الوطنُ والوطنيّة من منظورٍ نسوي – ديلان عثمان

 

الوطنُ والوطنيّة من منظورٍ نسوي

“في الفلسفة الأوجلانية، الوطنيّة لا تكتملُ مضموناً دون تمكين المرأة،

فالوطنُ لا يُبنى بنصفِ شعب،

كما يَعتَبرُ أنّ المرأةَ الحرّة لا يُمكن أن تكون إلا وطنيّة”

ديلان عثمان

عندما نتساءل عن مفهوم الوطن تتعدد التعاريف، تعاريفٌ جغرافيّة وحدودٌ مصطنعة، وتعاريفٌ جوهريةٌ مرتبطةٌ بتاريخ الأقوام، تعاريفٌ كتبت بأيدي الرجال وتواريخ لم تكتب. لكن نحن النساء نُعرّف الوطن من أبعادٍ أخرى ومن منظورنا النسوي، نُعيد صياغة تلك التعاريف التي ربطت الوطن بحدودٍ ودولة، صياغة تضع المرأة أساساً لبناء ووجود الوطن لا على الهامش، فهي التي كانت مهمّشة ومنسيّة وغائبة في جميع التعاريف.

في هذا العدد نُعيد طرح سؤال:

كيف نُعيد صياغة تعريفٍ جديدٍ للوطنية بأنامل نسوية؟ كيف نعيد صياغة تعريف الوطن ومفهوم الوطنية في القرن الحادي والعشرين؟ يعرف الوطن في اللغة بمكان إقامة المواطن، في حين نعرّف نحن الوطن بالأم، الحضن، الأرض، الذاكرة، الثقافة. في العديد من البلدان سمّي الوطن “أمّا”، وتنتشر هذه التسمية في مجتمعات الشرق الأوسط عموماً. من خلال هذا العدد نسأل عن سبب التسمية ونحلل أبعادها ببحثنا عن “لماذا يُجسّدُ الوطن في صورة امرأة ” بينما يتم إقصاء المرأة من السرديات الرسمية؟ لماذا يُطلب من النساء أن يلدن الأوطان ويربين أبناءها، ثمّ يتم تهميشهن وطمس تضحياتهن من أجل وطنهن حين يكتب التاريخ؟. في الشرق الأوسط وتاريخ سوريا بالتحديد، رأينا هذا الشرخ والتناقض خاصةً في مراحل البناء الاجتماعي والمقاومات الشعبية و لدى ظهور قيادة نسوية.

في الميثولوجيا ارتبطت الأرض بالأنوثة، ففي الأساطير الإغريقية “غايا- آلهة الأرض البدائية” ، وفي الهلال الخصيب”عشتار- آلهة الخصوبة وغيرهن من الآلهات كـ” سيريس – إلهة الزراعة والخصوبة”. لدى النظر في واقع المرأة اليوم لم يختلف الأمر كثيراً رغم تغيّر أدوار المرأة بفعل الذكورة، فالمرأة أيضاً من منظورٍ فلسفي كأرضٍ تنجب وتزرع وتحصد وتحتضن وتبعث الحياة. لا سيّما دورها في حفظ الذاكرة الوطنية، ففي التاريخ  الشفهي، كانت الجدّات هنّ من ينقلن التاريخ من فمٍ إلى فم، ومن جيلٍ إلى جيل، وفي المواويل والأغاني الشعبية، وفي الأمثال والحكايات، عملت المرأة على زرع الوطن ومبادئ الوطنية في وعي المجتمع.

في الثورات؛ كانت المرأة في الصفوف الأولى، تُطَبب وتُنشئ، تُرضع الأمل بيد وتحمل السلاح بيدها الأخرة. لكن حين كُتب تاريخ وأحداث تلك الثورات، مُحي اسم المرأة واقتُصر على ذكرها و اختزالها في صورة “أم شهيد”  أو ” ضحية حرب” دون أن يُمنح لها حق الفاعلية في إقرار المصير. من هنا نستنتج بوضوح أنّ التاريخ الذكوري لا يحتمل امرأة تقود، امرأة منظّمة، واعية ومثقّفة، تخيط المستقبل بحسها الوطني. لذلك، وعبر تاريخ مجتمعات الشرق الأوسط استُقصيت المرأة من مشهد ما بعد الثورات، وتم إنتاج نظامٍ ذكوري متشدد باسم “الوطن”.

لقد تغيّرت المفاهيم الوطنية في كردستان وفي شمال وشرق سوريا، ويعود ذلك لبروز حركة الحرية الكردستانية بقيادة المفكّر والقائد الأممي عبدالله أوجلان. اتخذت المرأة الكردية ريادة هذه الحركة منذ طلوعها. من قلب هذه التغييرات، برز نضال المرأة الكردية كمثالٍ حيٍّ يجدل الهوية النسوية مع الهوية الوطنية. من المرأة المغوارة خاتون في قلعة دمدم، إلى المرأة الصنديدة ساكينة جانسيز التي حملت نضالها من جبال كردستان إلى شوارع باريس، إلى آلاف المناضلات اللواتي حملن السلاح والفكر في آن واحد وغيّرن وجهة التاريخ. ثارت المرأة الكردية بحملها للسلاح والتوجّه لساحات المقاومة ضدَّ محتلٍ غاصبٍ لأرضها، لكن نضالها لم يقتصر على الجبهات فقط بل كانت مثقّفة وكاتبة وحافظة للغة وللغناء وللهوية وحافظة للانتفاضات والملاحم. أمّا المرأة العربية فلم تكن أقل حضوراً، فمن صفيّة زغلول في مصر، إلى جميلة بوحيرد في الجزائر، إلى نوال السعداوي التي خاضت نضالات فكرية شرسة، إلى روجبين عرب القائدة في حركة المرأة التحررية في الجبال، وآلاف النساء اللواتي لم تُعرف أسماؤهن وربين أجيالاً على القيم الوطنية.

الدولة القومية استترت بغطاء “الوطنية”، واستخدمت مفهوم الوطنية كأداةٍ بيد السلطات لتكميم الأفواه وقمع الحريات وتبرير القمع. فما نجده اليوم في العديد من البلدان هو اختزالٌ للوطنية في الولاء للدولة القومية وبالمقابل تعمل السلطات على تجريم كل من يعارضها بغطاءٍ وطني. في ظلِّ هذه الأنظمة واجهت المرأة العديد من المعوقات في المطالبة بحقوقها، فقد اتُهمت بالخيانة لوطنها وتهديد الأمن القومي في العديد من الأحيان لمجرّد أنّها طالبت بالمساواة والعدالة وسن قوانين تضمن حمايتها وحقوقها. وهكذا، تمَّ قمع العديد من النساء باسم الوطنية في ظل الدولة القومية.

علينا كنساء أن نُعيد مساءلة مفهوم الانتماء من حيث نقف اليوم. على المرأة أينما كانت أن تُفرّق بين الانتماء الوطني والانتماء لدولةٍ قومية والذي يُفرض بالقوة اليوم بفعل القوى المهيمنة. فالانتماءُ لوطنٍ ما لا يعني الانتماء لدولة، كما أنّ الانتماء الوطني يُبنى على علاقةٍ روحيّة، انتماءٌ غيرُ مشروطٍ، مرتبطٌ بأصالة تاريخ الإنسان واعتزازه بثقافته ولغته وعاداته وتضحيته في سبيل صون كرامته التي هي من كرامة وطنه. يبقى الشعور الوطني شعوراً ثابتاً مهما اشتدت ظروف الاحتلال والقهر والطغيان، بينما علاقة الإنسان بالدولة لا تحملُ مشاعر الانتماء. فقد عملت الدولة القومية والرأسمالية على تحريف جوهر الوطنية لصالحها، وكأنّ الوطنية تعني الرضوخ لسلطة الدولة وسياساتها. إذا بحثنا في هذه العلاقة سنجد أنّ شكل نظام الدولة القومية هو نظامٌ سياسي سلطوي يجرّد الإنسان من حقوقه ويتصدّق بها متى ما لاقى ضغوطاً شعبية. وقد يتراجع شعور الفرد بانتمائه للدولة القومية فور غياب العدالة والقوانين الحامية لحقوقه الاجتماعية والسياسية. نحن النساء أيُّ انتماءٍ أقرب إلينا؟ أيّهما نابعٌ من جوهرنا ومشاعرنا المتجذّرة من حقيقة تاريخنا وهويتنا؟ غالباً سيكون الجواب المتَّفق عليه هو “الوطنية”، لأنّنا نملك تاريخاً عريقاً من التضحية في سبيل الوطن لا الدولة وتبعاتها.

في الفلسفة الأوجلانية؛ الوطنية لا تكتمل مضموناً دون تمكين المرأة، فالوطن لا يُبنى بنصف شعب، كما يعتبر أنّ المرأة الحرّة لا يُمكن أن تكون إلا وطنية. من منظور القائد الأممي عبدالله أوجلان حرية المرأة هي شرطٌ لتحرر المجتمع، ووطنية المرأة شرطٌ لحريتها وأولى سمات المرأة الحرة، حيث أقدم على توعية المناضلات في حركة حرية المرأة على الحس الوطني والنسوي في آنٍ معاً. كانت ثمرة فلسفته وفكره الحر أن ننعم نحن النساء في ثورة المرأة بنتاجٍ فكري هائل وإرثٍ ضخمٍ من النضال الدؤوب تتساوى كلتا كفتينا معاً عند البحث فيه عن النضال من أجل الهوية الوطنية والهوية النسوية.

كما الحال في السياق السوري؛ لا يُمكن فصل قضية المرأة السورية عن قضية الوطن والمسار الاجتماعي. السورية اليوم تقف وقفة عزٍّ رغم مآسي الحرب وما يمرُّ به الداخل السوري، وهي اليوم فاعلةٌ سياسيةٌ واجتماعية، قادرة على إعادة تعريف الوطنية من منظورٍ شاملٍ دون إقصاء أحد. ما تمرُّ به سوريا اليوم يفرض علينا أن نكون وطنيات أكثر من أي وقت مضى. كي نكون صانعاتٍ للتغيير ونقرر المصير يتوجب علينا التنظيم وإعادة النظر في ترتيب الأولويات المستعجلة لمستقبل المرأة السورية قبل كل شيء، وكلّنا ثقةٌ بأنّ قلبنا ينبض لوطننا في آنٍ معاً.