صياغةُ عقدٍ اجتماعي خاص بالمرأة.. هو اختيارُ الوجودِ في مجتمعٍ صحيح – زينب قنبر

صياغةُ عقدٍ اجتماعي خاص بالمرأة.. هو اختيارُ الوجودِ في مجتمعٍ صحيح

” إذا أردنا صياغةَ وكتابةَ عقدٍ اجتماعي للمرأة يتواكبُ مع

تطلّعات المرأة في القرن الواحدِ والعشرين،

سيتوجّب على العقلِ النسائي البحثُ عن بداياتِ العقد الاجتماعي وجذورهِ التاريخية،

 فصياغةُ عقدٍ اجتماعي سليم

 سيضمنُ وجودَ المرأة في مجتمعٍ صحيح”

 

زينب قنبر

 

العقد الاجتماعي للمرأة هو اختيار المرأة للعيش في مجتمع صحيح بكل أبعاده بما في ذلك العلاقات الاجتماعية والسياسية والقانونية والعلاقات بين الجنسين، أي أنّه شكل غني ومتعدد الأوجه من أشكال النضال، فهو صياغة لإجابات نصحح من خلالها مسار المجتمع لأنّه يقوم على نقد العصر والنظام الذي نعيش فيه، ويُحلل البنية الاجتماعية من خلال النقاشات للوصول إلى كيف، ومع من، وعلى أي مستوى، وبأي وسائل وأساليب يمكن خلق حياة بديلة.

المفكر عبد الله أوجلان عندما فكر بالعقد الاجتماعي للمرأة عام 2021 دعا النساء لتطوير عقد اجتماعي يوازي العقد الاجتماعي لجان جاك روسو لكنّه خاص بتحرير المرأة، فكانت هذه المبادرة بمثابة استمرارية لإحياء وتحديث تقاليد المرأة المتعلّقة بالعقود الاجتماعية عبر العصور.

إن نظرنا إلى هذا العقد نرى أنّه ضرورة عالمية تتجاوز حدود كردستان ليكون أساساً لنضال المرأة في جميع أنحاء العالم، فهو يشدد الحاجة للوعي في الشرق الأوسط لبناء مجتمعي ديمقراطي يشمل شرائح مختلفة عبر اتفاق واسع، وبهذا أستطيع القول بأنّ نضال المرأة التحرري في القرن الحادي والعشرين هو الأساس لتطوير هذا العقد. ففكرة نهضة المرأة التي بدأت ضمن حركة التحرر الكردستانية أكسبت النساء وعياً عميقاً بالهوية الذاتية وحق الدفاع عن النفس، لأنّ هذا العقد يرتبط بمفاهيم النظام القائم على المرأة ومشروع تغيير الرجل، وأيديولوجية تحرير المرأة، والرئاسة المشتركة، وعلم المرأة. كل هذا يهدف إلى القضاء على عبودية المرأة، وتمكينها من المشاركة الحرّة والمتساوية في كل مجالات الحياة. أي أنّ هذا العقد هو ترسيخ وتوثيق نضال المرأة وحمايتها ضمن إطارٍ شامل.

صياغة العقد الخاص بالمرأة تتم من قبل المرأة، لأنّها من خلاله تحاول صياغة إجابات على سؤال هو محور وعمق نضالها واختيارها للعالم الذي ستعيش فيه بكل أبعاده من جانبها، وهو إعادة صياغة تاريخ المرأة لأنّ هذا العقد هو خريطة طريق الهدف منه تغيير القوانين التي لا تعترف بإرادة المرأة، كما أنّه يعمل على إنهاء ثقافة العنف والخنوع والعبودية وتطوير ثقافة التعاقد لجعل قيم المرأة مرنة من أجل حكم دولة أقل، وحرية أكثر، وسلام اجتماعي. أي أنّ العقد الاجتماعي للمرأة هو الإطار التعاقدي للحياة الحرّة، لأنه الوعي و الفهم لمبادئ الحياة التشاركية لمن يرغبن بالحرية.

من وجهة نظري؛ إنّ صياغة العقد الخاص بالمرأة هو خطوة عملية سياسية من ناحية، ومن ناحية أخرى هو في جوهره نص لثقافة مصالحة ديمقراطية قائمة على قيم المجتمع التحررية، وهو هدف ومطمح واسع لشرائح المجتمع، ولا يمكن تحديده بعقد محدد مسبقاً.

لنستطيع أن نحقق ما تمّ سرده للوصول لصياغة العقد الاجتماعي الخاص بالمرأة، أرى أنّه يتوجب علينا العودة لتاريخ المرأة وثورتها مقارنة بالحاضر ومناقشته وفهمه بطريقة شمولية، والعلاقة بين تاريخ المرأة وثورة المرأة والعقد الاجتماعي الخاص بها على أن تكون تلك العلاقة قد توصلنا لفهم مكانة العقد الاجتماعي في تاريخ المرأة والعقود الاجتماعية النسائية في التاريخ الاجتماعي، ومن ناحية أخرى أرى أنّ مكان ثقافة هذا العقد وأثره على الثورات النسائية عبر التاريخ يعقد مع المجتمع عقداً على أسس صحيحة، فهو عقد هادف و مبارك للمجتمع وإبداعاته. أي أنّ المرأة التي تهتم بصياغة العقد الاجتماعي الخاص بالمرأة في هذا القرن تعمل على إعادة كتابة تاريخ المرأة وثورة المرأة مع العمل التعاقدي.

تحرير الحياة هو انتصار لثورة المرأة وتغيير في ذهنية الرجل وحياته، وبذلك ستكون المرأة هي العنصر الأساس في الحياة والتي تمنع الحياة من أن تبقى سراباً دائماً، وطبعاً هذا يحتاج في البداية أن يكون هناك عقد للمرأة مع نفسها لتستطيع أن تحقق العقد مع المجتمع، وبهذا تكون ثقافة الأم هي المرأة الواعية لذاتها ومجتمعها، وهذا ليس بغريب عن المرأة، فهي من بنَت واكتشفت وطوّرت المجتمع لآلاف السنين، أي أنّها تمتلك وعياً ذاتياً استطاعت من خلاله حماية الأطفال والمجتمع أمام الظروف الطبيعية القاسية بإضافة الطابع الاجتماعي عليها. هذا لم يكن وليد الصدفة بل كانت تحاط بقوانين كانت بمثابة عقود حرّمت المحظورات و طوّرت ما يتلاءم مع المجتمع، أي أنّه ثقافة عقود نتاج طبيعة المرأة ووجودها واجتماعيتها التي كانت واعية ومستوعبة لها، لكن بانقلاب ثقافة الأم الآلهة أصبحت العقود والقوانين تتم في شخص الهيمنة والذّكورة وتأمين مكانته في المجتمع، متجاهلاً ومتناسياً حقوق المرأة، وبالتالي أصبحت المرأة ضحية المأسسة منذ ذلك التاريخ حتى اليوم.

لذلك؛ أرى أنّه إن أردنا صياغة وكتابة عقد اجتماعي يتواكب مع تطلعات المرأة في هذا القرن، وخاصة المرأة التي تعيش ثورة التاسع عشر من تموز، سيتوجب على العقل النسائي البحث عن بدايات العقد الاجتماعي للمرأة وجذوره التاريخية وتقاليده، وكيف تم ضربه لنتمكن من صياغة عقد اجتماعي سليم في هذا القرن. هذا بدوره يحتاج لمعرفة معنى وقوة عقل المرأة مع نفسها تاريخياً وضمن راهننا، والذي يتحقق من خلال التربية الأولى لأنّها من خلالها تتشكل الذات والوعي والعقد الذاتي لأنّ الحياة تعاش وفق هذا العقد، فالتحرر والثقة بالنفس باتخاذ القرار، والشعور بالعدالة، واحترام الحب وقيمه، هي من أهم المعايير الأخلاقية الأساسية والتي هي وليدة التربية الأولى، لأنّ تعاقدها مع المجتمع يعتمد على ثباتها وتعاقدها مع نفسها بحرية، وهذه هي القاعدة الأساسية لحرية المرأة في القرن الواحد والعشرين، هي ليست بمهمة سهلة بل هي مهمّة صعبة للغاية لأنّ المجتمع الحالي ما زال يجري للقضاء عليه كونه معرّض للحداثة الرأسمالية التي غيّرت كينونة المجتمع وباتت الطبيعة الاجتماعية تعاني من الفوضى الحالية.

لكن؛ إن حللنا و قرأنا نضال المرأة ضمن حركة التحرر الكردستانية، وفي ثورة التاسع عشر من تموز، وشعار المرأة – الحياة – الحرية، نرى أنّ المرأة تستطيع قيادة المجتمع في الاتجاه الصحيح لأنّها وإلى حدّ ما استطاعت أن تؤسس فردية متوازنة مع الاجتماعية بشكل متين، وبالتالي يمكنها إبرام عقد متين مع نفسها.  هنا أرى أنّ علينا العودة لنظرية القطيعة التي كانت من الأطروحات الرئيسية لحركة التحرر الكردستانية، والتي من خلالها تم اختبار قطيعة جذرية مع عبودية الأنثى وهيمنة الرجل، كما أنني أرى أنّنا أصبحنا ندرك أنّها صحيحة وضرورية للغاية، لأنّ هذه النظرية تجعلنا نتوصل لعقد اجتماعي يستند على ماذا وكيف ومتى ولماذا ننفصل أو نتحد، وهذا يعطي المرأة القوة والقدرة على اتخاذ القرارات والإرادة، وبالتالي لا يستطيع أي رجل أن يدمّرها أو يقتلها أو يأسرها أو يسلبها الإرادة.

من خلال قراءتي للتاريخ بشكلٍ عام وتاريخ المرأة بشكلٍ خاص؛ أرى أنّ كردستان والمنطقة والعالم بأجمعه بحاجة لبناء حياة جديدة مبنيّة على قيم الحرية والديمقراطية. فاستعادة المرأة لهويتها النسوية وبجوهرها النسوي يعيد للمجتمع هويته وقيمه، وهذا يحتاج لتجديد العقد الاجتماعي للمرأة وبريادتها وبمشاركة مع شرائح واسعة من المجتمع. هذا هو عقد المرأة مع المجتمع، عقد استعادة القيم وبناء السلام، عقد مصالحة الرجل مع الحياة والحياة مع المرأة، عقد للسعادة والحقائق الاجتماعية والحياة الحرّة التي لا حدود لها. التعاقد مع المجتمع على أساس الحرية هو نتاج نضال المرأة وإحياء ضمير المرأة والمجتمع ،وذلك لتحديد نوع العالم والبيئة والفلسفة والأخلاق والثقافة التي نريدها في جميع مجالات الحياة.

من هنا نكون قد غيّرنا الذكورة السائدة والمجتمع المتحيّز جنسياً، وبالتالي أوجدنا البدائل للدساتير الأبوية للأنظمة الذكورية وتحديث قانون الأمومة لتطوير قوانين المجتمع الديمقراطي الحر، لأنّ العقد الاجتماعي للمرأة هو تفعيل الأخلاق الاجتماعية والسياسية ضد القانون المتحيز ضد المرأة منذ أكثر من خمسة آلاف سنة. لهذا أرى أنّ هذا العقد هو إخراج المرأة من سجنها الاجتماعي الذي تعززه قوانين متحيّزة جنسيّاً وإعادتها لموقعها الريادي في الحياة.

إنّ ما نعيشه في سوريا ضمن ثورة 19 تموز مثالٌ واضحٌ على اتخاذنا للقرارات ومواجهة التحديات ومحاربة الإرهاب للدفاع عن النفس والمجتمع. في النهاية أستطيع القول بأنّ المرأة في شمال وشرق سوريا تعيش عهداً تنويرياً نسائياً سيكون الأساس في التنوير النسائي في الشرق الأوسط والعالم، لأنّ هذا العقد الاجتماعي للمرأة هو بمثابة بيان حرية المرأة في القرن الواحد والعشرين بالشراكة مع نساء العالم، حيث ستضع المرأة قوانينها الخاصّة من جديد كما في المجتمع الطبيعي، وتحرّر المنطقة التي أبرم فيها العقد، وحينها سيتحقق السلام الاجتماعي والمصالحة الاجتماعية التي تليق بالمرأة والمجتمع، وتليق بسوريا الوطن التي هي صدى التاريخ.

بنضالنا وإصرارنا وصياغة العقد الاجتماعي الخاص بنا كنساء، سنتغلّب على العقلية المهيمنة في الشرق الأوسط والعالم، وبتنشئتنا الاجتماعية البديلة، سنستطيع حماية هوية وحقوق المرأة في كافة المجالات بدءاً من صناعة القرار والتمثيل المتساوي بين الجنسين. بالتالي تحقيق النظام الكونفدرالي الديمقراطي للمرأة ككيان خاص بها سيجعلها تتمتع بإرادتها الحرّة في العائلة الديمقراطية المبنيّة على أساس الحياة التشاركية الحرّة.