المشهد السّوري بين التجاذبات الإقليميّة والدوليّة – نائبة ناطقة مجلس المرأة العام في حزب سوريا المستقبل أيتان فرهاد
المشهد السّوري بين التجاذبات الإقليميّة والدوليّة

“تُظهرُ قراءةُ المشهدِ السّياسي الراهن استمرارَ التجاذباتِ
والخلافاتِ الدوليّة والإقليميّة حولَ مستقبلِ سوريا،
في ظلِّ غيابِ توافقٍ حقيقي حولَ شكلِ النظام السياسي
لما بعدَ حكمِ نظامِ البعث”
أيتان فرهاد – نائبة ناطقة مجلس المرأة العام في حزب سوريا المستقبل
يُعاني النظام العالمي القائم على الحداثة الرأسمالية من أزمة هيكليّة تدفعه لاستخدام أدوات الهيمنة والصراعات القومية والطائفية، خاصّةً في الشّرق الأوسط. منذ السابع من أكتوبر 2023، تصاعدت التوترات الإقليمية، واستُهدفت حركات الإسلام السياسي، في ظلِّ تنسيقٍ أمريكي – إسرائيلي – خليجي لإعادة تشكيل المنطقة. الأزمات الممتدة من سوريا إلى أوكرانيا تُدار بحلول مجزأة، ما يُفاقم الفوضى ويمنع الوصول لحلول جذرية.
في سوريا؛ لا يمكن تحقيق استقرارٍ حقيقي دون تسوية ديمقراطية شاملة تعترف بتعدد القوميات والثقافات وتفكك البُنى الاستبدادية، وهو ما فشلت فيه مسارات جنيف وأستانا. لقد كان للمرأة السورية مشاركاتٌ فاعلة في النضال الوطني عبر التاريخ، حيث استطاعت المساهمة في بناء المجتمع السوري من جهة، والمشاركة في المواجهة والوقوف أمام الاحتلال و الاضطهاد من جهة أخرى. انخرطت المرأة في النضال داخل سوريا وخارجها ،وخاضت ببسالةٍ معارك الدفاع عن الحرية والأزمة السورية في مواقع وساحات جغرافية ونضالية مختلفة، وانطوت تحت لواء منظمات المقاومة، شاركت في النضال لتحرير وطنها، وسعت الى محاولة تحقيق تقرير المصير وبناء سوريا جديدة. من هنا الحل يقتضي الاعتراف بالاتحادية الديمقراطية كصيغةٍ للعيش المشترك، وهو ما تطرحهُ استراتيجية “الأمّة الديمقراطية” كبديلٍ لكلٍّ من الحداثة الرأسمالية والدولة القومية.
وسط تصاعد التوترات الدولية والحرب في أوكرانيا، تتزايد محاولات فرض وقائع إقليمية جديدة خاصةً من قبل إسرائيل، في ظلِّ غياب مشروعٍ عربي موحد. بالمقابل؛ يبرز “الخط الثالث” الذي تُمثّله الإدارة الذاتية الديمقراطية كنموذجٍ سياسي مرن يستند إلى إرادة الشعوب، وقد يُشكل أساساً لبناء سوريا جديدة قائمة على التعددية والعدالة. تُظهر قراءة المشهد السياسي الراهن استمرار التجاذبات والخلافات الدولية والإقليمية حول مستقبل سوريا، في ظلِّ غياب توافقٍ حقيقي حول شكل النظام السياسي لما بعد حكم نظام البعث الاستبدادي.
يبدو أنّ القوى المؤثّرة في الملف السوري لم تصل إلى صيغةٍ موحدةٍ بل اختلفت التوجهات حسب المصالح. بالنسبة لسوريا تُعتَبر من الدول المهمّة في المنطقة فهي ذات موقع استراتيجي يجعلها محور تنافسٍ دولي وإقليمي، وتركّز معظم القوى الفاعلة على التحكّم بمسار العملية السياسة كمدخلٍ لضمان النفوذ المستقبلي.
إنّ سلطة هيئة تحرير الشام اليوم أصبحت ترغب بالعودة إلى صف الدول العربية وخاصةً الخليجية، التي ابتعدت عنها بعد التدخّل التركي السافر في الشؤون السورية، حتى زيارة الجولاني إلى نيويورك لم تغيّر من الواقع شيئًا، فالأزمة في سوريا أزمةٌ داخلية أكثر من كونها خارجية.
يبدو بأنّ الولايات المتحدة الامريكية أخذت تعول على ثقلها السياسي والعسكري في الملف السوري، وهذا ما بدا واضحاً من التصريحات الأخيرة لدمشق المتمثّلة بوزير خارجيتها الشيباني فيما يخص شمال وشرق سوريا، والذي أظهر مرونةً في تصريحاته على غير العادة، وهذه التصريحات مناقضةٌ لتصريحات أنقرة، وهذا يدلُّ على تباعدٍ في وجهات النظر بين الطرفين.
الوضع الداخلي في سوريا غير مطمئن وقابل للانفجار، فالضغوطات الداخلية والخارجية قوية للغاية. ففي الجنوب السوري التوغلات الإسرائيلية تجاوزت التفاهمات بين الطرفين السوري الإسرائيلي، خاصةً بعد تصريحات تل أبيب حول نزع السلاح في الجنوب والممرات الإنسانية التي تصل السويداء، كذلك التحركات الإيرانية والميليشيات الشيعية العراقية بالقرب من الحدود السورية خطيرةٌ للغاية، والتي أصبحت مكثّفة مؤخّراً، كذلك النشاط المرتفع لمرتزقة داعش الإرهابية في المنطقة، التصعيد بين المرتزقة في إدلب وقوات سلطة هيئة تحرير الشام يزيد الوضع تأزماً، جميع هذه المؤشّرات تُنذر بأنّ الأشهر القادمة ستكون ساخنة على عكس التصريحات الإعلامية التي تحاول تعتيم الوضع القائم.
تسعى روسيا للعودة مجدداً للملف السوري خاصةً بعد زيارة الجولاني لموسكو، فمن جهتها تسعى دمشق لتطوير العلاقات مع موسكو بعد التردد الغربي للجولاني بسبب السياسات الخاطئة التي ترتكبها سلطته، وهذا ما ظهر جليّاً في تصريحات قادة الكرملين من دعم سلطة هيئة تحرير الشام في بسط سيطرتها على كافّة التراب السوري، ففي حال الوصول إلى تفاهماتٍ بين الطرفين بكل تأكيد ستشارك موسكو في دعم سلطة دمشق في حربها مع المرتزقة الإرهابية الأجنبية كـ الأوزبك والإيغور والشيشان، التي أصبحت حجر العثرة في تحقيق مطامح الجولاني. تسعى موسكو إلى إعادة سوريا إلى خارطة نفوذها التي بدأت بعد سقوط نظام الأسد والتقرّب من المعسكر الغربي.
يبدو أنّ دمشق ومن خلفها تركيا تعمل على تحريف اتفاق العاشر من آذار عن طريق الإغراءات بإعطاء بعض الحقائب الوزارية ضمن سلطتها. بينما أكّد وفد الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا على الحقائب السيادية مثل الدفاع والخارجية والاقتصاد ووزارة الإدارة المحلية التي تُعتبر من الوزارات المهمّة في هذه الفترة. بالإضافة إلى التمثيل العادل في مجلس الشعب الذي استثنى منه المحافظات الشرقية والسويداء في غيابٍ شبه تام لدور المرأة، وإدخال مواد تعديلية على الإعلان الدستوري الذي لم يُمثّل إرادة المكونات.
بعد كلِّ هذه التضحيات والمقاومات والعمل الذي قدّمته المرأة، نرى أنّ سلطة هيئة تحرير الشام ما زالت تفتقر إلى تمثيلٍ حقيقي وعادل للمرأة، كما لا يوجد دستورٌ يُنصفها أو ينصّ على حقوقها ويحميها ويعمل على تطبيقها. إنّ الغياب الكامل لحقوق المرأة ودورها في الوزارات والدستور السوري يُعدُّ استبعاداً مقصوداً لها عن الساحة السورية وعن المشاركة السياسية والحق في تقرير المصير، وهو ما يُعتبر انهداماً للعمود التنظيمي والاجتماعي للمجتمع. لا تزال المرأة تواجه مع سلطة هيئة تحرير الشام العديد من التحدّيات والأزمات التي تُعيق مسيرتها واستمرارية عملها في مختلف القطاعات، نتيجة للقوالب الفكرية المترسّخة في بنية المجتمع.
في القانون الدولي لا يمكن إحداث انتخابات تشريعية وإعلان دستوري، اذا لم تكن مُستمَدّة من إرادة الشعوب، بالتالي لا يمكن استثناء إحدى المناطق، ويجب إحداث هذه الانتخابات في أجواء أمنية ونزيهة، فمؤتمر الحوار والإعلان الدستوري والانتخابات التشريعية، أُعدّت على قياس سلطة هيئة تحرير الشام ، وركزت جميع السلطات والوزارات السيادية بيدها، وهمّشت وأقصت جميع الأطراف التي لم تشاركها ذات التوجّهات التي تنتهجها.
ركّزت مفاوضاتنا الأخيرة مع سلطة هيئة تحرير الشام على وقف إطلاق النار بين الطرفين خاصةً بعد الأحداث الأخيرة في الشيخ مقصود والأشرفية، أيضاً التوصّل إلى نتائج إيجابية فيما يخصُّ تطبيق اتفاق العاشر من آذار، وآليات دمج المؤسسات المدنية والعسكرية. ففي موضوع قوات سوريا الديمقراطية توصّلنا إلى دمج القوات ككتل وفيالق بغض النظر عن التسميات.
لا نبتعد بالجغرافية كثيراً وتحديداً في تركيا والتي أصبحت على مفترق الطرق، خاصةً بعد النداء التاريخي للقائد الأممي عبد الله أوجلان، والذي طرح مشروع سياسي لإدارة المناطق وبصلاحيات محليّة واسعة، وأي فشل في المفاوضات في تركيا سينعكس حتماً بشكلٍ سلبي على شمال وشرق سوريا. إنّ قبول تركيا بوضعها الجديد بعد النداء التاريخي الذي أطلقه المفكّر عبد الله أوجلان، سيُمهّد الطريق أمام دمشق لتقبل مبدأ اللامركزية في سوريا.
تحظى المفاوضات بين الإدارة الذاتية الديمقراطية وسلطة هيئة تحرير الشام بدعمٍ دولي واسع، في وقتٍ تعيش فيه دمشق واحدةً من أكثر مراحلها صعوبة، إذ تواجه عدداً من الإشكاليات المتراكمة، منها ملف المقاتلين الأجانب، تدهور واقع حقوق الإنسان، الضعف الاقتصادي، إضافةً إلى الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت وزاراتٍ سيادية داخل العاصمة.
الأهمُّ من كلِّ ذلك هو تراجع الدعم العربي لدمشق، وخاصّةً من السعودية والأردن، ما يُعزز الحاجة إلى توحيد الموقف بين جميع الأطراف السورية، وصياغة خطابٍ سياسي موحّد في وجه سلطة هيئة تحرير الشام التي تحتكر السلطة لنفسها، دون إشراك المرأة أو تمكينها من أداء دورها الحقيقي في المجتمع.
إنّ نساء سوريا اليوم يُمثّلن الوجه الأصدق للتحدّي، سواء في المدن المحاصرة بالأزمات أو في الساحات السياسية والمجتمع المدني. فهنّ يتركنَ بصمتهنَّ تارةً بصمودٍ صامت، وتارةً أخرى بصوتٍ مرتفعٍ يطالب بالحق. من بين هذه اللوحة الواسعة، تبدو المرأة السورية في موقعٍ شديد الخصوصيّة، موقعٍ يختصر تناقضات المجتمع السوري كلّه، لكنّها رغم ذلك تُحافظ على حضورها السياسي المتنامي، وتصرُّ على أن تكون طرفاً فاعلاً في الحوار لا مجرّد متلقٍ له.
إنّ تعزيز الحوار مع أكبر شريحةٍ ممكنة من المكونات السورية الأخرى من شأنه أن يُسهم في تقليص سلطة الدولة المركزية، ويفتح الطريق أمام إرادة المكونات المطالبة بالديمقراطية والمشاركة في بناء سوريا التعددية الجديدة. من ناحيةٍ أخرى، تُظهر التحركات الأخيرة من الاتفاق الأردني- الأمريكي- السوري حول السويداء، إلى المبادرات الداعية لعقد مؤتمرٍ دولي بشأن مخيّم الهول، أنّ هناك محاولة واضحة لسحب الورقة السورية من يد العرب. يأتي ذلك بالتزامن مع إعلان جمعية الأمم المتّحدة في عام 1977 نداءً يدعو جميع الدول إلى تخصيص هذا اليوم للاحتفال بحقوق المرأة والسلام الدولي، وفقاً للتقاليد والأعراف التاريخية الوطنية لكل دولة في العالم، وتقديراً لنضال المرأة وكفاحها في جميع أرجاء العالم، ولتوحيد أصوات النساء في الدفاع عن حقوقهن.
في الوقت نفسه، تُحاول سلطة هيئة تحرير الشام الاستفادة من حالة الفوضى الدولية الراهنة، عبر تقديم تنازلاتٍ شكليّة للحصول على شرعيةٍ خارجية، بينما تواصل نهجها الاستبدادي داخليًا، محاولةً فرض تسوياتٍ تُبقيها ممسكةً بزمام السلطة. المرحلة الراهنة تتطلب من الإدارة الذاتية الديمقراطية إدارة علاقاتها الدولية بشكلٍ متوازن، ولا سيَّما مع التحالف الدولي، والولايات المتحدة، وفرنسا، وتركيا، والعراق، بهدف تأمين تفاهماتٍ سياسية قد تُسهم في تحقيق تطلّعات المكونات السورية كافّة. كما أنّ شعبية سلطة هيئة تحرير الشام أخذت بالتراجع بعد الأحداث الأخيرة في سوريا، في ظلّ تزايد النظرة إلى شمال وشرق سوريا بوصفها العامل الديمقراطي الوحيد المتبقّي في البلاد.
في ظلّ استمرار التوترات، تبقى سوريا مركز هذا الصراع، فالتوازنات التي ستُحسم فيها ستنعكس على مستقبل المنطقة بأكملها. إنّ ترسيخ مشروع الأمّة الديمقراطية في سوريا لن يكون إنجازًا للكُرد فحسب، بل سيكون حافزاً لجميع شعوب المنطقة للتحرر من الهيمنة والتبعية، في ظلّ تجربة المرأة التي أثبتت حضورها الريادي في مختلف المجالات. تجربة المرأة هنا ليست مجرّد سردٍ للإنجازات، بل هي شهادةٌ حيّة على أنّ الإرادة والتحدّي قادران على تحويل المعاناة إلى قوة تغيير. فالنساء في شمال وشرق سوريا يُبرهنّ أنّ الطريق نحو السلام الحقيقي والديمقراطية يبدأ بتمكين المرأة، وأنّ القوة الحقيقية لا تأتي من السلطة، بل من القدرة على المشاركة الفاعلة في المجتمع وصناعة المستقبل، وبناء شرق أوسطٍ جديدٍ يقوم على المصير المشترك.
إنّ نساء شمال وشرق سوريا شعلةٌ من النضال والكفاح في مسيرة النضال النسوي، حيث لعبنَ دوراً بارزاً في تحقيق الحياة التشاركية الحرّة، وبناء مجتمعٍ ديمقراطي يعتمد على الحياة النِديّة الحرّة، على درب النضال من أجل التحرر والانعتاق من الاحتلال والتبعية والاضطهاد، وتحقيق المساواة الكاملة. الخيار الديمقراطي الحقيقي أصبح اليوم في متناول اليد، شرط أن تمتلك القوى صاحبة المصلحة القدرة والإرادة لفرضه على طاولة الواقع.
