الإنسانية تتعرض بشخص المرأة للمصاعب والآلام، بهدف خلق نظام أبوي ذكوري بعد نضال طويل من المرأة، وذلك عن طريق ممارسة كل المؤامرات سواءً كانت فكرية أو روحية خادمة للذهنية الذكورية الهرمية، ليسود قانون القوة ويتحول المجتمع من ثقافة الإلهة الأم إلى الثقافة الذكورية، ويتم إنهاء مرحلة الأمومة والمساواة بين الجنسين في الحياة الاجتماعية.
استمر هذا الوضع حتى ظهور الأديان التوحيدية التي مثّلت ثورة الخلاص والأخلاق في بداياتها، لكن مع استيلاء الحكام على الأيديولوجيات الدينية أصبحت القوانين وسيلة لقمع وجود المرأة حتى جعلوا وجودها مرتبطاً برضا الرجل، هذا الالتفاف من بعض الحكام على الأيديولوجيات الدينية أحدث ظاهرة اجتماعية تعاني منها المرأة والأسرة معاً، حيث يذهب الكثير من المتزمتين إلى دعم فكرة تعدد الزوجات، بحجة أنّ الشرع الإسلامي شرع به وهو حق من حقوق الرجل، دون النظر لما تسببت به هذه التشريعات من ضغط نفسي وعنف بحق المرأة.
الرجل يرى ذاته سلطاناً على المرأة، يحق له التحكم بحياتها ومصيرها، يتزوج بثانية لإشباع رغباته الجنسية دون النظر لشخص المرأة وحالتها النفسية، غير آبه ٍ بما يترتب على ذلك من تفكك للأسرة الواحدة والمجتمع ككل، هذا المجتمع الذكوري البحت الذي يرى المرأة ناقصة عقل ويجب أن تكون دوماً تحت سطوة الرجل، مجتمع ينظر للرجل على أنّه الكل وللمرأة على أنّها جزء صغير من ذلك الكل.
بالنسبة للزواج المبكر؛ كان للدين والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع دور خلال هذه السنوات التي حُكمت فيها المرأة من قبل الذهنية الذكورية. هذه الذهنية التي تنظر للمرأة نظرة عار في بقائها دون زواج مع بلوغها سن الثامنة عشر، فالمجتمع مريض ويتباهى بتصرفاته، لذلك نجد حالات زواج دون السن القانوني حتى هذه اللحظة، وكيف لنا أن ننسى التاريخ الحديث عند احتلال مناطق الرقة والطبقة من قبل تنظيم داعش، حيث اضطرت أغلب العوائل إلى تزويج بناتهن خوفاً من بطش عناصر تنظيم داعش. تأثيرات هذه الذهنية ذهبت إلى أبعد من ذلك، إذ لا يحق للمرأة أن تقرر مصيرها، ويتم النقاش عليها كأي سلعة تباع وتُشترى، المهر في وقتنا الحالي أصبح بالدولار من يدفع أكثر يحظى بتلك السلعة، دون النظر للصفات التي يجب توفرها في الرجل، فالمادة هي الحاكم في مسألة الزواج في ظل الذهنية الذكورية وليس الأخلاق، وموافقة المرأة وقبولها وحالتها النفسية هو آخر ما يمكن التفكير فيه.
العنف ضد المرأة استمر مع هذه العقلية الأبوية المتسلطة من خلال حرمانها من حقوقها كالميراث، كما أنّها لاتزال تدفع ضريبة هذه الذهنية، فعندما تنجب فتاة عليها ألا تتوقف عن الإنجاب حتى تنجب المولود الذكر أو يكون مصيرها الطلاق أو الزواج بغيرها. بحجة أنّها هي المسؤولة عن إنجاب الإناث وأنّ الرجل غير مسؤول بيولوجياً عن تحديد جنس المولود.
استمر وضع المرأة هكذا حتى ظهرت الرأسمالية العالمية المتنافسة على التحكم بكافة زمام الأمور الحياتية، سواءً كانت اجتماعية وسياسية، اقتصادية، ثقافية وعسكرية، كما أنّ الرأسمالية جمعت كل الصلاحيات والامتيازات في يدها، وعمدت إلى أخذ المرأة كمحور أساسي لتنفيذ مشاريعها السلطوية لتصبح بذلك السلطة الإله التي تتحكم بالمجتمعات، وشرعت الحروب والصراعات وطورت وسائل العنف من أجل خلق مجتمع مجرد من الأخلاق، وبالتالي تجريد المرأة من قوتها وإرادتها.
ومع استمرار سيطرة الرأسمالية على العالم بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، غزت الرأسمالية المجتمعات بأسلوب الحرب الناعمة وطورت العلم لخدمتها، وكذلك فرضت ذاتها من خلال تطويق المجتمع بأجهزة رأس المال والسلطة، انطلاقاً من القوموية والدينوية، والجنسوية والعلموية وبمقدور الجميع ضمن هذه الظروف رؤية ذاتهم موضع الذات والموضوع وزوال الفصل بينهما له علاقة بالرأسمال المالي. وكما حلَل المفكر عبد الله أوجلان الهيمنة المركزية للرأسمال المالي ضمن نظام المدنية المركزية، بأنّها فككت جميع الحالات القديمة للفصل بين الذات والموضوع، حيث يضع كل أمرئ نفسه محل الذات الفاعلة أو محل الموضوع الشيء حسب ما تقتضيه الحاجة.
بناءً عليه أصبحت الحياة البشرية مجرد ترسيخ للعبودية وإحياء الأنانية بالإضافة إلى نيل المرأة النصيب الأكبر من هذه الذهنية الدموية، ومن الصور التي لا تزال حتى هذه اللحظة تشكل خطراً على حياة المرأة هي زيادة جرائم العنف المرتكبة بحقها، والتي زادت مع الحروب والصراعات الدائرة في منطقة الشرق الأوسط والعالم، كـ تعرضها لحالات الاغتصاب المصحوبة بممارسة أساليب وحشية تودي بحياتها في أغلب الاحيان.
يعد العنف الأسري والعنف القائم وسوء المعاملة، والسيطرة المفرطة، والتمييز الجنسي على النوع الاجتماعي واحداً من أكثر الأسباب شيوعاً لقتل النساء، كما أنّ هناك الكثير من الظواهر السلبية التي بدأت تتكاثر بشكل ملموس في المجتمع خلال الفترة الأخيرة، مثل السحر والشعوذة، الشائعات، الإساءة إلى البيئة، المشكلات الأسرية، التسول، والمخدرات التي انتشرت نتيجة الفقر والجهل والأميّة والثراء الفاحش والتبذير دون حساب، وغيرها من الظواهر التي تلقي بتأثيراتها على أمن المرأة والمجتمع. انشغال الوالدين عن الأبناء وعدم وجود الرقابة والتوجيه، يدفع المرأة إلى التعاطي للابتعاد عن كل ما يحيط بها من عنف وتخريب في حياتها من قبل المجتمع. ينتج أحياناً ارتفاع حالات الانتحار كون المرأة لم تعد تحتمل تجذّر هذا النظام الذكوري الناكر لوجودها، وعدم احترام جهودها وحرمانها من حقوقها، ولا يخفى على أحد أنّ أخطر أنواع العنف في العصر الحديث على المجتمع بشكل عام والمرأة بشكل خاص يتمحور حول شبكات التواصل الاجتماعي عند تناول واقع المرأة بشكل عام.
انطلاقة ثورة 19 تموز المعروفة بثورة المرأة، ورغم الهجمات والمخططات المحاكة ضد المنطقة، إلا أنّ المنظمات والحركات النسائية بشمال وشرق سوريا تمكنت في إطار حماية المرأة من مواجهة مفهوم العنف، وذلك من خلال القيام بالكثير من النشاطات والأعمال التي تمت ضمن إطار التنظيم والقانون والإدارة، ووفق مبادئ الأمة الديمقراطية.
من تلك التنظيمات النسائية هيئة المرأة التي لعبت دور بارز من خلال ورشات العمل والندوات الحوارية والمحاضرات الفكرية في توحيد الرؤى والجهود النسائية، وإشراكهن في كافة مفاصل الإدارة الذاتية، بالإضافة إلى أنّها عملت على تشكيل لجان متخصصة بإعداد إحصائيات ودراسات متعلقة بالعنف ضد المرأة والظواهر الاجتماعية السلبية، والوقوف ضد كافة أشكال الحرب الخاصة. مما لا شك فيه أنّه حتى قبل الثورة كانت هناك أنشطة وأعمال من أجل حل العديد من القضايا مثل تعدد الزوجات، حضانة الأطفال، النفقة، الخيانة الزوجية والعنف، وغيرها لكنها حالت دون المستوى المطلوب.
منذ نشأتها سعت الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، من خلال القوانين التي سنّتها إلى حماية هوية المرأة وحقوقها وتفعيل دورها في كافة مجالات الحياة، كما بذلت جهوداً مع المنظمات الاجتماعية والنسائية في ظل الظروف الصعبة والوضع المتأزم الذي تعيشه سوريا لتطبيق المساواة الفعلية في المجتمع وتحقيق مبدأ الحياة التشاركية، وترسيخ مفهوم العائلة الديمقراطية الذي يعتبر أساس الحل لأغلب المشاكل الاجتماعية التي ازدادت خلال الأزمة السورية. للحد من التفكك الأسري الذي كان من أحد الأسباب التي خلقت الأزمة، كان لابدّ من الاتفاق على صياغة قانون ينظم العلاقات ضمن الأسرة الواحدة ويبين الحقوق والواجبات فيها دون تمييز، يُعرف بقانون الأسرة الذي يستند على المبادئ الأساسية والأحكام الخاصة بالمرأة، وصُدر عام 2014 بشمال وشرق سوريا وتم تعديله عام 2022. في حالات القتل العمد بحجة الشرف عند الأنظمة السلطوية يتم إيقاف القضية وإطلاق سراح القاتل، لكن في قانون الأسرة الموجود في العقد الاجتماعي بشمال وشرق سوريا، يندرج هذا النوع من القتل ضمن أسباب القتل الجسيمة مما يتطلب تشديد العقوبة على الجاني.
زواج الأطفال وتعدد الزوجات وزواج البدل هي قضايا شائكة، وتعتبر باطلة وفقاً لقوانين الإدارة الذاتية الديمقراطية. إلا أنّ البعض من النساء يخترن الحرمان من حقوقهن بشكل عام نتيجة العادات والتقاليد البالية والخوف من الذهنية الذكورية السلطوية، على الرغم من أنّ ديوان العدالة الاجتماعية يقوم بعملة على أكمل وجه لتحصل المرأة أينما وجدت على حقوقها المشروعة حسب القوانين التشريعية.
عليه نرى؛ بأنّه يجب أن نسرع الخطى في تمكين المرأة والحفاظ على حقوقها، ووضعها في المكانة التي تليق بقيمتها وتضحياتها على مدار التاريخ التزاماً بالعقد الاجتماعي الذي يعبر عن إرادة الشعوب في شمال وشرق سوريا، ويرسخ قيم العدالة والمساواة لما جاء فيه من مبادئ تكافؤ الفرص وإعطاء المرأة حقـوقها كاملة، بتنسيق مع رؤية مجلس الشعوب لشمال وشرق سوريا واستراتيجيتها للتنمية المستدامة التي تسعى لبناء مجتمع عادل، وإيماناً من الإدارة الذاتية بأنّ الاستقرار والتقدم لن يتحققا إلا من خلال ضمان مشاركة فاعلة حقيقية للمرأة في كافة مجالات الحياة.
تتطلب استراتيجية هيئة المرأة لتحقيق المساواة بين الجنسين أربعة محاور وهي “التمكين السياسي وتعزيز الأدوار القيادية للمرأة – التمكين الاقتصادي – التمكين الاجتماعي – الحماية”، إلا أنّ القوى المهيمنة تحاول دائماً تدمير مكتسبات ثورة المرأة التي تحققت بفضل تضحيات المئات من الشهداء والشهيدات في سبيل إعلاء راية الحرية. لذلك يجب أن نُصعّد من نضال الديمقراطية ضد هذه القوى المهيمنة والرجعية لحماية منجزاتنا، فبقدر ما ننظم العقلية الحرة داخل المجتمع بقدر ما نحمي حريتنا.
يجب اعتبار تغيير العقلية الاجتماعية عملاً أساسياً، وتنظيم الفعاليات بإصرار وتصميم كبيرين على الدوام، لأنّ الفعاليات تبقي المجتمع حياً، وتجعل ردود فعل المجتمع ضد التخلف قوية. هدفنا؛ مواصلة نضال الحرية والديمقراطية، أيّ تهاون بسيط سيفتح المجال أمام مواجهة تهديدات كبيرة، لذلك فإنّ الحماية مهمة وضرورية جداً. لأنّ الحرب لم تنته في سوريا بعد، والمرأة هي التي دفعت الثمن الأكبر خلال الازمة، يجب أن تكون كل امرأة صاحبة قوة دفاعية وتمتلك كامل المعرفة بمبادئ حرب الشعب الثورية.
يجب أن تكون كل امرأة قادرة على حماية نفسها من جميع النواحي، فبقدر ما نعزز من ثقتنا بنفسنا بقدر ما نكون قادرين على امتلاك قوة التغيير والتحول، وبالتالي نستطيع حماية منجزات ثورتنا، مثلما تولت آرين ميركان القيادة في ثورة الحرية لتسطر اسمها بحروف من ذهب في صفحات التاريخ، باعتباره نقطة التحول في مقاومة كوباني يجب علينا كسائرين على نهجها أن ندافع عن أرضنا ولغتنا وهويتنا لمواجهة العقلية الذكورية المتسلطة والمتشددة، وترسيخ حرية المرأة وحماية حقوقها، يجب إنشاء منظومة نسائية لمتابعة أوضاع المرأة في كافة المؤسسات، وبناء مؤسسات موازية للمؤسسات العامة في المنطقة للاهتمام بفكر المرأة وتحقيق أهدافها المنشودة.