الكوميناليّة استراتيجيّة مثاليّة لمجتمعٍ ديمقراطيٍّ حر – ديلان عثمان
الكوميناليّة استراتيجيّة مثاليّة لمجتمعٍ ديمقراطيٍّ حر

“الحداثةُ الديمقراطيّة تقومُ على النهجِ الكومينالي الجماعي،
بينما تتوّج الرأسماليّة كوارثها بحقِّ البشريّة بالفكر الليبرالي،
لذلك نجدُ أنّ الكوموناليّة نابعةٌ من الجوهر الإنساني،
في حين تترك الليبراليّة الفرد في بوتقةِ الرأسماليّة والاستغلال”
ديلان عثمان
الكومينالية لا تُعتبر نظرية مستحدثة، بل هي أقدمُ نمط حياة اتبعتهُ مجتمعاتنا البشرية منذ بدء التكوّن البشري مروراً بالكومونات الزراعية في ميزوبوتاميا، إلى المجتمعات القروية في جبال زاغروس وطوروس، حيث بُنيت الحياة على أسس التكاتف والتلاؤم والروح الجماعية، واعتُبرت من المبادئ الأساسية لديمومة العيش. مع العلم أنّ منطقة ميزوبوتاميا هي منبع البشرية، إلا أنّ أوروبا أيضاً قد شهدت مثل هذه الأشكال من التنظيم الاجتماعي، فقد ظهرت الكومونات في العصور الوسطى كشكلٍ من أشكال المقاومة ضد السلطة الإقطاعية، واجتمع الأفراد في تنظيمات محلية جماعية لإدارة شؤونهم بعيداً عن المركزية وسلطاتها.
بغياب الأنظمة المركزية وشكل الدول القومية الحديثة والقديمة لم تعاصر مجتمعاتنا التفكك أو الأزمات المتراكمة في يومنا الراهن، كما لم تبرُز في التاريخ البشري ما قبل الحداثة والحضارة الدولتية حروبٌ ضروسة لهذا الحدّ المعاش في الوقت الحالي. أي أنّه بالإمكان البحث في بداية التاريخ عن المبادئ الاجتماعية والأخلاقية السياسية التي شكّلت اللبنة الأساسية لإدامة الحياة البشرية، وفي طليعة هذا البحث لا بدّ من البدء بدور المرأة في إدارة تلك المجتمعات، ووضعها الأسس الصحيحة للكومينالية الديمقراطية الأكثر تقدماً، وكيفية إبداعها في خلق المحيط الحامي لكوموناتها، وتوفير الحاجات الأساسية لها ليطلق على ذلك العصر ” العصر الأمومي”.
مع بروز الرجل السلطوي ونظامه المركزي تحت اسم “إله”، وتطوّر الدولة القومية الحديثة، وتغلغل الرأسمالية في مفاصل المجتمعات، تم تفكيك هذه البُنى الجماعية لصالح الفردانية والربح. مع ذلك فإنّ الأزمات الأيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي نعيشها اليوم تُثبت أنّ العودة إلى الكومينالية ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجوديّة.
الحداثة الرأسمالية توازت مع الحداثة الديمقراطية، وباتت كلٌّ منهما في صراعٍ مع الأخرى، ونُصنّف اليوم هذين النهجين بأنّهما صراعٌ ما بين المجتمع والدولة. في الحداثة الديمقراطية تتوّج الحياة بالنهج الاشتراكي القائم على النمط الكومينالي “الجماعي”، بينما تتوّج الرأسمالية كوارثها بحق البشرية بالفكر الليبرالي “الفرداني”، ولدى النّظر في واقعهما، نجد أنّ الكومونالية نابعة من الصميم الإنساني والشكل الراقي الأجمل والأنسب لحقيقة الإنسان ومجتمعه، بينما تستهدف الليبرالية الروح الجماعية “نحن” وتغذّي “الأنا”، تاركةً الفرد في بوتقة الرأسمالية والاستغلال بهدف الربح، وتقطعه عن جذوره الاجتماعية وتاريخه. الرأسمالية كنظامٍ اقتصادي وسياسي لا يمكنها أن تتعايش مع الكومينالية، لأنّ جوهر الرأسمالية يقوم على الملكية الخاصّة والتنافس وتراكم رأس المال، بينما الكومينالية تقوم على الملكية الجماعية والتشاركية والعدالة الاجتماعية، وهي التي ترى في الإنسان عضواً فاعلاً في مجتمعٍ حي له حقوق، وتضع على عاتقه المسؤوليات التي تخدم الجماعة وتصون حقوق الفرد وحرياته “الاشتراكية الديمقراطية”.
يعود سبب هذا الصراع الدائم ما بين الفردانية والجماعية إلى فكرة أنّ الكومينالية تهدد البنية الأساسية للرأسمالية وفكرها الليبرالي. لذا تظلُّ المرأة الجامعة للمجتمع ومبادئه الأساسية، والمجتمعات المحافظة على نظامها الاجتماعي الجماعي في تهديدٍ دائم، وقد تمّ القضاء على العديد من تلك المجتمعات في العديد من الجغرافيات. على سبيل المثال في الشرق الأوسط تم إضعاف التركيبات الاجتماعية التقليدية التي كانت تُسيّر عبر المجالس والعشائر لصالح الدولة المركزية، وفي أمريكا اللاتينية تمّ زجر المجتمعات الأصلية التي كانت تعيش وفق طرازٍ كومينالي لصالح شركات رأس مال متعددة الجنسيات، وحتى في أوروبا تمّ تجريد وتقسيم التعاونيات والمجتمعات الكومونالية لصالح السوق الحر، ذلك بغية تغذية الرأسمالية وشكل أجهزتها الفردانية التي لا ترى في الإنسان سوى مستهلك أو منتج.
لماذا هذا العدد؟
في إطار الدعوة التاريخية التي أطلقها المفكّر والقائد الأممي عبدالله أوجلان من أجل السلام والمجتمع الديمقراطي، نجد أنّ الحلول المنبثقة من تحليلاته بصدد الحرب والنظام العالمي والشرخ الكبير الناتج عن الصراع بين الجنسين، تُمثّل الحل الأنسب والأقرب إلى الحقيقة المجتمعيّة والمرأة بالتحديد. كونه يجد في الفرد الجماعي المترعرع في البيئة الاشتراكية الديمقراطية الأمل في النهوض بواقع الحرب إلى السلم والتكاتف المجتمعي الجوهري، بعيداً عن المصطلحات القومية والهويات المصطنعة من قبل الدولة القومية وأجهزة رأس المال، حيث يُطلعنا في مرافعاته على أنّ الكومين الحر لا بدّ أن يكون سياسياً، وأنّ الكومين السياسي الحر لا يمكن إلا إذا كان أخلاقياً، مؤكّداً على أنّ الكومين يُمثّل تلك المساحة التي تُمارس فيها هذه المسؤوليات الأخلاقية بشكلٍ فعّال، وهذا ما يُحوّل الكومين إلى الخلية الحية للاشتراكية الديمقراطية، وتُمارس من خلاله السياسة بوصفها حياة مشتركة بقرار من القاعدة لا من سلطة مفروضة من القمة إلى الأسفل.
نحتاجُ نحن النساء لمثل هذا النظام الذي لاقى نتائج عظيمة في تجربة الإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا، حيث ترى فيه المرأة مساحات واسعة وفرص كبيرة لتنظيم نفسها بنفسها، ويمنحها كامل الحرية في إقرار مصيرها وطريقة حياتها، عبر تعزيز قوانين المرأة ونظام كومينالي يضعها في مركز القرار والبناء المجتمعي، كما تمكّنت المرأة من خلاله أن تستعيد دورها التاريخي في إدارة مجتمعاتها واسترداد ما سُلب منها.
هذا العدد من مجلتنا يُقدم لقرائه تحليلات سياسية واجتماعية تاريخية عن النظام الكومينالي، ويُبرز الحاجة الماسّة إلى العودة إلى جوهر الإنسان وتاريخه الاجتماعي، لنجد سبيلاً إلى الخلاص من كارثة الحداثة الرأسمالية، ونُصغي إلى وجداننا الإنساني المتعلّق بجذوره رغم ما مررنا به من مراحل تطور.
كما سعينا مع كاتباتنا ورائدات المشروع الديمقراطي إلى إبراز دور المرأة في إحياء الثقافة الكومينالية، وبيان خطوات ترسيخ المفهوم الكومينالي على الواقع لا على هامش الكتابات والمقالات فقط، لأنهنّ واكبنَ مراحل بناء هذا النظام الديمقراطي في مناطق شمال وشرق سوريا وخضنَ مراحل تأسيس النظام الاجتماعي.
لذلك؛ يجب على كل امرأة أن تُدرك أنّ الثقافة الكومينالية نابعة من طابعها الأنثوي، وأنّ كلّ ميّزات هذه الثقافة متّخذة من صفات المرأة التي كانت آلهة كـ عشتار وأفروديت وتيامات، ومن المرأة السياسية كـ الشهيدة هيفا عربو وهفرين خلف وساكينه جانسز وغيرهن من اللواتي سعينَ إلى حياة نِديّة في إطار الأمة الديمقراطية وحرية المرأة، وإحياء ثقافتهن عبر ثقافة مجتمعاتهن. حيث تركنَ على عاتقنا نحن النساء مسؤوليات عديدة منها الحفاظ على النظام الكومينالي الذي صيغ بأيادي النساء وستُعاد صياغته بفكرهن وروحهن وقلمهن الواعي، وتوجيه المجتمعات إلى جوهرها ونظامها الأساسي والذي سينتج عنه إنهاء الكوارث الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية، أي بناء عالمٍ تسوده الديمقراطية والسلام.
