المرأة رياديّة وقياديّة وحامية للمجتمع – لنا حسين

المرأة رياديّة وقياديّة وحامية للمجتمع

الرّابط الوثيق بين الأرض والوطنيّة وحريّة المرأة

تحوّل إلى الرابط الروحي والفكري لكافة النساء،

حيث شكّل أرضيّة لاتحاد المجتمعات

فكان من أهمّ ركائز حرب الشّعب الثوريّة

والضّمانَ لانتصارها”

 

لنا حسين

إحدى الاستراتيجيات التي استطاعت الشعوب من خلالها نيل حريتها والحفاظ على قيمها هي حرب الشعب الثورية، حيث كانت من أكثر الاستراتيجيات التي صانت معايير الدفاع والحماية الجوهرية ضمن هالة الحقوق الطبيعية، تجاه الإبادات العرقية والثقافية للأنظمة المستبدة والمستعبدة، وخير دليل على ذلك ما نشاهده الآن في شمال وشرق سوريا بريادة النساء اللواتي تحوّلن إلى طاقة ديناميكية لثورة الشعوب المعروفة بـ “ثورة المرأة”، تجاه الأنظمة الفاشية والشوفينية والعنصرية والدينوية والقوموية.

انتفاضة 12 آذار عام 2004، جاءت نتيجة الكبت والقهر وسلب الحقوق وإنكار الوجود الكردي من قبل النظام البعثي، ما زادَ من عزيمته على حماية كيانه، إدراكاً منه بأنّها مؤامرة لقتل كل حس وطنيٍ كردي، وخلق فتنة وانقسام بين الشعوب والطوائف في المنطقة، ومحاولة ترسيخ قاعدة فرق تسد، فجاءت تلك الأحداث ليهبّ الكرد إلى القيام بتنظيم مسيرات ومظاهرات شعبية منظمة نسبياً، احتجاجاً على ما قام به النظام البعثي والمتواطئون الرجعيون معه. سرعان ما عمّت المظاهرات جميع المناطق الكردية وتحوّلت إلى انتفاضة، ولكن عدم وجود طليعة سياسية، ونهج استراتيجي في إطار هدف واضح حال دون وصولها لأي مبتغى، رغم ذلك ترك هذا الحدث أثراً في نفوس الكرد إيماناً منهم بوجود طاقة كامنة من الحس الوطني، لأجل انطلاقة جديدة أكثر تنظيماً للمطالبة بحقوقهم الطبيعية.

في عام 2011 عندما اندلعت ثورات ربيع الشعوب في الدول المجاورة لسوريا، للمطالبة بتغيير النظام المستبد الذي سلب كل المقومات الحياتية، ألقت هذه الثورات بظلالها وتأثيراتها على الشعب السوري، فبادر إلى الانضمام للمسيرة التي تسعى إلى تحقيق حرية الشعوب واستعادة قيمهم المشروعة. كان الكرد الحاضنة التي احتوت الثورة بطليعة واعية واستراتيجية مدروسة ألا وهي استراتيجية حرب الشعب الثورية، وذلك بالاعتماد على تجاربهم السابقة، مستلهمين من تاريخهم الحافل بالثورات في أجزاء كردستان، وكانت المرأة طليعية هذه الاستراتيجية في جميع المجالات وبالأخص في مجال الحماية والدفاع الذاتي.

انضمت المرأة إلى الحراك الثوري بوعيٍ كامل لماهية جاهزيتها، بالاعتماد على التدريب والتثقيف من كافة النواحي السياسية والفكرية والثقافية وكيفية حماية ذاتها، فكانت تعقد جلسات نقاش وحوارات مع النساء حول التطورات المرحلية وكيفية مواجهتها، تلك الجلسات كانت بداية ظهور آلية الحماية الذاتية للمرأة، وإدارة نفسها بنفسها، ولها الحق في اتخاذ التدابير والقرارات بصدد مستقبلها ومستقبل شعبها بمسؤولية واعية وحس وطني عميق. كان من جملة التدابير والقرارات التي تم اتخاذها، بناء مجموعات منظّمة من النساء لأجل حماية القرى والمدن، وكانت النساء يحملن أسلحة خفيفة كأسلحة الصيد والأسلحة البيضاء، بهدف الدفاع عن مناطقهن ضدّ أي خطر يحدق بها.

دور YXK

وجود هذه الآلية وانتساب أعداد كبيرة للقوات المتمثّلة في حماية الأحياء والشوارع، والتي لم تكن تحمل أيّ صبغة عسكرية، تزامن مع ظهور مجموعات المرتزقة الإرهابيين وهجماتهم التعسفيّة على المنطقة. اتخذت منذ بداية ظهورها مبدأ الدفاع وحماية الذات، وبحكم الضرورة الحتميّة ونظراً لواقع الأحداث التي عاشتها المنطقة من تهديدات داخلية وخارجية، تم الإقرار على بناء تشكيل عسكري من الشابات والشبان ضمن هيكلية منظمة باسم وحدات الشبيبة الكردستانية YXK، وبدأت بفتح مراكز للانتساب لها في المدن، حيث كانت تدار فيها الأعمال التنظيمية والتدريبات النظرية، وأيضاً ندوات حوارية شعبية في إطار التوعية الفكرية والتنمية لماهية حماية الذات، وترسيخ دعائم الروح الوطنية والثورية في مجاراة أحداث الثورة.

بادرت العشرات من الشابات والشبان للانضمام، وأخذوا مكانهم في الهيكل العسكري، ضمن صفوف وحدات الشبيبة الكردستانية (YXK)؛ التي طوّرت نفسها في سباق مع الزمن، لتشكّل وحدات حماية الشعب (YPG)، وسرعان ما ازدادت أعدادهم، الأمر الذي اقتضى بناء تشكيل ومؤسسة قيادية خاصة بهم، لتبدأ مرحلة جديدة وهي مرحلة بناء كتائب خاصة بالنساء في كانتونات مثل عفرين، والجزيرة وكوباني.

 كانت أول كتيبة عسكرية تم تشكيلها هي كتيبة الشهيدة “روكن” في كانتون عفرين بقيادة الشهيدة “روكسان عفرين” بتاريخ 13 شباط عام 2013، لتصبح هذه الكتيبة نواة وحدات حماية المرأة، إذ توالى تشكيل الكتائب النسائية في مناطق مختلفة في شمال وشرق سوريا في نفس العام، لزيادة الرغبة في تكوين حلقة متكاملة تتعاضد وتتناصر فيما بينها كخلية النحل، والرغبة الحثيثة بكسر القيود، وكل تلك الكتائب كانت نتاج وثمرة النضال والانتصار الحقيقي من قبل المرأة.

شاركت الكتائب النسائية مع وحدات حماية الشعب في تحرير المناطق من النظام البعثي والمجموعات الإرهابية المسلحة، وعلى الرغم من قلّة العتاد والأسلحة فقد حققت الكتائب النسائية مع وحدات حماية الشعب انتصارات قيّمة في أصعب الظروف، لأنّ ما قاموا به من إنجازات لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت نتيجة وعيهم بمهامهم التاريخية، وإيمانهم التام بأنّ الخناق والحصار المفروض على أرضهم وشعبهم وقيمهم التاريخية، هو في الوقت ذاته حصار وخناق مفروض على روحهم.

دور وحدات حماية المرأة

انضمام الشابات إلى صفوف وحدات حماية المرأة التي تأسست في 4 نيسان عام 2013، كان له تأثير معنوي قوي على النساء بشكل خاص، فقد كنّ ينتظرنَ مرور دوريات الوحدات التي كانت تقوم بجولات أمنية فقط لتُلقينَ نظرة ولتعشنَ لحظة الافتخار بهن. كان أكثر ما يميّز وحدات حماية المرأة هو قيامها بكافة المهمات الدفاعية، وانضمام العنصر النسوي إلى المنظومة الدفاعية كان العامل الذي شكل النقطة الأكثر اختلافاً بشخصية المرأة القوية، بذلك تكون المرأة قد رسمت نموذجاً لشخصية جديدة لا تمتّ لسابقتها المستسلمة والخاضعة بأيّة صلة، حيث أصبحت مكافحة ومناضلة ومقاومة ضدّ كل ما يُفرض عليها من الذهنية الذكورية.  كانت هناك روايات كثيرة لنساء يفتخرنَ بنضال ومقاومة وحدات حماية المرأة منها، عندما روت عضوة من الوحدات قصتها عندما كانت تقوم بالحراسة مع اثنتين من رفيقاتها:

“كان يوجد طريقان لدخول البلدة التي كنّا نقوم بحراستها، أحدهما كان طويلاً جداً ولكنه كان يمرّ من أمام نقطة الحراسة التي كنا نديرها. أمّا الآخر كان مختصراً ولكنّه أبعد بقليل عن مناطق تواجدنا، والمثير في الأمر أنّ الشعب كان يسلك الطريق الجبلي الطويل فقط ليمرّ من أمامنا ويُظهر لنا التضامن والفخر”.

انضمّت إلى صفوف وحدات حماية المرأة، نساء من كافة المكونات والمذاهب “كرد، عرب، سريان، تركمان، أرمن” وأمميات من مختلف الدول الأوروبية، وكانت كل مقاتلة تحافظ على خصوصية مجتمعها، وهذا ما جعل من صيت هذه الوحدات ذائعاً في مختلف أنحاء العالم.

انتساب المرأة لواجب الحماية كان قوة دفع نوعية في الاستجابة لكل طموحات النساء، والانخراط في الدور التعليمي الإداري والسياسي وبناء مؤسسات نسويّة. مثّلت الكرديات روح حرب الشعب الثورية في قيادة المعارك وتطوير تكتيكات الحرب الشعبية، وكانت عنصراً فعّالاً في معارك التحرير ضد مرتزقة الاحتلال التركي وأعتى تنظيم إرهابي عرفته البشرية ألا وهو تنظيم داعش. الرابط الوثيق بين الأرض والوطنية وحرية المرأة تحوّل إلى الرابط الروحي والفكري لكافة النساء في روجآفا، حيث شكّلت أرضية لاتحاد الشعوب، وهذا من أهم ركائز حرب الشعب الثورية والضمان لانتصارها.

لا تقتصر مهام وحدات حماية المرأة على القتال، فهي تُعرف نفسها على أنّها قوة عسكرية أساسية وطنية، تتمحور حول المجتمع الديمقراطي الإيكولوجي وحرية المرأة، وتناضل ضد نظام التجييش التسلطي الذكوري ونظامه الجنسوي، وضد التعصب القومي، والنظام الأبوي في مجتمعات الشرق الأوسط، وتؤكّد على أنّها القوة المشروعة للمرأة والتي تحمل على عاتقها ضمانة نضال تحرر المرأة.

ونحن نتحدث عمّا حقّقته وحدات حماية المرأة على مرِّ السنوات، نجدها اليوم في خنادق المقاومة تدافع عن مكتسبات ثورة المرأة وهويتها ووجودها وحقوقها في سوريا الجديدة، كما أنّها قدّمت الكثير من الشهيدات، منهنّ آفاشين قامشلو من المكون العربي، وروناهي يكته من المكون الكردي، الشهيدتان اللتان أنارتا شعلة المقاومة والتصدّي لمرتزقة الاحتلال التركي الهادف إلى ارتكاب المزيد من المجازر والانتهاكات والإبادات بحق شعوب المنطقة بشكل عام والمرأة بشكل خاص.

على جميع النساء في هذه المرحلة تعزيز حمايتهن الجوهرية لضمان حماية جميع أفراد المجتمع، فالحماية لا تعني فقط حمل السلاح، بل تعني أيضاً تدريب الذّات والوصول إلى الشخصية الحرّة، فلا فائدة من وجود السلاح دون الفكر الحر والشخصيّة المدرّبة والحرّة. إنّ مقاومة المرأة وتنظيمها ينطوي على أهمية كبيرة من تحقيق مبدأ الدفاع الذاتي.