الشّرق الأوسط وإعادة هندسة الخرائط والأحلاف – د.ليلى موسى
الشّرق الأوسط وإعادة هندسة الخرائط والأحلاف

“بالرّغم من تفوّق مشروع الشّرق الأوسط الجديد حتى الآن،
إلاّ أنّ إعادة هندسة المنطقة وإعادة رسم الخرائط
تواجهها عقبات جمّة، ذلك بسبب اختلاف المصالح والأولويات،
سواء بين الحلفاء ضمن الحلف الواحد
أو حتى مع المتصارعين”
د. ليلى موسى
بالنظر إلى التطورات والمستجدات الدراماتيكية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشّرق الأوسط منذ نهاية العام المنصرم، نرى أنّ ما يحدث ما هو سوى نتاج استراتيجيات وسياسات خُطط لها منذ عقودٍ من الزمن، حيث بدأت أولى مراحلها من تسعينيات القرن المنصرم أي حرب الخليج الأولى والثانية. ما نشهده اليوم من أحداث ومعطيات يبدو للكثيرين للوهلة الأولى على أنّها صادمة ومفاجئة، لكنها في الحقيقة ما هي إلا انتصارٌ وتفوقٌ لأصحاب نظريّة الشّرق الأوسط الجديد واستراتيجيتها، وإن اعترتها بعضٌ من التبدلات والتغييرات في بعضٍ من تكتيكاتها انطلاقاً من براغماتيتها بما ينسجم مع المعطيات التي فرضتها الوقائع والمستجدات بفعل فواعل داخلية وخارجية مع الاحتفاظ بجوهرها الاستراتيجي.
الشرق الأوسط وفي قلبه سوريا التي احتلت المركز في قلب المشاريع التوسعيّة منها وغير التوسعية والمتصارعة فيما بينها. الشرق الأوسط الجديد ذو الغطاء الأيديولوجي (الاتفاقيات الإبراهيمية)، والعثمانية الجديدة (الميثاق الملي) بغطائها في إعادة الخلافة السنية، والهلال الشيعي ذو الأبعاد الشيعية، إلى جانب المشروع الصيني والمتمثل في “الحزام والطريق” ذو البعد الاقتصادي الصرف، والمشروع الروسي الذي يعمل على استعادة دوره بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والوصول إلى المياه الدافئة، مع غياب المشروع العربي وحالة التشرذم التي يعيشها العرب نتيجة الاستقطابات بين الدول والقوى الإقليمية والدولية. اختلاف في أولويات كل دولة بالنسبة إلى أمنها القومي ومشاكلها وأزماتها واحتياجاتها.
حدّة الصّراع والتنافس بين أصحاب المشاريع المتصارعة وحلفائهم الإقليميين والدوليين والمحليين أوصلت العديد من بلدان الشرق الأوسط إلى حافة الانهيار. جميع هذه المشاريع وإن اختلفت في المسمّيات والأدوات والاستراتيجيات إلاّ أنّ جميعها ذات أهداف اقتصادية بحتة في بعدها الاستراتيجي.
وفقاً للمعطيات؛ يتّضح تفوق مشروع الشّرق الأوسط الجديد/الكبير على حساب هزيمة مدوّية لمشروع الهلال الشيعي، ونجاح مرحلي وقتي للميثاق الملي، مع تراجع روسي وخسارة للحزام والطريق، رافقها انهيار الأنظمة الشديدة المركزية والديكتاتوريات، وصعود للإسلام السياسي في مناطق جغرافية متباينة، بحسب مقتضيات واحتياجات المرحلة. مع ظهور قوى (فواعل) وطنيّة جديدة على الساحة وسنأتي إلى ذكرها.
بالرّغم من تجاهل أصحاب المشاريع أو غض الطرف عن إرادة شعوب المنطقة في الكثير من الأحيان، واستخدامهم كأدوات لتنفيذ مشاريعهم، إلا أنّها ظلّت محكومة ورهينة للقبول الشعبي لاستتباب الأمن والاستقرار، حيث استحالت التنمية الاقتصادية في ظل بيئة غير آمنة. هذا لا يعني أنّ هناك اقتصاد حربي، ولكن هذا النوع من الاقتصاد غالباً يحقق مكاسب خيالية وسريعة لكنه يكون مرحلي ووقتي، أمّا الاقتصاد ذو البعد الاستراتيجي فيتطلب الأمن والاستقرار، وهذا يتطلب قبولاً ورضاً شعبياً.
بالنظر إلى وجود حالة التنافس والصراع الشرس بين الأعداء، كان هناك نوع من التنسيق والتعاون عادي المستوى، بحيث تبقى الأمور تحت السيطرة ومنعها من الانهيار والانفلات، وتمت إدارة دفّة الصراع بحنكة محكمة. يتّضح لنا نمط وشكل العلاقات التي تحكم بين الدول، حيث اتخذت أشكال وأنماط مختلفة، انسجاماً مع حجم التعقيد وتجذير الأزمات والمشاكل المستعصية لا عداوات وصداقات ثابتة، فقط تحكمها مصالح مشتركة. فمن جهة نجد علاقة صراع وتنافس بين دولتين، ومن طرفٍ آخر نجد تنسيق وتعاون وتبادل اقتصادي. على سبيل المثال مصر وتركيا بالرّغم من القطيعة السياسية والدبلوماسية إلا أنّها شهدت ارتفاعاً في مستوى التبادل التجاري بينهما في الفترة الأخيرة.
بالرّغم من تفوق مشروع الشرق الأوسط الكبير إلى الآن على الأقل، إلاّ أنّ إعادة هندسة المنطقة وإعادة رسم الخرائط، تواجهها عقباتٌ جمّة. كما أسلفنا أنّه وبسبب اختلاف المصالح والأولويات سواء بين الحلفاء ضمن الحلف الواحد أو حتى مع المتصارعين، أدى ذلك في تسارع حدّة بعض الأحداث بالوقت القياسي بفعل عوامل موضوعية وأخرى ذاتية، مثل معركة حلب على سبيل المثال، حيث تم جدولتها لمّدة شهرين أو أكثر بينما أنجزت خلال ساعات. بينما حرب غزّة وأوكرانيا كان يُقال على أنّها عملية محدودة ولمدة أسبوع، إلا أنّها دخلت عامها الثاني. على الرغم من سرعة التطورات على الساحة السورية إلا أنّها المفتاح لإنهاء أزمتي غزّة وأوكرانيا لكون جميع هذه الملفات مرتبطة ببعضها البعض.
انحسار مشروع الحزام والطريق الصيني
هذا المشروع الذي تحتل فيه منطقة الشرق الأوسط مكانة استراتيجية يبدو أنّه لن يظهر إلى النور، ومازال من المبكر الحديث عن وضع أولى لبناته، كونه يتّخذ من البعد الاقتصادي مبدأ واستراتيجية بحتة. إنّ الصين أغفلت أهم جانب تسويقي لمشروعها وهو البعد الأيديولوجي القائم على سيكولوجية المجتمعات، لذلك المشروع تمّ وأده قبل الولادة، لأنّ الصين إلى الآن لم تغيّر استراتيجيتها في التعامل مع الدول والمجتمعات، متجاهلة التطورات والمستجدات، وتتعامل بمنطقها التقليدي وإصرارها على دعم النظم المركزية التي تتساقط الواحدة تلو الأخرى. بالتالي انتهى وجودها في تلك الدول بمجرد رحيل زعمائها الديكتاتوريين.
تلك البلدان تحوّلت إلى حواضن تستقطب جماعات في حالة صراع معها مثال الأيغور. سوريا التي كانت تربطها علاقات استراتيجية تحوّلت اليوم إلى تهديدٍ على أمنها اليومي كالحزب التركستاني وما يمتلك اليوم من نفوذ وقوة وحضور. يبدو أنّ المحور الغربي لن يقف عند حدّ تجميد هذا المشروع بل سيُسهم في القضاء عليه، وتجفيف أيّة حواضن توفّر بيئة له، إذ نجد جماعات الإسلام السياسي ليست حكراً على الشرق الأوسط فقط، بل أصبحت متغلغلة بقوة حتى في أفريقيا، حيث النفوذ الاقتصادي الصيني.
سعت الصين إلى الخروج من دورها التقليدي القائم على الاقتصاد فقط والتوجّه بعض الشيء إلى لعب دور سياسي ودبلوماسي، فلعبتْ دوراً في إعادة ترميم العلاقات بين إيران والسعودية، لكن بالنّظر إلى المعطيات فإنّ هذا الدور سيبقى محدوداً، على العكس من ذلك نجد ما حصل عليه ترامب من أموال في جولته الأخيرة إلى الخليج ربّما يساهم بدور كبير في التحرّر من السيطرة والهيمنة الصينية الاقتصادية وحجم استثماراتها في الأسواق الأمريكية.
روسيا واستعادة دورها التاريخي الجزئي
الحضور الروسي الفاعل في سوريا بعد 2015 إلى جانب نظام الأسد ودوره الفاعل في محور آستانا، لعب دوراً محورياً في إعادة توزيع نفوذ القوى في سوريا، إلى جانب جعلها دولة من الفواعل الرئيسية المؤثرة في الأزمة السورية، وأيّة مقاربات بخصوص الوضع السوري لا بدّ من مشاركة وحضور الروسي الفاعل. لكن هذا الدور تراجع بل أصبح مسار تفاوضي مقابل إنهاء الحرب الأوكرانية التي تورّطت في مستنقعها.
بالنّظر إلى المكتسبات التي حققتها روسيا في سوريا، وبالرغم من التوافق بينها وبين الولايات المتحدة بخصوص إنهاء الحرب في أوكرانيا بمقابل حصول أمريكا على المعادن النفيسة واحتفاظ روسيا بالأقاليم الأوكرانية التي احتلتها، واجهت روسيا شروطاً واعتراضات أوروبية حليفة أمريكا (المحور الداعم لأوكرانيا) وعلى وجه الخصوص المطلب الفرنسي والمتمثل في الانسحاب الروسي من مناطق نفوذها، والتي تعتبرها مناطق نفوذ تاريخية في سوريا وأفريقيا مقابل اعترافها بإلحاق الأقاليم الأوكرانية بروسيا وإنهاء الحرب.
بالتالي؛ ما حصل قبل زيارة الشّرع لباريس ولقائه السيد ماكرون هو عقد اتفاقية تُمنح فرنسا بموجبها الاستثمار بميناء اللاذقية، حيث المياه الدافئة التي هي أحد الأهداف الروسية الاستراتيجية للخروج من عزلتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. هذه الخطوة كانت على صلة وثيقة بموافقة أوروبا على وقف اطلاق النار وإنهاء الحرب الأوكرانية، وبدء التفاوض بين الجانبين الروسي والأوكراني في أنقرة، أعقبتها ضربات موجعة لروسية من قبل أوكرانية وهذا ن دل على شيء يدل على التفاوض تحت الضغوطات والتنازلات. وليس كما سوغ لنا توبيخ ترامب لزيلينسكي للانصياع لشروطه والقبول غير المشروط وبأن ترامب وبوتين على توافق سرعان ما طفت خلافاتهما على السطح. إلى جانب مطالب الشرع من روسيا وهي تسليم الأسد وربما ستكون مستحيلة، على الأقل كي تحافظ روسيا على مكانتها وصورتها الداعمة لحلفائها، وخاصة مشاركتها بسقوط الأسد وتاريخ روسيا سواء في الحرب العالمية الأولى وحتى الثانية بتخليها عن حلفائها.
مطالبة الشرع باسترداد الأموال السورية التي كانت تحت العقوبات الأمريكية، وبعد موافقة ترامب برفع العقوبات هل ستتمكن روسيا من التخلص من عائق العقوبات؟ أم ستكون مسار تفاوض بين روسيا والشرع والسماح بإبقاء القواعد الروسية؟ أم هي توافقات تتجاوز الإرادة السورية من ناحية أخرى؟ إلى جانب المنحى الذي اتخذته روسيا بالوقوف إلى جانب النظام السوري، وتورّطها في المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين السوريين وبالتالي عدم قبولها شعبياً. لكن هناك فرصة ربما تستطيع أن تلعب فيها روسيا دوراً محورياً بالبقاء في سوريا وهي من بوابة حماية العلويين في مواجه الإبادة والانتهاكات التي يتعرضون لها، وهي مقبولة من قبل أبناء الطائفة العلوية الذين لطالما اعتبروا روسيا حامية لهم في حربها ضد التنظيمات الإسلاموية المتطرفة. كان من الصعوبة بعد لقاء ترامب – الشرع ودخول سوريا بشكل كلي إلى المحور الغربي وإبداء الحكومة الانتقالية الانخراط بالاتفاقيات الإبراهيمية وهنا ربما بات استثمار الوضع بشكل أكبر من قبل فرنسا وتركيا. وربما إيران بعد الضربات الأخيرة التي تلقتها من إسرائيل عبر إثارة المزيد من الفوضى.
بالإضافة إلى مساعي جميع الدول بفتح سفارتها في دمشق كخطوة استباقية لمنع حدوث أي انهيارات داخلية والإبقاء على الاستقرار النسبي والدفع بالحكومة الانتقالية بتشكيل حكومة شاملة وتعددية. ضمن هذا الإطار تحضيرات التي تعمل عليها الاتحاد الأوروبي بعقد مؤتمر تحت رعايتها في دمشق خلال الاشهر المقبلة.
مشروع الهلال الشيعي حيث مرحلة الكمون
إيران وما حققته على مدار السنوات الماضية من مكتسبات على صعيد تحقيق مشروعها في كل من سوريا والعراق واليمن ولبنان، وبالرغم من تيقّظها واتخاذ إجراءات استباقية لإبعاد الخطر عن ممر الهلال عبر ضلوعها في تفجير السابع من أكتوبر وفق بعض التقارير التي تشير إلى ذلك، والحفاظ على إيران متماسكة داخلياً عبر بعض الإجراءات وإن كانت شكليّة وذلك بانتخاب رئيس إصلاحي ومن الأقليات التي تعيش حالة صراع حقيقية في الداخل الإيراني، ما هي إلا رسائل للعالم مفادها بأنّ إيران لديها كامل الاستعداد لإحداث إصلاحات داخلية.
إلا أنّ تلك الحلول الإسعافية لم تنجِها من الهزيمة، حيث سقطت أذرعها الواحدة تلو الأخرى، ولعلّ الضربة القاضية كانت الهزيمة القوية لحزب الله أكثر الأذرع نفوذاً وقوة وحضوراً. بالتالي هنا تأتي استراتيجية إيران للحفاظ على ما تبقى من المكتسبات والمناورة عليها عبر التفاوض، لذا وجدنا كيف أنّها سحبت الدعم من بشار الأسد وتسعى لفتح صفحة جديدة مع الحكومة السورية الانتقالية، وإعلانها بأنّه لم يعد لديها أذرع في المنطقة في إشارة إلى المقاومة التي يبديها الحوثي ضد إسرائيل، ويبدو إعلان الحوثي بإنهاء المقاومة انسجاماً مع قرار حماس بقبول الهدنة وإيقاف دائم للحرب.
يبدو أن مساعي إيران في هذه المرحلة تتلخص في إيقاف أو الحدّ من الخسائر وكسب المزيد من الوقت لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتحسين العلاقات مع محيطها الإقليمي والدولي، وللحفاظ على برنامجها النووي عبر الدخول في المفاوضات مجدداً. لكن لا يمكننا أن نقول بأنّ إيران تخلّت عن مشروعها لكونها مازالت متمسّكة بأيديولوجيتها (الهلال الشيعي)، فقط يمكن اعتبار أنّها دخلت مرحلة الكمون حتى تتهيأ لها الفرصة المناسبة والتي ربّما تحتاج إلى عقود من الزمن ما لم تغيّر من بنية نظامها الحاكم المناقضة للتطورات الجيوسياسية في المنطقة والعالم، بالإضافة إلى وضعها الاقتصادي، وأيضاً عداوة الشعوب لها وخاصةً في نشرها ثقافة الكراهية مع المكون السّني.
بالرغم من جميع الاحتياطات والتكتيكات التي تبعتها إيران إلا أن ذلك لم يحميها من الحرب مع إسرائيلي. بعد الضربات التي تلقتها بتاريخ 1 حزيران دخلت إيران مرحلة جديدة مرحلة اللا عودة، وأنها اليوم تخوض معركة الوجود. النظام الإيراني بالكامل مهدد بالانهيار وإن إسرائيل وبدعم حلفائها ألحقت خسائر جسيمة بإيران من الصعوبة تجاوزها. أن انهيار نظام الحكم بات وشيكاً وبالتالي إيران أعلنت الثأر وإعلان إنهاء المفاوضات، وأنها لن تتوقف عند حد ضرب إسرائيل بل العمل على تحريك أدواتها في المنطقة مجدداً لأنها اليوم تخوض معركة الوجود, لكن السؤال الذي يطرح نفسه إلى أي متى تستطيع إيران الصمود والمقاومة في ظل الضربات والخسائر التي منيت بها هي ما ستتوضح في قادم الأيام. لكن من المؤكد أن الحرب ستكون في توسع على خلاف المرات السابقة. مع انهيار إيران سيكون استكمالاً للبنات الأساسية لإعادة هندسة المنطقة تحقق واحدة تلو الأخرى. لا مستقبل لدول المركزية وديكتاتورية وإسلام سياسي ولا جيوش منظمة ودول منزوعة السلاح. يبدو ما تتعرض له إيران انتكاسات كان بمثابة جرس انذار لعديد من الدول بإعادة التفكير بمنظومتها الحاكمة وأن الدور قادم عليها وهذا ما صرح بها دولت بهجلي بأن الدور قادم على تركيا. لذا تسارعت العديد من الدول بإصدار بيانات إدانة لضربات الإسرائيلية بالرغم من حجم العداوة بينها وبين إيران. إلا أن وجود إيران وعداوتها مع إسرائيل كانت بمثابة حائط الصد أمام تنفيذ المخططات القوى الرأسمالية بقيادة إسرائيلية وظيفية في المنطقة في بلدانهم.
الخلاقة العثمانية والتفوّق المرحلي
مما لا شك فيه أنّ تركيا من أكثر الدول التي استغلّت ثورات المنطقة وعملت على انحرافها، مستغلّة دورها الوظيفي في خلق حالة الفوضى عبر دعم الإسلام السياسي وذلك خدمةً لمشروعها التوسعي، حيث تمكّنت من احتلال مساحات من الجغرافية السورية، وإقامة قواعد عسكرية في العراق وليبيا والسودان والنيجر، واستثمارات اقتصادية ضخمة غزت أسواق دول كثيرة على حساب الاقتصاد الوطني لتلك الدول.
السياسات التركية تلك تسببت في خلق عزلة إقليمية ودولية لها، وتصادمت أطماعها ومشروعها حتى مع حلفائها في الناتو. تركيا لقاء خدماتها سيكون نصيبها من الكعكة منحصر فقط في الجانب الاقتصادي وبعض الاستثمارات، بينما تركيا التي فتحت شهيتها تسعى لتحقيق بعض الانتصارات وتحقيق حلم الميثاق الملي ولو كان ذلك على حساب المشاريع الأخرى في المنطقة، ونقصد هنا الإيراني والإسرائيلي. الأمور لم تعد كما كانت في السابق حيث وجدنا التحالف الروسي والإسرائيلي والأمريكي في سوريا لمواجهة النفوذ الإيراني، وتخلّي روسيا عن الأسد، وتحقيق إسرائيل أهدافها المتمثلة في سوريا خالية من الأسلحة عبر ضرب وتدمير أكثر من 80% منها والتوسّع من الجنوب، وألا تشكل دمشق تهديداً على أمنها القومي وهو ما تحقق عبر اللقاء الذي جمع الشرع وترامب في الرياض، والانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، إلى جانب جملة من الشروط الأخرى.
يبدو أنّ مخاوف تركيا من ذلك التحالف جعلها تفتح معارك تحت مسمى فجر الحرية بالتزامن مع عمليات ردع العدوان حتى تتمكن من الحفاظ على مكتسباتها، وتبقى جزءاً مؤثراً وفاعلاً في المعادلة السورية، إلى جانب مساعيها الحثيثة بفرض وتثبيت سياساتها عبر إعادة هندسة المنطقة عبر عمليات التغيير الديمغرافي والتطهير العرقي. اليوم تتعرض لضغوطات دولية وإقليمية على مساعيها بفرض وصايتها واستغلال الفراغ الذي خلّفته إيران، والضغط عليها كي تتراجع عن سياساتها التوسعية، وأن تكون ضمن المحور (الغربي) للحصول على نصيبها من الاستثمارات الاقتصادية، إلى جانب إحداث تغييرات في بنية نظام حكمها بما يتلاءم بالمعطيات الجيوستراتيجية التي يفرضها مشروع الشرق الأوسط الجديد.
من هنا تأتي أهميّة حل القضية الكردية والمبادرة التي أطلقها السيد عبد الله أوجلان وإعلانه عن مرحلة جديدة عمادها الدبلوماسية والسياسية، وإنهاء المرحلة العسكرية والتي ينبغي أن يتبعها انسحاب تركيا من شمالي سوريا والعراق، ومع الاحتفاظ بحصتها المتعلقة بالاستثمارات الاقتصادية. اللافت أنّ تركيا مجبرة على الاستجابة للشروط والضغوطات الإقليمية والدولية لعوامل تتعلق بوضعها الداخلي، حيث الأوضاع الاقتصادية السيئة ومسألة الحقوق والحريات والحياة السياسية، وخارجياً توجه المنطقة برمتها نحو الاستقرار وإنهاء الأزمات والحروب وشيوع مرحلة السلام.
لذا فإنّ تركيا أمامها سيناريوهان؛ إمّا الاستجابة لمتطلبات الشارع التركي والقوى الدولية وتبقى في حالة انسجام وتعاون في محيطها الإقليمي والدولي، أو ككل الأنظمة الديكتاتورية سترى الحرب تنتشر في تركيا وتؤدي بها إلى الانقسام إذا أصّرت على سياساتها الاستبدادية. لكن ربّما يكون الوضع مختلفاً بعض الشيء لكون تركيا تحتل مكانة استراتيجية في محور الناتو وأنّ تراجع دورها لم يعد كما السابق. لكن يبقى السيناريو الأول هو الأكثر ترجيحاً، وهذا لا يعني بأنّ تركيا ستكفّ عن المناورة للحفاظ على توسعاتها في سوريا على وجه التحديد. وصف ترامب أردوغان بالجيد، وهذا الوصف لم يأتِ من فراغ، فبحسب بعض المصادر كان لتركيا دورٌ كبيرٌ بالضغط على حكومة الدبيبة لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين، ولكن هذه الرغبة والمناورة يبدو اصطدمت برغبات بعض الدول الإقليمية الأخرى عبر دعم حالة الانقلاب على الدبيبة وإشاعة الفوضى في مسعى لمنع مخطط التهجير.
غزّة نقطة الفيصل في إتمام الإبراهيمية
على الرّغم من رجحان كفّة الميزان لصالح المشروع الإسرائيلي في غزّة لما حققته من انتصارات ميدانية، إلا أنّها ورغم دعم ومساندة حلفائها الغربيين لم تتمكن من تنفيذ الهجرة بشكل كامل، وإن تمكّنت من تحقيق القسم الأكبر من أهدافها سواء تلك المتعلّقة بإضعاف حماس وتدمير البنى التحتية والتهجير النسبي والتجويع، إلا أنّها لم تستطع إقناع بعض الدول العربية وإجبارها على قبول مشروع التهجير وفي مقدمتها مصر رغم حجم الضغوطات وافتعال الأزمات المحيطة بها لإجبارها على القبول. لتدفع مؤخّراً بالسّيد ترامب إلى طرح فكرة شراء غزّة وتحويلها إلى منتجع سياحي كغطاء للسيطرة على الغاز المكتشف في سواحلها وآخرها كانت أثناء زيارته للرياض.
ربّما ينجح الإسرائيليون والأمريكان في تنفيذ المخطط في غزة، مستغلين حالة الصراع والتنافس بين الدول العربية على القيادة، واختلاف الأولويات بالنسبة إلى الأمن القومي لكل دولة على حدة، وحالة استقطاب العرب بين المحاور الإقليمية والدولية، وأيضاً إصرار نتنياهو على مواقفه والاستمرار في التجويع والقصف، كل هذا أجبر الناس على الهجرة هذه المرّة تحت مسمّى الطوعية. الإعلان عن إتمام السلام الإبراهيمي وأنّه وصل إلى مرحلة النضج وهو بالفعل مطبّق على أرض الواقع، ولكنّه غير معلن بشكل رسمي، وهذا منوط بالتطورات النهائية المرتبطة بملف غزة، وستتوقف بدرجة كبيرة على نتائج حرب الإسرائيلية – الإيرانية.
سوريا على صفيح ساخن
البحث عن الشرعية والانتصارات في الخارج والداخل يغلي على وقع التناقضات وفرض سياسات اللون الواحد. يبدو أنّ الحكومة الانتقالية لم تقيّم التجربة السورية على مدار أربعة عشر عاماً بشكل جيد، وهناك تَعمّدٌ على السير على نفس النهج في المقاربات مع الوضع السوري. عملية الانفتاح والرضوخ للشروط وتنفيذها يتطلب السيطرة على الأرض ووحدة في المواقف الداخلية والتماسك، وحتى أنّ الانفتاح أحد أهم متطلباته هو الاستقرار الداخلي، وهذا الاستقرار يلزمه متطلبات كثيرة لعل أبرزها إجراء تغييرات شاملة في بنية نظام الحكم، وضمان إدراك الجميع، ومعالجة مسألة التهميش والإقصاء، وعدم تشكيل خطر على دول الجوار والسلم والأمن الدوليين.
في الكثير من الأحيان تقع السّلطات في شباك الانتصارات الوهمية على صعيد الانفتاح الدبلوماسي، توهم نفسها وتوهم الشعب بذلك النّصر المزيف. لذا أمام الحكومة الانتقالية سيناريوهان: إمّا ترجمة موافقتها للشروط الدولية والداخلية عبر إحداث جملة من إجراءات إصلاحية جذرية وإيصال سوريا إلى الأمان، أو البقاء في حالة الإيهام تلك وبالتالي نكون أمام حرب أهلية جديدة وهذا ما حذر منه وزير الخارجية الأمريكي روبيو، وقال أنّه على الحكومة الانتقالية انتهاز الفرصة جيداً لمنع حرب أهلية وفوضى جديدة.
فواعل وطنيّة أثبتت فاعليتها
على خلاف التنظيمات التي انتهجت القوموية والإسلاموية نهجاً ومنهجاً في حركاتها النضالية أو التحررية والتي انتهت بها إلى الهلاك لأنّها خارج سياق الزمان والمكان، وكيف أنّ تلك الحركات تساقطت الواحدة تلو الأخرى، ظهرت في رحم الفوضى حركات وتنظيمات وطنية بمنهاج ورؤية جديدة تتلاءم مع التطورات والمستجدات الجيوستراتيجية الجديدة وأكثر انسجاماً مع متطلبات المرحلة، ونابعة من إرادة ورغبة أبناءها، وعلى خلاف القوموية المستوردة والإسلاموية المجترّة.
تجربة شمال وشرق سوريا والتي تلقّت ضربات وانتقادات ورفض من أطراف محلية وإقليمية ودولية لكونها تطرح أفكار ومشروع خارج الصندوق، هو مشروع خلاّق مبدع يتمتع بقدرٍ كافٍ من المرونة والبراغماتية للتعامل مع الأحداث والمستجدات والتطورات، لذا كُتب لهذه التجربة النجاح والاستمرار وفَرَضت حضورها بقوة، وهذا ما أشارت به السفيرة الأمريكية باربارا ليف على الحكومة الانتقالية بالقبول بتجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية التي تحوّلت إلى مشروع ملهم للكثير من المكونات ومجتمعات المنطقة. هذا يقودنا إلى نتيجة مفادها أّنّه؛ مهما تلاقت المصالح وتلقّت الدعم تبقى الشرعية من قوة النفوذ والحضور على الأرض ومدى ملائمته مع خصائص وطبيعة المجتمع، ومن هنا تأتي أهمية واستراتيجية هكذا نماذج بحيث يُعمّم هذا المشروع ويكون البداية لرسم ملامح المنطقة وهندستها على أسس الإدارات الذاتية المبنيّة على اللا مركزية. يمكن القول بأن الكرد لديهم من المرونة والقدرة التي تخولهم لقيادة هذه المرحلة حيث تجربة إقليم كردستان العراق والإدارة الذاتية شمال وشرق سوريا. ربما نجد تجربة شمال شرق سوريا في إيران في ظل المخاض التي تمر بها. من هنا تأتي أهمية واستراتيجية دعوة السيد أوجلان طلب اللقاء مع قادة وزعماء الكرد في هذه المرحلة الحساسة.
