الثّقافة ودورها في تعزيز الهويّة الوطنيّة وحمايتها – حنان خلف

 

الثّقافة ودورها في تعزيز الهويّة الوطنيّة وحمايتها

 

“الثقافة هي أداة رئيسية لرُقيّ المجتمعات،

 ولؤلؤة الإرث العظيم لمنظومة المعرفة العربية الخلّاقة،

كما تُعتَبر الثقافة عاملاً حاسماً في بناء الأفراد وتشكيلهم،

والمرأة تلعب دوراً أساسياً في حماية الموروث الثقافي الذي يُشكّل نسيج المجتمع

 

 

حنان خلف

 

في زمن تتسابق قوى الاستعمار بقيادة الإمبريالية لمحاولة تدمير حضارات الشعوب واستباحة ثرواتها ووجودها، وتدمير قيمها الأخلاقية وتقسيمها ليسهل السيطرة عليها، وتدمير هوياتها الوطنية، يبرز دور الثقافة كسلاح مهم في مواجهة تحديات قوى التوحش العالمية المتمثلة بالعولمة، حيث تُعتبر الثقافة عاملاً حاسماً في بناء الأفراد وتشكيلهم، ومن ثم تُؤثر بشكل كبير على المجتمعات بأسرها.

الثقافة ليست مجرّد مجموعة من العادات والتقاليد والفنون، بل هي الطريقة التي يُفكر ويتصرف بها الأفراد والمجتمعات، وتشمل مجموعة من القيم والمعتقدات والممارسات التي تميّز كل مجتمع عن غيره، فكلمة ثقافة هي كلمة واحدة لكن في محتواها نجد الكثير من الأمور والمعاني والدلالات التي لا ينتهي الحديث عنها، فالثقافة هي استمرار في سعة الاطلاع على المعارف الإنسانية والمهارات التقنية والحركية والسلوكيات النفسية السائدة في مكان وزمان ما، وتحدث عمق وتنوع وتفاعل لا حصر له في النفس الإنسانية.

نستطيع أن نعطي تعريفاً للثقافة بأنّها نتاج فكري تشكّل لدى المجتمعات على مرّ العصور، وظهر على أشكال مختلفة وبجميع المجالات، فقد تشكلت الثقافة من خلال ظهور سلوك جديد، أو تعديلٍ في سلوك قديم، واحتمالية تقبّل هذا المجتمع لهذا السلوك ومن ثم انتقاله من فرد لآخر بهدف ضمان استمراريته كنقطة رئيسية، إذ يتحول السلوك إلى عرف مجتمعي تتناقله الأجيال ليتحول فيما بعد إلى ثقافة ثابتة.

بصورة واضحة تشكل الثقافة الخط الفاصل بين الشعوب؛ فهي المميز فيما يرتبط باللغة والعادة والنظام القيمي والمعتقد، وهذا سر بقاء المجتمعات والشعوب التي تبدو ثقافته في إطار وسياج قوي بفضل حرص منتسبيها في الحفاظ عليها ودحر محاولات النيل منها بطرائق مختلفة.

بعض الشعوب تتجلى ثقافتهم في عدّة عوامل أساسية ومهمة، أبرزها اللغة التي يتم من خلالها البحث والغوص في هذه المجتمعات والتّعرف على أفكارهم ومعتقداتهم وطريقة الحياة لديهم، كما أنّ هناك عوامل أخرى تتجلى في اختلاف تنوّع الثقافة من ناحية اللباس والأغاني، والشعر والأدب، والصناعات اليدوية، والعادات والتقاليد، بالإضافة إلى العبادة والطقوس الدينية، وصولاً إلى البناء والعمران والنحت والزخارف والأعمال الفنية.

يُشكل العامل البيئي والجغرافي عاملاً مهماً وضرورياً لظهور أولى جذور الثقافة، وأقصد هنا جميع العوامل الطبيعية التي تحدد هوية المكان أو الجغرافيا التي تقيم فيها مجموعة بشرية محددة، والحقيقة أنّ البيئة كانت من أهم عوامل تشكيل الثقافة وذلك لأنّها تفرض شروطها على المجتمع، وتجعله يعيد تشكيل علاقاته بناءً عليها.

بدأت الثقافة منذ بدء البشرية ووطأت أقدامها على هذه الأرض، ومع التطورات التي حصلت على البشرية من الناحية الفكرية والتقدم، كان يولد شيءٌ جديدٌ لمعنى الثقافة، فقد عاش الإنسان على هذه الأرض متّحداً مع الطبيعة التي حوله من أشجار وأنهار، وشمس وجبال، وسهول ووديان وكهوف، وحتى مع الحيوانات الموجودة. بعض الشعوب عملت بالزراعة والبعض الآخر اهتم برعي الحيوانات وتدجينها وتربيتها والاستفادة منها. بعد تشكل المدنية واستقرار الحياة البشرية على ضفاف الأنهار توسعت الثقافة بشكل أكبر بالتزامن مع ازدياد أعداد البشر، بذلك أصبحت المجتمعات منتشرة في كل أرجاء الأرض، وكان لكافة هذه المجتمعات والشعوب طابعاً ثقافياً خاصاً به.

مع تطور المدنية وانتشارها في العالم، ونتيجة الحروب والغزوات، والرحلات التي كان يقوم بها المستكشفون، كان هناك مجالٌ للتعرف على ثقافات جديدة ونقلها من مكان لآخر، على سبيل المثال أثر الغزو الفرنسي للجزائر بشكل كبير على لغة ذاك البلد، حيث نلاحظ أنّ معظم لغة الجزائريين هي اللغة الفرنسية، وهذا إن دل على شيء إنّما يدل على قوة تأثير اللغة الدخيلة على هذا البلد من جهة، وضعف محافظة الشعب الجزائري على لغته الأم من جهة أخرى.

من هذا المثال؛ نستطيع أن نستنتج أنّ الشعوب إن لم تتمسك بلغتها سيزول أثرها، وستزداد تشوهاً إلى أن يُمحى أثرها بشكل نهائي من صفحات التاريخ. الإنسان بطبيعته ينجذب إلى الأم كونها أول من يجدها أمام عينيه وملازمة له طوال الوقت، وتقدم له كل أنواع الرعاية والاهتمام والعلاج التغذية وكامل احتياجاته، حتى يكون جاهزاً لأن يقوم بتأمين احتياجه بنفسه، هذا الارتباط القوي والعميق روحياً وجسدياً يعزز من قداسة وجود الأم، وأهميتها في تعليمه اللغة منذ نعومة أظفاره.

هناك مثل فرنسي يقول “إذا أردتم أن تعرفوا مدى رُقي أمةٍ فانظروا إلى نسائها”، من هذا المثل نستطيع أن نؤكّد بأنّ مفهوم الثقافة مرتبط بشكل وثيق بالمرأة. لا شك بأنّ الشكل الذي ندرس فيه تاريخنا يغذي بطريقة أو بأخرى الموروث الثقافي، فالتاريخ يمثل ذاكرتنا، وللأسف فهذه الذاكرة ذاكرة انتقائية يتم تطويعها وفقا لموازين القوى القائم، حيث عادة ما يتم تغليب تاريخ القادة على تاريخ الشعوب، وتاريخ الرجال على تاريخ النساء بهدف تكريس موروث ثقافي يحذف ما يريد أن يلغيه من الموروث ويؤكد على ما يريده أن يكون موجوداً في هذا الموروث.

هذا الأمر ساهم في تشكيل إدراك عام حول النساء تراوح ما بين التقليل من شأن النساء عبر التاريخ، أو تجاهلهن، أو إلحاقهن بالرجال، ما دفعهن إلى محاولة إعادة كتابة التاريخ من خلال عدم تجاهل النساء، ورسم معالم ثقافة نسائية جديدة بما يسهم في إثراء الموروث الثقافي باتجاه إعادة الاعتبار للنساء وعدم القيام بتهميشهن، والأهم من ذلك كله عدم قصر دورهن على حراسة الموروث كما هو.

تلعب المرأة دوراً أساسياً في حماية الموروث الثقافي الذي يشكل نسيج المجتمع، كما أنّها تمثّل حلقة الوصل بين الماضي والحاضر. المرأة تحافظ على التراث الثقافي والاجتماعي عبر إحياء المناسبات التقليدية، التعليم، وحتى اختيار نمط الحياة الذي يتناسب مع قيم المجتمع، حيث أنّها أكثر من يعرف كيف يعطي للقيم والمبادئ معنى، فقد كانت متمسكة بتراثها وثقافة مجتمعها من خلال الحفاظ عليه ونقله للأجيال بشكل متوارث، ليس ذلك فحسب وإنّما أيضاً ابتكار واكتشاف أشياء إضافية يشهد لها التاريخ على ذلك، فهي أول مكتشف للزراعة والقمح والرحى وصناعة الخبز، والأرقام وأيام الأسبوع والأشهر وفصول السنة، والأدوات المنزلية والتداوي بالأعشاب الطبية، بالإضافة إلى الغزل والنسيج وصناعة الألبسة ودباغة جلود الحيوانات.

لا تزال أمهاتنا وجدّاتنا محافظات على تراثهن ومتمسكات به سواء من ناحية الزي أو بعض العادات، رغم الهجمات الكبيرة التي تؤثر بشكل ما على المرأة للتخلي عن موروثها الثقافي واتّباع ثقافة الغرب والقبول بها. هناك الكثير من النساء العربيات والقياديات اللواتي حمل التاريخ القديم ذكراهن ولا نزال نعيد خطاهن في وقتنا الحالي، كـ ملكة تدمر “زنوبيا” التي تُعتبر اليوم أيقونة القوة والإرادة للمرأة الحقيقية التي كسرت مفهوم عدم وجود امرأة في مقاليد الحكم والترأس، رغم حجم الصراعات من قبل الذهنية الذكورية آنذاك.

بالتالي؛ للمرأة دورٌ فاعلٌ ومؤثرٌ ومفصلي في ثقافة وتثقيف المجتمع، فقد كانت منذ القدم حاضرة في المحافل الثقافية، ولم يكن حضورها هامشياً، بل كانت تحضر بشكل لافت للنظر وتؤثر تأثيراً كبيراً في مفاصل الحركة الثقافية، حتى أصبحت مقصداً للشعراء والأدباء في زمنها.

أمّا التاريخ الحديث فقد حمل أسماء العديد من النساء الرياديات، أمثال الجزائرية جميلة بوحيرد من مواليد 1935 الملقبة ببطلة المقاومة والثورة الجزائرية، وأيقونة من أيقونات الثورة أثناء الاستعمار الفرنسي أواخر القرن العشرين. لو تطرقنا إلى الناحية الفكرية والأدبية لوجدنا أيضاً شاعرات أبدعن في مجالهن، كالخنساء التي صُنِّف شعرها من أجمل الشعر في التاريخ العربي، وأم كلثوم العامرية بالإضافة إلى الشاعرة ليلى الأخيلية التي تُعتبر أهم شاعرات العرب في القرن الأول الهجري وعُرِفت بفصاحتها وذكائها وجمالها.

من أشهر الأديبات النسويات نوال السعداوي التي كتبت أكثرَ من خمسين عملًا متنوِّعًا بين الرواية والقصة والمسرحية والسيرة الذاتية، وهي أشهر من نادى بتحرير المرأة من العبودية. فيما تنوّعت إنتاجات الكاتبة الجزائرية آسيا جبار بين الروايات والشعر والمسرحيات الداعمة لحقوق المرأة. كما قادت الكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي من خلال كتاباتها كفاحاً في إطار المجتمع المدني من أجل المساواة وحقوق النساء.

كما يزخر العالم العربي بالعديد من المواهب الفنية النسائية المتألقة التي حققت العديد من الإنجازات المشرّفة على الصعيد المحلي والعالمي بأناملها المبدعة كـ الفنانة البحرينية كادى مطر، والفنانة التشكيلية المصرية دينا ريحان، واللبنانية المبدعة شفى غدّار. المرأة تواجه عراقيل كثيرة أمام ارتقائها السلم الاجتماعي أو المهني في المجتمعات العربية، وتشتكي من أنّ ذكورية مجتمعها تحول دون تحقيق آمالها وطموحاتها، في تقلد المناصب العليا في المجالين السياسي أو الإداري وتحمل المسؤولية.

لذلك؛ شهدت الثقافة في العصر الحديث تطوّراً كبيراً بفضل دور المرأة المتزايد في مختلف المجالات، فعلى الرغم من التحدّيات الكبيرة التي واجهتها المرأة في المجتمع مثل التمييز والافتقار إلى الفرص، إلاّ أنّها تمكّنت من تحدّي تلك القيود وفرض نفسها في مجالات لم تكن مفتوحة لها في الماضي، مع العلم أنّ تلك التحديات تطلبت مجهوداً كبيراً على المستويين المحلي والعالمي، لضمان تمتع النساء بجميع حقوقهن الثقافية والمشاركة في بناء ثقافات أكثر شمولية وتعدد.

كان للعصر الحديث تأثير عميق على الثقافة، حيث شكل الطريقة التي يعيش بها الناس ويعملون ويتواصلون ويتفاعلون مع بعضهم البعض، وقد أدى ذلك إلى ظهور أشكال فنية وموسيقى وأدب وفلسفات جديدة، فضلاً عن توسيع التبادل الثقافي والتفاهم العالمي. مع ذلك، فقد جلب العصر الحديث أيضاً تحديات، مثل تأكل القيم التقليدية وتزايد عدم المساواة الاجتماعية. بشكل عام، كان العصر الحديث وقتًا للتغيير والتحول الكبير، مع عواقب إيجابية وسلبية على الثقافة.

يُعتبر التعرّف على الثقافات المختلفة والتواصل معها أمراً مهماً لتعزيز الفهم والاحترام والتسامح بين الناس، بغض النظر عن خلفياتهم الثقافية، ويمكن أن يساعد على توسيع الآفاق الثقافية والمعرفية للأفراد والمجتمعات. وبواسطة الإبداع والابتكار، يمكن للثقافة أن تبني وتطوّر هويات الأفراد والشعوب، وتؤثر بشكل كبير في التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. رغم ذلك، فإنّ انعدام الثقافة أو الاهتمام بها، يمكن أن يؤدي إلى خسارة موروث حضاري ثمين وإلى تعرّض الفرد والمجتمع للتطرف والتعصب والجهل، وربما يؤدي إلى التشكيلات المجتمعية الضارة، كالتنمر والتمييز والعنف.

ترتكز الثقافات المختلفة حول العالم على الكثير من العادات والتقاليد والمعاملات الاجتماعية المختلفة، وبالتالي يؤدي انفتاح الثقافات إلى سهولة التعامل مع الاختلاف وإضافة الكثير من المغامرات إلى الحياة، بالإضافة إلى تطوير الذات والتعامل بالعادات الحميدة التي تمتاز فيها الثقافات عن بعضها.

يمكن أن يسهم الانفتاح على الثقافات الأخرى في تعزيز السلام العالمي، فعندما نتعلم أن نحترم ونقدر الثقافات المختلفة، نصبح أكثر استعداداً للعمل معاً لحل النزاعات وبناء مستقبل مشترك. إن التفاهم المتبادل يمكن أن يكون أساساً قوياً للتعاون، حيث يتمكن الأفراد والدول من العمل معاً لتحقيق أهداف مشتركة مثل التنمية المستدامة ومكافحة التغير المناخي.

كما يُعدّ التفاعل الثقافيّ وليد الانفتاح الحاصل خلال العقود الأخيرة بين مختلف الدول والشعوب، ونظراً للتطورات الجذريّة في مجالات الاتصالات والعلوم والسياسيّة، فلم تعد الشعوب منكفئة على نفسها، فهي اليوم تخرج من حدود ثقافتها الأصلية لتتشاركها مع الشعوب الأُخرى، وتؤثر وتتأثر. من خلال ذلك استطاعت الشعوب أن ترى نفسها في عيون الشعوب الأُخرى، مما ساعدها على مراجعة موروثها الثقافي عبر مراحل زمنيّة، والمحافظة على أهم المظاهر الثقافية الإيجابية لديها، والتخلص من المظاهر التي تشكل عائقاً أمام نمو حضارتها الإنسانية وتقدمها.

الشعوب التي تتحاور ثقافياً لن تلجأ إلى الحروب وافتعال الصراعات المسلحة؛ لأن لغة الحوار أشد تأثيراً ورُقياً من الفعل العسكري، ويبدأ عندما تُبدي الشعوب احترامها لثقافة الشعوب الأخرى ونمط حياتها ومعتقداتها، فالثقافة مفهوم شامل وجامع لكل شيء، بل تكاد تكون النافذة الأوسع التي تتمكن الشعوب من خلالها من تحديد هويتها.

ما نحتاجه اليوم هو خلخلة الموروث الثقافي بشكل يعيد الاعتبار للنساء ويرفض تهميشهن وتعنيفهن، ثقافة تناهض الإقصاء وتعزز المساواة. الموروث الثقافي ليس قالب جامد، وإنّما الهيمنة عليه هي التي تفرض هذا الجمود، ومن ثم فإنّ معركتنا هي مع المدافعين عن الجمود من أجل موروث مرن يراعي الاحتياجات الظرفية والمكانية والزمانية أيضاً، موروث يراعي الاختلاف، موروث لا نخجل من أن نفتحه للثقافات الأخرى ليتفاعل معها بما يخدم الإنسانية، موروث لا يعتمد على قوالب جامدة تتحول الى أنساق نمطية تتجذّر في تراسلها التاريخي المجتمعي، وتملك بالتالي سلطة الهيمنة والاستحواذ وقوة التعاقب الزمني.

على الرغم من التطورات التكنولوجية والعولمة التي أثرت على جميع المجتمعات، تمكّنت المرأة من خلق توازن بين التمسك بالقيم التقليدية وبين التكيف مع متطلبات العصر، فهي تدير هذا التوازن من خلال تعزيز الابتكار والتطور في المجتمع، مع الحفاظ على عناصر الهوية الوطنية. المرأة في المجتمعات المعاصرة لم تعد فقط حامية للتراث، بل أيضاً رائدة في الابتكار، مما يعزز دورها في تطوير المجتمع وحمايته من الانجراف وراء قيم غير متوافقة مع الهوية المحلية. لا شكّ أنّ الموروث الثقافي يترسخ في العقل والوجدان كنتيجة لمرور وقت عليه دون نقاشه وأخذه بشكل مناسب به، ولذلك حتى يتم نقد هذا الموروث وتوظيفه لخدمة قضايا المساواة لا بدّ من مخاطبة العقل والوجدان، وهذا يتطلب الإبداع في استخدام الأدوات المختلفة.

كما يُعدّ التعليم أداة أساسية تمكّن المرأة من التفاعل مع الثقافة بشكل أعمق بجانب أنّه يساعدها في الانفتاح على ثقافات متعددة ويمنحها الفرصة لتطوير قدراتها الإبداعية والفكرية، حيث بدأ الاهتمام بتعليم المرأة يزداد في السنوات الأخيرة مما أثمر بنتائج إيجابية في تطور الثقافة العامة، بحيث نرى النساء في المجتمعات الحديثة تعمل في مجالات متعددة مثل الفلسفة وعلم الاجتماع، والطب والسياسة مما يساهم في إثراء الثقافة العامة.

الثقافة هي أداة رئيسة لرقي المجتمعات، فهي لؤلؤة الإرث العظيم لمنظومة المعرفة العربية الخلاقة، وقيم الفضيلة التاريخية الحضارية المطرّزة بعقد من البطولات والأمجاد، والمنسوجة بآداب من الفن البهي الذي كحّل عين الزمن إلى أبد الدهر. ومن هنا يبدو مهماً دور المثقفين في صناعة الثقافة المقاومة، فكما النحلة تتنقل من زهرة لأخرى، لتصنع لنا من رحيق الأزهار عسلاً شهياً فيه شفاء للإنسان من الكثير من الأمراض، كذلك هو دور المثقف الباحث المفكر، فهو يُنَقِّبُ عن رؤى من سبقه من المثقفين ويناقشها ويحللها، ليحصل في النهاية على رؤى جديدة تتناسب مع روح العصر الذي يعيشه ومتطلباته، لينتقل بالمجتمع من حالات التخلّف إلى التقدم، ومن العتمة إلى النور. ومن هنا كان لها الأولوية في صيانة وتحصين الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء الوطني، الذي يُعد الأساس لأمن الوطن وقوته.

من هنا، فإنّ حضور المرأة له دور محرّك في المشهد الثقافي والفني، ويمتاز بالنوعية والديناميكية، لا سيّما أنّ الثقافة في حياة المرأة لا تتوقف عند حدود معينة، فهي ممارسة مستمرة تتجاوز التفاعل اليومي والبحث اللحظي، وتندرج ضمن مبادرات نوعية وفردية، تصل إلى مستوى المشاركة في بناء مؤسسات ثقافية، ويحرّكها الإيمان بأهمية العمل على تعميق التجربة الإبداعية، في الفضاء الثقافي.

لا يمكن لثقافة أن تنتشر ويطول أمدها من غير أخلاق تناسبها وتنسجم معها، والأخلاق الفاضلة لا تقوم إلا بثقافات نبيلة، وعظمة الثقافة في خلودها، وخلودها بعظمة الأخلاق التي تمنحها الروح والحيوية والبقاء لا بسيادة الانتشار القسري، والأخلاق الحميدة تفرض نفسها وثقافتها فتستقر في الأنفس وتحتل القلوب بِرضى وانسجام. اليوم المرأة لديها متسع كبير من الفرص والدعم والحرية، ما يجعلها تصنع الواقع والمستقبل الذي تحلم به وتُخطط له، ولذلك، فإنّ جزءاً كبيراً من حرية المرأة في إبداعاتها هو حصادها المعرفي الواسع، وهو ما أهّلها لتحديد أولوياتها والمساحة التي تودّ أن تُبدع فيها.