كليستان تارا.. زهرة الحقيقة التي لا تذبل – سامية الكردي

كليستان تارا.. زهرة الحقيقة التي لا تذبل

“رمزٌ للحريّة والشّجاعة

قدوةٌ لطلائعِ الإعلام الحر

سعتْ بقلمها وعدستها إلى توثيق الحقيقة وتقديمها لشعبها

ورغم كلِّ المخاطر أظهرتْ التزاماً لا يتزعزعُ بالعمل الصّحفي

إنّها الإعلامية الثّوريّة كليستان تارا

 

سامية الكردي

 

هناك أسماءٌ تولد لتعيش طويلاً بعد رحيل أصحابها، أسماءٌ لا يحجبها غبار النسيان ولا تبهت مع مرور الزمن، لأنّها ارتبطت بالصدق والنقاء والحرية. من بين هذه الأسماء يسطع اسم الشهيدة كليستان تارا التي لم تكن مجرّد صحفية أو إعلامية، بل كانت روحاً حرّة تحمل الكلمة كجذوة نارٍ، وتفتح دروباً من الضوء في عتمة الواقع.

ولدت الشهيدة كليستان تارا في الرابع والعشرين من كانون الثاني عام 1983 في مدينة إيله بشمال كردستان، وترعرعت في عائلة وطنية تؤمن بأنّ الدفاع عن الهوية والثقافة الكردية ليس خياراً، بل واجباً. منذ طفولتها الأولى كانت عيونها واسعة على العالم، لا ترى الأشياء بشكلها الخارجي فقط، بل تبحث عن معناها، وتقرأ تفاصيلها بوعي مبكّر يندر وجوده عند طفلةٍ في عمرها. كبرت كليستان وسط بيئة تعاني القمع والحرمان، وشهدت مع عائلتها مرارة الاعتقال والملاحقة، فكانت أختها في السجون التركية، وهو ما ترك في روحها ندوباً عميقة تحوّلت مع الوقت إلى شرارة إصرارٍ على مواصلة الطريق.

لم تكن مجرّد فتاةٍ عاديّة، بل كانت تحمل نظرة عميقة لا تشبه عمرها، وتحمل في شخصيتها مزيجاً من الطيبة والصلابة، من الحنان والإصرار، من الرقة والشجاعة. درست في مدارس مدينتها حتى وصلت إلى المرحلة الثانوية، لكن المدرسة لم تكن وحدها منبع معرفتها، فقد كان وعيها أعمق بكثير من حدود المناهج. كانت تقرأ كثيراً، تكتب خواطر بسيطة، تحب النقاشات مع الكبار وتطرح أسئلة لم يكن من السهل الإجابة عنها، تبحث في التاريخ وتفتّش في الحاضر، وكأنّها تعرف أنّ قدرها سيكون أكبر من حياةٍ تقليدية بسيطة.

رغم أنّ ظروفها حالت دون إتمام دراستها الثانوية، لكنّ مكتبتها الصغيرة كانت مزيجاً من كتب التاريخ والسياسة والفلسفة وقصص النساء اللواتي تحدين القيود. كانت تؤمن بأنّ الثقافة هي السلاح الأول في مواجهة الجهل والاستبداد. هذا الوعي المبكّر صقل شخصيتها، وحوّلها إلى فتاةٍ تعرف أنّ حياتها لن تكون عابرة.

منذ سنواتها الأولى انجذبت كليستان إلى قضايا الحرية والعدالة. لم تكن الكلمات الكبيرة تخيفها، بل كانت تتعامل معها كما لو أنّها مسؤوليات يومية. كانت تتأمل واقع النساء الكرديات، وكيف أنّ الكثيرات منهنَّ يُحكمن بسلاسل العادات والتقاليد، بينما أرادت هي أن تكسر هذه السلاسل. لم تكن فقط ضدّ القمع السياسي، بل أيضاً ضدّ القمع الاجتماعي والفكري. آمنت أنّ المرأة الحرّة قادرة على تغيير المجتمع بأكمله.

هذا الإيمان العميق جعلها تتجه مبكّراً نحو الإعلام. ففي عام 2000، خطت أولى خطواتها العملية في الصحافة والإعلام الحر. لم يكن اختيارها صدفةً، بل كان قراراً مدروساً، فقد أدركت أنّ الكلمة الحرّة والصورة الصادقة سلاحٌ أقوى من أيِّ شيءٍ آخر. أرادت أن تكون عيناً ترى الحقيقة، وصوتاً ينقل معاناة الناس وآمالهم.

بدأت من أبسط الأعمال كـ كتابة تقارير قصيرة، تغطية أحداث محليّة، ثم إعداد مواد إعلاميّة عن قضايا النساء. لم يكن الطريق سهلاً، فالمجتمع الذكوري كان ينظر بريبةٍ إلى امرأة تعمل في الميدان، والسلطات كانت تضيّق الخناق على الإعلام الحر، ومع ذلك لم تتراجع. كانت تقول دائماً لزميلاتها: الحقيقة أثمن من الخوف. بهذا الإيمان، واصلت طريقها وسط المخاطر. لم تكن تسعى وراء الشهرة أو المال، بل وراء هدفٍ أسمى ألا وهو أن يعرف الناس ما يحدث في بلادهم، وأن تخرج الحقيقة من بين الرّكام.

استمرّت مسيرة المناضلة كليستان الإعلامية أكثر من عقدين، تحوّلت خلالها من مراسلة شابّة إلى قامة إعلامية بارزة في الصحافة النسويّة. عملت بلا كلل في مختلف أجزاء كردستان، وفي العديد من المؤسسات الإعلامية، لكنّها وجدت ذاتها أكثر في الإعلام النسوي.

في أصعب مرحلةٍ من النضال انتقلت عام 2018 إلى روج آفا، وذلك من أجل تنظيم عمل المرأة وإنشاء مؤسساتها، وخاصةً من أجل فضائية Jin TV قدّمت كليستان تارا عملاً رائعاً وبذلت جهوداً كبيرة. انضمت إلى شركة جن للإنتاج، وكرّست جهودها لنقل قضايا النساء التي غالباً ما كانت تُقصى من المشهد الإعلامي.

لم تكن مجرّد صحفية تؤدّي وظيفة، بل كانت صاحبة رسالة، كل صورةٍ تلتقطها وكل تقريرٍ تعدّه و كل خبرٍ تكتبه كان يحمل جزءاً من قلبها وروحها. شاركتْ في تغطية أحداث تاريخية عصيبة منها هجمات داعش، النزوح الكبير من شنكال، والمجازر التي ارتكبت بحق المدنيين.

كانت الصحافة عندها التزاماً أخلاقياً أكثر من أنّها مهنة. كل خبرٍ كانت تعدّه كان يمرُّ عبر قلبها أولاً. لم يكن همّها أن تنقل الحدث كما هو فقط، بل أن تبحث عن إنسانية التفاصيل، وجوه الأطفال المذعورين، عيون الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، وأصوات النساء اللواتي يحاولن الصمود رغم الفقد.

كانت تمتلك أسلوباً مختلفاً في عملها، فهي لم تكن تركض خلف السبق الصحفي بقدر ما كانت تركض خلف الحقيقة، كانت تعتني بالتفاصيل الصغيرة، تبتسم وهي تستمع لقصص النساء، وتدمع حين تسمع عن مآسيهن، لكنها كانت تحوّل دموعها إلى كلمات قوية تفضح الظلم وتُعرّي الاستبداد. إلى جانب عملها الإعلامي، كانت قارئة تقرأ في السياسة، في التاريخ، في الفلسفة، وفي قضايا المرأة، وهذا ما جعلها محاورة لبقة وصاحبة فكر ثاقب.

وصفها كل من عرفها بأنّها مثقفة، واعية، متواضعة، وحنونة. كانت تمتلك حضوراً يجذب الناس إليها دون أن تتحدث كثيراً. عيناها كانتا تلمعان بالصدق، وكلماتها تصل مباشرة إلى القلب، لم تكن تتحدث عن الحرية فقط، بل كانت تجسّدها في أسلوب حياتها. عاشت ببساطة، لم تهتم بالمظاهر، كانت تعتبر أنّ قيمتها الحقيقية هي في عطائها، في صدقها، في حبها للناس.

واحدةٌ من أجمل بصمات الإعلامية كليستان أنّها لم تكن وحدها في هذه المسيرة، بل صنعت جيلاً من الإعلاميات الشابات. كثيراتٌ ممّن عملن معها يذكرن أنّها كانت مدرسة حقيقية. لم تكن تكتفي بتعليمهنَّ كيفية إعداد تقرير أو تصوير مشهد، بل كانت تزرع في قلوبهنَّ الثقة بقولها: أنتنَّ قادراتٌ على التغيير، أنتنَّ لستنَّ ضعيفات، الكاميرا بيدكنَّ أقوى من أي سلاح.

مسيرتها لم تكن خالية من العقبات، فقد كانت عرضة للتهديد الدائم، ومرّت بظروف صعبة على المستوى الشخصي والمهني. فالإعلام الحر في كردستان كان دائماً تحت الاستهداف (مكاتب أُغلقت، صحفيون اعتُقلوا، ومعدّات صودرت)، لكنّها لم تسمح لكلّ ذلك أن يوقفها، بل كانت ترى أنّ كل صعوبة تزيدها عزماً. في أحلك الأوقات كانت تبتسم وتقول لزميلاتها: إنْ لم ننقل الحقيقة نحن، فمن سيفعل؟

من أهم محطّات حياتها كان عملها في جنوب كردستان عام 2021، لم تذهب إلى هناك كصحفيّة عابرة بل تحوّلت إلى منظِّمة ومرشدة للنساء، حيث أقامت ورشات تدريبية للإعلاميات الشابات، وشرحت لهنَّ أسس الصحافة الحرّة، وأكّدت أنّ الحقيقة ليست مجرّد مهنةٍ بل رسالة. كما التقت بمجموعات نسوية مختلفة، وشجّعت النساء على أن يكنّ جزءاً من الحياة العامة، أن يكتبن قصصهن بأيديهن، وألا يتركن الآخرين يتحدثون نيابةً عنهن.

في لقاءاتها لم تكتفِ بالكلام، بل أعطت أمثلة من تجربتها الشخصية كيف واجهت القمع، كيف قاومت الخوف، وكيف استطاعت رغم كل الظروف أن تبقى واقفة. كانت كلماتها أشبه ببذور تُزرع في القلوب، ومع الوقت ظهرت ثمارها في نساء بدأن مشاريع إعلامية صغيرة، أو انخرطن في العمل المجتمعي، ووجدن في صوت كليستان حافزاً للاستمرار.

وراء كل هذه الإنجازات كانت كليستان إنسانة عذبة الروح تحب المزاح مع صديقاتها، تحرص على تفاصيل من حولها، وتبتسم حتى في أصعب اللحظات، كانت قادرة على منح الأمل حتى عندما يخيّم اليأس. كلماتها البسيطة كانت قادرةً على إحياء قلبٍ متعب، أو تشجيع صديقة خائفة.

كانت تؤمن أنّ التغيير يبدأ من داخل كل إنسان، وكانت تعتبر نفسها مسؤولة عن كلِّ كلمة تقولها، وعن كل صمت تختاره. لم تكن تعرف الكراهية، بل كانت مليئة بالحب، حتى تجاه من أساؤوا إليها وهذا ما جعلها رمزاً حقيقياً للإنسانية.

في الثالث والعشرين من آب عام 2024، وعندما كانت كليستان تارا تؤدّي واجبها الصحفي مع زميلتها هيرو بهاء الدين بالقرب من ناحية سيد صادق في محافظة السليمانية في جنوب كردستان، استهدفتهما طائرة مسيّرة تابعة لدولة الاحتلال التركي لتكتب النهاية المأساوية لحياة مليئة بالمعاني. استشهدت كليستان، لكنّها لم ترحل وحدها، فقد رحلت وهي تحمل الكاميرا والقلم، رحلت وهي تؤدي رسالتها، رحلت واقفةً شامخةً كما عاشت. خبر استشهادها كان صادماً لكلّ من عرفها. دموع صديقاتها لم تتوقف، وزميلاتها في الإعلام وصفنها بأنّها الأم الروحية التي علمتهن كيف يواجهن الحياة بلا خوف. لم تكن خسارة شخصية فقط، بل كانت خسارة للإعلام الحر، للمرأة الكردية، لكل من يؤمن بالحقيقة.

في تاريخ 29 آب عام 2024 نُقل جثمان المناضلة كليستان تارا من الطب الشرعي في السليمانية إلى مسقط رأسها في شمال كردستان. حيث استُقبلت وشُيّعت إلى مثواها الأخير في مدينة إيله بمراسم مهيبة وسط ترديد شعار “المرأة، الحياة، الحرية”، كما أُقيمت مراسم الأربعينية التي شارك فيها المئات من الصحفيين والإعلاميين والناشطين بمدينة السليمانية، وسط تأكيدات على متابعة مسيرتها النضالية.

بعد استشهادها مُنحت جائزة موسى عنتر للصحافة الحرّة لذكراها مع هيرو بهاء الدين، تكريماً لدورهما في نقل صوت الحرية، لكنّ أكبر تكريم لها ليس في الجوائز أو المراسم، بل في استمرارية تأثيرها. الصحفيات اللواتي عملن معها يؤكدن أنّ كليستان ما زالت حاضرة في كلماتهن، في صورهن، في خطواتهن. لقد علمتهنَّ أنّ الصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي أسلوب حياة، التزام بالحق، ووفاء للقيم.

اليوم؛ عندما يُذكر اسم كليستان تارا، لا يُذكر كاسمٍ عابر، بل كرمزٍ خالد. رمز للمرأة المثقفة الواعية التي قاومت الظلم، وقدّمت حياتها قرباناً لقضية آمنت بها حتى النهاية. كليستان لم تمت فهي ما زالت حيّة في ضمير كل صحفية تحمل الكاميرا بشجاعة، في قلب كل امرأة تبحث عن حريتها، في روح كل من يرفض الاستبداد، لقد تحوّلت إلى ذاكرة أبدية، إلى قصة تُروى للأجيال القادمة عن الصحفية التي لم تخفِ الحقيقة، ولم تخضع للخوف، وظلّت وفيّة حتى آخر لحظة.

كليستان لم ترحل…فكل كلمةٍ كتبتها صارت جناحاً يرفرف في سماء الحرية،

وكل صورةٍ التقطتها تحولت إلى ذاكرةٍ لا يطويها الغياب، وكل ضحكةٍ من ضحكاتها باقيةٌ في قلوب من أحبوها.

هي الآن حاضرةٌ في نسيم الصباح، في خطوات النساء اللواتي يمشين بثقةٍ أكبر وفي أصوات الصحفيات اللواتي يكملن الطريق من بعدها. ستظلُّ كليستان تارا زهرة الحقيقة التي لا تذبل، وحكايةً تُروى على مرّ السنين، ونجماً أبدياً يرشد كل من يبحث عن الحرية، لأنّها لم تعش لنفسها فقط، بل عاشت لشعبها، ولأنّها رحلت شاهدةً على أنّ الكلمة الحرّة أقوى من الموت.