الكومينات.. تنظيمٌ اجتماعي يقود المجتمعَ إلى حياةٍ أكثرَ ديمقراطيّة – هيئة النشر
الكومينات.. تنظيمٌ اجتماعي يقود المجتمعَ إلى حياةٍ أكثرَ ديمقراطيّة
هيئة النشر
شهدت الحياة البشرية منذ بداياتها تحوّلات كبيرة في أسلوب العيش والتنظيم الاجتماعي، خاصةً مع تطوّر الإنسان من مرحلة الصيد والتّنقل إلى الاستقرار والزراعة. في هذا السياق ظهرت الكومونات (والتي كانت تُعرف آنذاك بجماعة الكلان) كواحدةٍ من أولى أشكال التنظيم الاجتماعي في المجتمعات البشرية خاصّة خلال العصر النيوليتي.
العدد الخامس عشر لمجلتنا والذي حمل عنوان الحياة الكومينالية، يُسلّط الضوء على واحدةٍ من أقدم وأهم أشكال التنظيم الاجتماعي التي عرفها الإنسان ألا وهي الكومون. فالكومون مؤسسة جماعية تُبنى على المشاركة والتعاون والمسؤولية المشتركة بين أفراد المجتمع، وتقوم على فكرة أنّ الجماعة قادرة على إدارة شؤونها بنفسها دون حاجةٍ للسلطة.
نحن اليوم في ظلِّ ما يمرّ به العالم من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، بأمسّ الحاجة إلى بدائل حقيقية تُعيد للناس دورهم في صياغة حياتهم اليومية. من بين هذه البدائل يبرز مشروع الحياة الكومينالية الذي طرحه المفكر عبد الله أوجلان كنموذجٍ ديمقراطي تحرري يسعى إلى بناء مجتمعٍ قائمٍ على المشاركة والعدالة والتنوّع. القائد الأممي عبد الله أوجلان أكّد أنّ “فردَ الأمّةِ الديمقراطيةِ يَجِدُ حريتَه في كومونيةِ المجتمع، أي في العيشِ على شكلِ مجموعاتٍ صغيرةٍ أكثر فاعلية، وبقولٍ آخر فالكومونة أو المجموعةُ الحرّةُ والديمقراطيةُ هي المدرسةُ الأوليّةُ التي ينشَأُ فيها فردُ الأمةِ الديمقراطية. لذا؛ لا فردانية لِمَن لا كومونة له أو لا حياة كومونالية له”.
أبرز النماذج التاريخية التي تُجسّد مفهوم الحياة الكومينالية كانت كومونة باريس عام 1871، حيث قدّمت نموذجاً عملياً لحكمٍ شعبي ديمقراطي يعتمد على المشاركة المباشرة، وتفكيك السلطة المركزية لصالح تنظيماتٍ قاعدية يُديرها المواطنون من الأسفل إلى الأعلى. فيما تُعتبر مناطق شمال وشرق سوريا من أبرز النماذج المعاصرة، حيث بدأ الشعب منذ عام 2012 بتطبيق نموذج الحكم الذاتي الديمقراطي، المستند إلى مبادئ الحياة الكومينالية بمشاركة كافة المواطنين من مختلف الطوائف الدينية والقومية. أبرز ما ميّز هذا النموذج وجود كومينات خاصّة بالمرأة حيث سعت هذه التنظيمات إلى تمكين المرأة في كافة المجالات وحل جميع القضايا النسائية في المدن والقرى والنواحي.
هنا يُمكننا القول إنّ المرأة هي الركيزة الأساسية في بناء الكومين، تلعب دوراً قيادياً في وضع السياسات وإدارة اللّجان والمراقبة المجتمعية، وتُفتح أمامها المجالات لتكون فاعلة ومقرّرة في شؤون المجتمع، وذلك من خلال نظام الرئاسة المشتركة، وهو ما يعكسُ فلسفة المساواة الحقيقية في القيادة.
بقدر ما نعملُ على نشرِ الحياة الكوميناليّة، بقدر ما نفتحُ الطريق أمام مستقبلٍ يليق بالإنسان الحر. لذلك ندعو الجميع وفي مقدمتهم النساء إلى أخذ مكانهن الطبيعي في قيادة هذا المشروع الديمقراطي، لأنّه لا يُمكن بناء مجتمع حر دون تحرر المرأة ومشاركتها الفعّالة في كل جوانب الحياة.
