الفنُ التشكيلي لغةٌ تُعبّر عن العمق الإنساني – الفنانة التشكيلية: زوزان بطال

الفنُ التشكيلي لغةٌ تُعبّر عن العمق الإنساني

“الفنُ وأدواته المتنوعة هو عبارةٌ عن وسيلةٍ إبداعيّة

 ونضاليّة وإنسانيّة للتعبير عن أفكار فنان تحاكي الإنسان

 أينما كان ومهما كانت لغته،

 كما توصل الرسائل والأفكار الواقعيّة

 من خلال الريشة الصّغيرة والألوان المتناغمة،

 وتعكسُ مشاعر الفرح والمعاناة والألم لدى المتلقي”

 

الفنانة التشكيلية: زوزان شيخموس بطال

 

أنا زوزان شيخموس بطال ولدت في مدينة الحسكة عام 1984م، كبرت وترعرعت في مدينة قامشلو. هذه المدينة تحدّها من الشرق مدينة تربه سبيه ومن الجنوب الشرقي تل حميس، ومن الغرب عامودا، أمّا من الشمال فتحدّها مدينة نصيبين التّابعة لشمال كردستان. مدينتي الجميلة التي يُطلق عليها اسم باريس الصغرى تحتضن كافّة المكونات من عرب وكرد وسريان وآشور وأرمن وأيزيديين، والجميع يتعامل فيما بينهم على أسس قويّة من الارتباط والمحبة والتعاون والإخلاص ما يضفي على المدينة الثّراء الثقافي والمجتمعي.

منذ صغري أحببت الرسم وعشقت الألوان واللوحات. بدأت أرسم الصور والأشكال البسيطة وبعدها أعلّقها في غرفتي. شاركت في العديد من المعارض المدرسية، وحصلت على الكثير من التشجيع من قبل المقربين لي، كما كنت أقوم بصنع أشغال يدوية عن طريق إعادة التدوير للمواد المتوفرة بين يدي. في عام 2003 تخرّجتُ من معهد إعداد المعلمين اختصاص رياضيات، وأكملتُ بعدها اختصاص الحاسوب لمدّة عام في مدينة الحسكة، وقمتُ بالتدريس في مدارسها، ثمّ التحقت بعدّة دورات لأصبح مدرّبة في دمج التكنولوجيا بالتعليم.

قمتُ بصقل موهبتي والاهتمام بها بشكل أكبر عام 2013، حيث تعرّفت على المبادئ الأساسيّة لفن الأوريغامي، وبدأتُ  بتطويره ذاتيّاً لأخرج عن المألوف، وأضفتُ الطابع الكردي في تشكيل اللوحة، أي أنّ البصمة الكردية كانت واضحةً في لوحاتي. هنا يمكنني القول إنّ مشواري الفني بدأ بشكل جدّي ومتخصص بعد ارتباطي مع الفنان التشكيلي عمار موسى.

فن الأوريغامي هو فنٌ ياباني تقليدي يعني طي الورق على هيئة أشكال مختلفة .من يمارس هذا الفن يجب أن يتمتّع بالصّبر لأنّه يتطلّب جهد ووقت كبير وهذا ما يلاحظه الناس أثناء رؤيتهم للوحاتي. لممارسة هذا الفن هناك قوانين ثابتة يجب على الفنان التحكّم فيها واحترامها في عملية الطّي الأساسية، بعد ذلك يمكنه الإبداع وإضافة لمسته في النماذج المجسّدة. قوّة الفن تكمن برؤية الكون بعين تحليليّة والقدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، ويمكن استخدام هذا النوع من التفكير وتطبيقه على أي مجال علمي يتم الخوض فيه، فالفن يساعد على إظهار ما بداخلنا بأفضل صورة ممكنة وبصورة مبتكرة.

من خلال لوحاتي التي استخدم فيها الورق الملون A4  ومادة الغراء أحرصُ على إبراز الكثير من المفردات الإنسانية منها الحب والتراث والثقافة والسلام والأمل. الفن ليس مجرّد رسم، بل وسيلة لنشر الخير وتحفيز الناس على فهم بعضهم ومساعدة الآخرين. كما أحرص في لوحاتي على تجسيد المرأة القوية والصّامدة، وعلى وإبراز الفلكلور الكردي وجمال المرأة الكردية وهي مرتدية الزّي المزركش. غالباً ما استخدم جميع الألوان في لوحاتي فهي تمثّل جمال طبيعة كردستان وجبالها بألوانها المختلفة، لكن تجذبني أحياناً بعض الألوان التي استخدمها لوحدها كاستخدامي في إحدى لوحاتي للونين الأزرق والأبيض للتعبير عن السلام. كلّ أعمالي الفنيّة قريبة إلى قلبي وعلاقتي بها تشبه علاقة الأم بأبنائها لذلك أجد صعوبة كبيرة في تحديد الأقرب لي.

لكلّ فنان شخصيته التي تميّزه عن غيره، وله أجواؤه الخاصة التي يفضّلها خلال ممارسة النوع الذي يفضله من الفنون. أنا شخصيّاً أفضل الأجواء الهادئة والاستماع إلى الموسيقى ، فالموسيقى تُشعرني بالقوة وتفتح لي آفاقاً واسعة للخيال والإبداع. أواجهُ بعض الصعوبات خلال عملي، فالكل يعلم أنّ فن الأوريغامي يحتاج إلى مواد خاصة لا تتوفر في المنطقة، فاضطر إلى الاعتماد على نفسي في قص وتشكيل ألوان جديدة أحتاجها في بعض اللوحات. التفاصيل الصغيرة في عملي تأخذ جهداً وعملاً مضاعفاً فطريقة قص الورق وتلوينه تحتاج إلى دقة وعناية للوصول إلى الشّكل المطلوب، لذلك فإنّ الفنان الذي يستطيع تحويل التحديات إلى فرص للنمو هو من يترك أثراً حقيقياً في عالم الفن.

عندما يتمكّن الفنان من تخصيص وقت كافٍ للعائلة والأصدقاء والاهتمامات الشخصية يشعر بالتحفيز والطاقة الإيجابية التي تنعكس على أدائه في العمل، لذلك أحرص دائماً على التوزان بين عملي العائلي والمهني. هنا يمكنني القول إنّ الثقة بالنفس والاستمرارية هما من صفات الفنان الناجح. الثّقة بالنفس تساعد الفنان على اتخاذ قرارات جريئة، والإبداع دون خوف من الفشل والاستمرارية تضمن للفنان البقاء في الوسط الفني والتطور والوصول إلى شعبية أوسع. كما يُعدّ التغلّب على التحديات المتعلقة بالوقت والالتزامات من الصفات التي يتميز بها الفنان التشكيلي الناجح إذ يتطلب عملي المزيد من الصبر والتركيز.

شاركتُ في العديد من المعارض منها 4 معارض جماعية في مدينة الحسكة، ومعرض جماعي في دهوك، ومعرض ثنائي مع زوجي الفنان والكاتب عمار موسى في قامشلو، ومعرض عائلي مع زوجي وابني الفنان الصغير ساوشكا موسى في مدينة دهوك. كما قمتُ مؤخراً بتنظيم معرض بعنوان عندما يتحدث الورق، يضم المعرض العديد من اللوحات المميزة في مركز اتحاد مثقفي روج آفا في مدينة قامشلو بحضور نخبة من الرسامين والمثقفين.

يُعدّ الفن التشكيلي من وجهة نظري من أهم الفنون الرفيعة التي تحظى باهتمام كبير، وله قدرة حسيّة تعبيرية. الفن وأدواته المتنوعة هو عبارة عن وسيلة إبداعية ونضالية وإنسانية للتعبير عن أفكار فنان تحاكي الإنسان أينما كان، ومهما كانت لغته، كما توصل الرسائل والأفكار الواقعية من خلال الريشة الصغيرة والألوان المتناغمة، وتعكس مشاعر الفرح والمعاناة والألم لدى المتلقي. هنا نستنتج أنّ اللوحة لا تحتاج لكلام يفسر معانيها، إذ أنّه من خلالها يمكن طرح القضية النسوية عن طريق تصوير تجارب نسائية تحاكي واقعهن، وما يعشنه من ظلم واضطهاد، وذلك في شكل بصري يعبر عن العمق الإنساني.

بالتالي؛ الفن التشكيلي يلعب دوراً هاماً ومحورياً في المجتمع، فهو وسيلة للتعبير عن الذات، وتوثيق التراث الثقافي والتاريخي، وتنمية الحس الفني، وتعزيز الهوية الوطنية، وتوسيع آفاق الإبداع، وبناء جسور تواصل بين الثقافات والشعوب.

رسالتي لكل امرأة أن يكون لها بصمة خاصة بها في هذه الحياة، وأن تؤمن بنفسها لتحقيق أهدافها وتُثبت وجودها في المجتمع الذي تعيش فيه مهما كانت التحديات والظروف المحيطة بها. فالمرأة عندما تدرك قيمتها وتؤمن بنفسها سيكون من الصعب أن يوقفها شيء، كما أنّها ستكون قادرة على صنع فرق حقيقي في العالم وتكون مصدر إلهام للآخرين.

أخيراً أودّ أن أقول إنّ زيادة التوعية والثقافة الفنية لدى الجمهور يمكن أن تحقق للفن نجاحاً أكبر في المجتمع، حيث سيزيد من رغبة المهتمين بمشاهدة واستكشاف الفنون المختلفة، بالإضافة إلى ذلك يمكن أن تؤدي التوعية الفنية إلى تحسين جودة الأعمال الفنية المعروضة، حيث سيصبح الجمهور أكثر قدرة على التمييز بين الأعمال ذات الجودة العالية من غيرها. بالنشاط الفني المستمر، يمكننا العمل سويّة لزيادة التوعية الفنية وتحسين الاهتمام بالفن في مجتمعنا.