ديالا سليمان.. شهيدة الحريّة والمقاومة – الإعلامية: ندى محمد

ديالا سليمان.. شهيدة الحريّة والمقاومة

” لم تكنْ تحلمُ بحياةٍ عاديّة، بل كانت تطمحُ إلى حياةٍ مفعمة بالمعنى،

حياة تكرّسها من أجل شعبها،

كانت تؤمنُ أنّ الشّهادة ليستْ موتاً بل طريقاً نحو الخلود في ذاكرة الأحرار،

ولأنّها عاشتْ حاملةً هذا الإيمان، مضتْ في دربها بشجاعةٍ

وثبات حتى اللحظة الأخيرة”

بقلم الإعلامية: ندى محمد

 

شخصيةٌ مليئةٌ بالعطاء والحنان، مفعمةٌ بالأمل والتفاؤل، محبةٌ للسلام. تميّزت بإرادتها الحرّة وعزيمتها وإصراها في تحقيق الإنجازات والأهداف. كانت تحب التدريب جداً، ودائماً ما تجلس وتتدرب وتشارك رفيقاتها (البروفات). إنّها الشهيدة ديالا سليمان التي تركتْ بصمةً مميزة لها في مجال الفن.

ديالا محمد سليمان التي تعود بجذورها إلى مدينة كوباني، ولدت وترعرعت في مدينة الرقة عام 2004، في كنف عائلةٍ عُرفت بالتزامها بالقيم الإنسانية والأخلاقية. درستْ المرحلتين الابتدائية والإعدادية في مدينة الرقة. لم تكن ديالا مجرّد شابةٍ تحمل حلماً عادياً، بل كانت شعلة إبداعٍ وعطاء. قررتْ أن تكرس حياتها لخدمة مجتمعها، كانت صغيرة في السن، لكنّ وعيها كان أكبر من عمرها، فمنذ اللحظة التي فتحت فيها عينيها على واقع شعبها أدركت أنّ ما تعيشه ليس عادياً، وأنّ ما يُنتظَر منها ليس صمتاً بل موقفاً، كما أنّها أيقنت أنّ الحياه الحقيقة هي الحياة التي تكون فيها المرأة حرّة، لأنّها كانت تؤمن بأنّه يجب أن تتمتع المرأة بحقوقها وحريتها في اتخاذ القرارات المتعلّقة بحياتها، لبناءِ مجتمعٍ عادل قائم على الحياة النِديّة التشاركية.

عائلتها التي احتضنت خطواتها الأولى نحو إدراكها لذاتها كفتاة تحمل قضية، وتحلم بتغيير واقعها وواقع شعبها كانت هي الداعم الأول لها. علّموها أنّ الكرامة تُخلق في رحم الأمهات ولا تُكتَسب، وأنّ الحرية لا توهب بل تُؤخذ بالقوة، وأنّ صوتها ليس عبئاً بل هو سلاحٌ في وجه الصمت والاضطهاد.

ثورة التاسع عشر من تموز التي انطلقت عام 2012 كانت نقطة تحوّل جوهرية في تاريخ الشعوب التي تعيش في شمال وشرق سوريا، حيث أتاحت للمرأة فرصةً جديدةً للمشاركة في بناء المجتمع ليس فقط سياسياً وعسكرياً بل أيضاً ثقافياً وفنيّاً، وهو ما يعبّر عن عمق التحوّل المجتمعي الذي أحدثته. كما أصبحت المرأة خلال الثورة قادرة على التعبير عن ذاتها وعن هويتها وعن تاريخها عبر الموسيقى، المسرح، الشعر. هذا التحوّل ساهم في خلق ثقافة جديدة تنطلق من الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

هذه الثورة التي عُرفت بثورة المرأة انطلقت بفكر المرأة الحرّة التي أثبتت ذاتها في كافّة الميادين، وأثبتت قدراتها في العمل، وأدركت أنّ تحررها مرتبط بهذه الثورة، وأنّ الثقافة كانت مجالاً رئيسياً لنشاطها بالرغم من التحديات التي واجهها المثقفون والمثقفات. فالمرأة المثقفة عملت بجد لإبراز هويتها الثقافية للعالم أجمع.

الإدارة الذاتية الديمقراطية التي تشكّلت برؤية تحررية للمرأة، أصبحت مثالاً يُحتذى به في حكم الشعب نفسه بنفسه، ومثالاً حيّاً على أخوة الشعوب بين الأطياف والأديان. هذا المشروع المتمثل بالإدارة الذاتية تمكّن من إعطاء صورة إيجابية عن فسيفساء المنطقة وحالة التعايش المشترك بين كافة المكونات (الكردي – العربي – الآشوري – السرياني – الأرمني – التركماني- الأيزيديين) في سبيل الوصول إلى سوريا تعددية ديمقراطية لا مركزية.

انضمت ديالا سليمان للعمل في حركة الهلال الذهبي عام 2021، لتصبح واحدةً من المؤسِّسات الأوائل للمشروع الثقافي والإنساني الذي يهدف إلى بناء جيل واعٍ من خلال الفن والتراث، بذلك وضعت بصمة مميّزة لها في مجال الفن، ودعمت تنمية وتطوير المواهب الفنية للفتيات، وبذلت قصارى جهدها لكي تكوّن خليّة ثقافيّة خاصّة بالمرأة في سبيل النهوض بالواقع الثقافي في المنطقة.

لم تكتفِ بتعلّم العزف على آلة الطنبور، بل حوّلت موهبتها في الغناء والعزف إلى جسرٍ للتواصل مع الشابات والشباب. في مركز الهلال الذهبي شاركتْ بقوّة في الاحتفالات والندوات، وتميّزت بشجاعتها ووجودها الدائم في مقدّمة الصفوف. علاقتُها مع صديقاتها في مركز الهلال الذهبي لم تكن علاقةً عادية وعابرة، بل علاقة إنسانية مبنيّة على الصدق والاحترام، ما شكّل نموذجاً للعلاقات الصحيحة التي تقوم على التعاون لا التنافس وعلى المشاركة لا التهميش. لم يكن جمال حضورها يقتصر على كلماتها وشجاعتها، فقد كانت روحاً تشعّ وتمدّ من حولها بالطاقة الإيجابية والأمل والتفاؤل،  فكان الجميع يعرفونها بابتسامتها التي لم تكن مجرّد تعبيرٍ عابر على ملامحها، بل كانت وعداً بأنّ النضال مستمر وأنّ النصر قادم.

سعت الشهيدة ديالا دائماً إلى تدمير الذهنية الذكورية وكسر كافة القيود التي كانت تقيّد المرأة من عادات وتقاليد بالية. بروحها العفويّة البريئة استطاعت الشهيدة ديالا أن تخلق جوّاً من الألفة والمحبة بين صديقاتها خلال فترات التدريب التي كانت تطغى عليها روح الحماس والأغاني الفلكلورية والوطنية.

وصفتها زميلاتها بـ “صاحبة الإرادة الصارمة” والتي كانت تدخل البهجة إلى قلوب من حولها بأسلوبها المميز وطريقة تعاملها الراقية. كانت تلك الفتاة التي تمدّ من حولها بالطاقة الإيجابية خلال فترات التدريب، وكانت هي السند لزميلاتها والدافع لهم نحو التطور والتميّز، كما كانت ذات نقدٍ بناء في سبيل تمكين قدرات الفتيات أكثر فأكثر. كانت الشهيدة ديالا ترافق دائماً الفرق الفنية الفلكلورية التي تم تجهيزها في الهلال الذهبي، وخاصةً فرق الفتيات اليافعات اللواتي يطمحن للوصول إلى العالم أجمع، وكانت تشارك بحماس كبير في كافة النشاطات والفعاليات والمهرجانات التي تقام في شمال وشرق سوريا، هذا ما جعل جميع من حولها يشعر بها وبوجودها وموهبتها.

لم يكن الفن بالنسبة لها حلماً بل طريقاً بدأته بخطى ثابتة رغم الصعوبات التي واجهتها. لم تنتظر من يمنحها الصوت، بل كانت هي الصوت, غنّت، تحدثت، كتبت ووقفت لأنّها كانت تعرف أن النساء حين ينهضن يزلزلن الأرض تحت أقدام المحتلين. كانت تؤمن بأّن الفن سلاحٌ لتغيير الواقع فلم تفارق آلة الطنبور يدها، وكثيراً ما كانت تحيي الأمسيات بألحانها الشجيّة وكلماتها التي تحمل رغبةً قويّة في إسعاد الآخرين.

تغنّت بالثورة ورددت الأغاني الثورية، تغنّت بالمرأة ودورها الحقيقي في المجتمع لأنّها مؤمنة بأنّ المرأة يجب أن تكون في الطليعة في كافة المجالات، ناهيك عن أنّها عملت على أبراز قدرات المرأة ضمن الفعاليات الخاصّة بالمرأة، بالإضافة إلى سعيها الدائم للوصول إلى كل فتاة تحلم بأن تكون مغنية أو شاعرة أو رسامة.

ديالا شهيدة الثقافة كما أُطلق عليها أو شهيدة حركة الهلال الذهبي، عملت منذ بداية مسيرتها الفنية في الهلال الذهبي الذي عمل على تطوير الثقافة والفن لدى المرأة والأطفال فكرياً وثقافياً، وخطى خطوات إيجابية ونوعية، وقام بنشاطات وفعاليات متنوعة, وافتتاح دورات تدريبية، كون المرأة تعرّضت خلال فترة سيطرة داعش إلى ظلم واضطهاد بالإضافة إلى كبت حريتها بكافة الأساليب، ناهيك عن طمس هويتها ومنعها من أبسط حقوقها.

مشاركة المرأة في حركة الهلال الذهبي كانت خطوة مهمّة نحو النضال، والعودة بالنساء والفتيات الى تاريخهن وثقافتهن القديمة التي طُمِست على مرّ التاريخ، ومحاولة لإعادة إحياء ثقافة المرأة الكردية و العربية أيضاً. كانت مؤمنة بأنّ المرأة المثقفة في كافة المجالات سيكون لها بصمة واضحة في المستقبل لأنّ عمل المرأة اليوم سيُكتَب في التاريخ، ويجب أن يُكتب التاريخ بتضحيات النساء وأفعالهن وإنجازاتهن. لذلك فإنّ ثقافة المرأة وتضحياتها في سبيل الوصول لهويتها الحقيقة هو إنجازٌ بحدّ ذاته كون المرأة هي من تعمل وتسعى لذلك بكل قوة وإرادة وتصميم.

لم تكن ديالا تحلم بحياة عاديّة، بل كانت تطمح لحياة مفعمة بالمعنى، حياة تكرّسها من أجل شعبها، كانت تؤمن أنّ الشهادة ليست موتاً بل طريقاً نحو الخلود في ذاكرة الأحرار، ولأنّها عاشت حاملةً هذا الإيمان مضتْ في دربها بشجاعة وثبات حتى اللحظة الأخيرة.

ديالا.. حين يصبح الجدار شاهداً على بطولة لا تموت

منذ سقوط النظام البعثي في سوريا بتاريخ 8 كانون الأول عام 2024، صعّدت دولة الاحتلال التركي من هجماتها برّاً وجوّاً على مناطق شمال وشرق سوريا بشكل عام وسد تشرين بشكل خاص، هذا السّد الذي يقع على نهر الفرات يُعتبر من أهم المنشآت الاستراتيجية في المنطقة، كونه صلة الوصل بين مدينتي حلب والرقة، ومصدراً رئيساً للطاقة الكهرومائية في سوريا. تلك الهجمات قوبلت بمقاومةٍ عظيمة لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية، حيث توجّهت شعوب شمال وشرق سوريا بكردها وعربها وسريانها وآشورها في الثامن من كانون الثاني 2024إلى السّد، للبدء بالفعاليات الاحتجاجية بهدف حماية مقومات الحياة التي يمدُّهم بها السدُّ من ماء وكهرباء.

رغم برودة الطقس وانخفاض درجات الحرارة واستمرار القصف التركي بالمسيّرات والطائرات الحربية على السّد، إلا أنَّ كلَّ ذلك لم يثنِ من عزيمة المحتجين، حيث أنّهم ردّوا على الضربات التركية بالأغاني الثورية والزغاريد والأهازيج والتصفيق الحار وحلقات الرقص من الشباب والشابات وكبار السن.

شارك في هذه المقاومة الأسطورية التي استمرت لأكثر من  118 يوم، كافّة فئات المجتمع من نساء وشبيبة وصحفيين وفنانين وطواقم طبيّة. كانت ديالا من بين المئات الذين توجهوا إلى السّد وهم يعلمون مدى خطورة الوضع وهمجية الاحتلال التركي، إلا أنّ كلَّ ذلك لم يخلق حاجزاً للتراجع عن المشاركة في هذه المقاومة التاريخية، فهم يسيرون بخطوات ثابتة نحو الهدف دون أن يتراجعوا خطوة واحدة إلى الوراء، مُتَحدِّين كل شيء في سبيل تحقيق حياة حرة.

مع إشراقة كلّ صباح كانت الأرض تمدّهم بعزيمة لا تُقهر، وكانت الروح الجماعية لأهالي شمال وشرق سوريا تُشرق مع الشمس، وهم يلتفون حول بعضهم البعض كما تلتف الأم حول أطفالها، ويبدؤون بفعالياتهم وأنشطتهم، وعندما يحلّ الليل وتغيب الشمس كانت الساحات تتحول إلى ميادين تعجُّ بالحركة والحياة على ضوء القمر الذي يشع أملاً وسلام. كانوا يعقدون حلقات الدبكة على وقع أصوات الأغاني الثورية معلنين أنّ الحياة مستمرة رغم كل شيء، وأنّ المقاومة لا تهاب صوت المدافع والصواريخ. هنا أثبتت شعوب شمال وشرق سوريا أنّ التكاتف أداة للصمود، وأنّ الثقافة حصنٌ منيعٌ بوجه الهجمات التركية، وأنّ المقاومة ليست فقط بحمل السلاح بل أيضاً بترديد الأغاني، وبالإيمان بأنّ الشمس ستشرق من جديد.

إنّ روح مقاومة كوباني التاريخية التي ورثها الشعب من تاريخه العريق في المقاومة، والتي سطّرت ملاحم أسطورية انتعشت مرة أخرى في سد تشرين. كان الجميع يتسابق على المقاومة في السد، حيث كانت هناك أمهات يتّجهنَ إلى السد لحمايته بأرواحهن، كما توجه المسنون متناسين آلامهم وأمراضهم للمقاومة على أرض السد، أمّا جرحى الحرب الذين فقدوا جزءاً من أجسادهم في سبيل حماية المنطقة من الرجس والإرهاب، كانوا يؤكّدون إصرارهم على المقاومة والنضال في حماية المنطقة من المحتلين، وأنّهم كما حموا إرثهم على مرّ التاريخ بتلك الروح سيحمون سد تشرين ومكتسبات شهدائهم من المحتل التركي.

المقاومة على سد تشرين الذي أصبح فيما بعد سدَّ الشهداء( تكريماً للشهداء الذين قدَّموا أرواحَهم الغالية في سبيل حماية المنطقة والمكتسبات التي حققتها تلك الشعوب)، أصبحت سدّاً منيعاً في وجه هجمات دولة الاحتلال التركي والمرتزقة التابعة لها. تحوّل السد إلى ساحة مقاومة ومكانٍ ارتقى فيه الكثير إلى مرتبة الشهادة دفاعاً عن الأرض والحلم بالحياة الحرة، إذ استشهد 26 شخصاً بينهم صحفيون، وسياسيون، وإداريون، وفنانون ورياضيون، وأصيب نحو 240 مدنياً.

أثناء مناوبتها على السّد حرصت الشهيدة ديالا على زرع روح الثقافة بين الموجودين، فحملت الآلات الموسيقية وغنّت للمقاومة والصمود ونادت بالحرية. عندما كانت تغني كان يلتف حولها المناوبون ويعقدون حلقات الدبكة ويرددون معها أغاني المقاومة التي تبعث الأمل في نفوس المناضلين.

في مشاركتها الأخيرة مع أهالي مقاطعة الرقة والطبقة ودير الزور في الاحتجاج على سد تشرين، استشهدت ديالا سليمان بتاريخ 23 نيسان عام 2025 لتكون إحدى شهيدات مقاومة السد، وذلك جراء سقوط أحد الجدران عليها. انضمت ديالا إلى كوكبة الشهداء لتكون واحدة من الشهيدات اللواتي قدّمن الكثير في سبيل الحرية والمساواة والعيش بكرامة.

خبر استشهاد ديالا جاء كعاصفة هبّت على نفس كل شخص عرفها، فكانت الصدمة الأولى لعائلتها وصديقاتها اللواتي عبّرن عن حزن فقدانها من خلال أغنية جماعية كانت تحبها وذلك في يوم تشييعها.  مسيرة ديالا لن تقف هنا بل ستكون بداية لمسيرة طويلة من الكفاح بسواعد المرأة الشابة، وستبقى ديالا بصوتها ومواقفها مصدر إلهام لكل امرأة تحلم بمجتمع حر. الشهيدة ديالا عانقت الحرية بأسمى أشكالها، عطّرت بشهادتها درب النساء الساعيات نحو النور في سبيل جعل هذا الدرب أكثر جمالاً وأثراً، وجعلت من صوتها أغنية لا تموت. شهادتها لم تكن موتاً بل ولادة جديدة لكل فتاة تؤمن بأنّ لها الحق في أن تحلم، أن تختار، وأن تصرخ في وجه الجدران العالية.

نعم، رحلت ديالا لكنّها باقية في وجداننا، في ضمائرنا، باقية في مسيرتها التي لم تتوقف عند حدود استشهادها، بل امتدّت لتسكن روح كل فتاة حرّة تحلم بغدٍ أفضل، تاركةً بصمة لا تُنسى في تاريخ شعوب المنطقة.