أضواءٌ خادعة – الكاتبة: ماريا عجيلي

أضواءٌ خادعة

 

ماريا عجيلي

الشمسُ ترتفعُ في الأفقِ البعيدِ، تفرش أشعّتها فتخلق درباً مضيئاً لها ينتشرُ ليبدد الظلام، وأنا استعدُ لأنطلقَ في رحلةٍ أجدها ضرورية وواجبة لزيارة المقبرة. فمن عادة الناس وفي مأثوراتنا أنّ الأمواتَ يفضلونَ زيارتهم عندَ طلوعِ الشمسِ وكأنّهم يفتتحونَ يوماً جديداً، لذلك طلبتُ من سائق سيارةِ الأجرةِ أن يزيدَ من سرعتِها لأصل في وقتٍ مناسب.

بعد وقتٍ استطعتُ الوصول إلى أسوار مقبرةِ حطينَ التي أقصدها، عندما خطَّت قدماي مدخل المقبرة اتسعتْ عينايِ دهشةً، فالقبورُ ليست القبور التي أعرفها، كانت مبعثرةً كالفراشِ المبثوثِ، لم تسلم حتى المقبرة من عبثِ فقهاء الظلامِ الذين أرادوا أن تكون المقبرة على قياس فتاواهم فدمروا الشواهد، وساووا القبور بالأرض، فضاعت الأسماء والأمكنة في فوضى عارمة. استعنتُ بذاكرتي المتعبةِ، أبحث ُعن قبرِ أمي، أحاول أن أتذكّر مكان الشاهدة والمئذنة الخضراءَ التي كانت نقطة علامٍ لي للدلالة على قبر أمي. أمشي بخطٍ شبهَ مستقيمٍ، أتجنبُ القبورُ وأسير بينها وكأنني أخشى أن يستيقظ  النيام، فتستقبلني تلكَ الشاهدةُ الرخاميةُ الباردةُ والمنقوشُ عليها اسمُها بخطٍ جميل، وأعانقها وأمطرها بالقُبل وكأنّها جزءٌ منها.

تعثرتُ بحجارةٍ أدمت قدميَّ، قرصُ الشمسِ يمضي في رحلته اليومية بأضوائه واشتعاله فألهبَ رأسي، جلستُ في مكانٍ شُبِّهَ لي أنّه قبرٌ، ربما هو قبرُ أمي وربما هو لأمٍ تنتظرُ زيارة من هاجروا.

وضعتُ فنجاناً وركوةَ قهوةٍ لم يبقَ منها إلا القليلُ، كانت تلك وصية أمي التي التزمتُ بها لسنين خلت وهي أن احتسي القهوة في كلِّ زيارةِ لقبرِها، آنذاك لم استغربْ تلكَ الوصيّةَ منها فالقهوةُ عشقُها الأبدي.

– أمي يا نبع الحنان اعتذرُ منكِ لقد تأخرت في زيارتكِ، كان لزاماً عليَّ أن أفي بنذري، لقد طفتُ في المدينةِ طفتُ وطفتُ حتى أنني نسيتُ عدَّ الأشواط، أشعلتُ البخورَ، وأسرجتُ لها الشموع، وعلى أدراجِ كنائسِها رتلتُ تراتيلَ الياسمين كراهبة تبكي صليبَها المكسورِ، وتنعي صمتَ النواقيسِ، تعلّقتُ بأستارِها راجيةً العفوَ والمغفرةَ منها. أنا الآثمةُ التي ارتكبتْ خطيئَتها الكبرى حين هربتُ وخلفتُها وحيدةً تواجهُ مصيرها الأسود.

 آه يا أمي أنتِ لم تشهدي وسائلَ التواصلِ الاجتماعي، لقد أصبحَ العالمُ قريةً صغيرةً، هناك وسيلةٌ اسمُها الفيسبوك قرأتُ فيه فتوىَ تقول:

لا يجوزُ دفن الأنثى المسلمة في مقابرَ مع الرجالِ المسلمينَ، لأنّه عندما يُسدلُ الظلامُ أستارُهُ يقوم الرجال الموتى باغتصاب النساء الميتات، لا أذكرُ اسمَ من افتى، وأحمدُ الله أنكِ مدفونةٌ بجانب أبيكِ وأخوتكِ، على الأقلِّ هم يحمونك من أبي وأنت تعرفين أنّه لا يؤتمن عليك، ففي حياتهِ كان زير النساء لا تسلم منه واحدة.

أمي لا تُدهشكِ الفتوى فكيف للرميمِ أن يغتصبَ الرميم، وأيّ جنونٍ في هذهِ الفتوى؟!

مثلكِ أنا لا أملكُ الإجابةَ ولا أريدُ أن أعرفَها.

في تغريبتي القسريّة والتي طالتْ لسنواتٍ، أدمنتُ طقساً في كلِّ صباحٍ، أقفُ باتجاهِ الشرقِ وآخذُ أنفاساً طويلةً عميقة أحبسُها في رئتيَّ، علّها تدخل صدري نسمات هاربةً من الفرات في مدينتي التي غابتْ في ظلامٍ حالكٍ منذ أن اغتصبتْها خفافيشُ الظلام، مدعيّنِ أنّهم يحملُون النورَ وما كانوا يحملُون إلا أضواء خادعة.

ذات طقسٍ رنَّ هاتفي المحمول الذي لا يفارقني لأنّه ملجئي، قطعتُ الرنين لأجدَ تسجيلاً صوتياً وآخر مرئياً، ولم يكن من عادة صديقي الدكتور نبيل أن يكونَ ملحّاً فانتابني القلقُ وحدثتُ نفسي: بالتأكيد هناك أمرٌ جللٌ دعاه إلى هذا الإلحاح، وبضغطةٍ من إصبعي وصل إلى أذني صوتهُ المختنق:

– هل أنتِ بخير، لن تكوني بخير بعد أن تري التسجيل المرئي، ولا تتفاجئي لقد امتلكنا سوق نخاسةٍ تباعُ وتشرى فيه الحرائرُ على أنّهن سبايا.

وبضغطةٍ أخرى فتحتُ التسجيلَ المرئيَّ.

كنَّ يقفنَ صفّاً واحداً، نساءٌ متوسطات العمر، وصبايا في رَيعانِ الشبابِ، أعينهُنَّ جامداتٌ لا حياةَ فيها وكأنهنَّ صنعنَ من شمعٍ، بينهن طفلةٌ أعتقدُ أنّها في حدودِ الاثني عشر ربيعاً، كانت تتشبث بإصرار بإحداهنَ ربّما هي أمُها فقد كانتْ ملتصقةً بها تكاد أن تخترقَ جسدَها لتعودَ إلى عالمِ الرحمِ الآمنِ.

-أمي للمرة الأولى أرى نخاساً حقيقياً، كان أعورَ كفتاواهم، شفتهُ مشقوقة كشفة أرنب، أفطسُ الأنفِ، وصوتهُ أخن يخرجُ من فمهِ كشخيرِ ضبعٍ  منادياً:

– سبايا أيزيديات للبيع، من فراشِكَ تقرَّبْ إلى الله أيّها المجاهدُ.

– سبايا أيزيديات للبيع، من فراِشكَ تقرَّبْ إلى الله أيّها المجاهدُ.

رجالٌ ملتحون، يرطنونَ بلهجاتٍ عربيةٍ مختلفةٍ وبلغاتٍ أخرى ليست من لغةِ المكان، أحدهُم كانَ كبيرَ الرأسِ، كثيفَ الشعرِ، كثَّ اللحيةِ طويلهَا، يرطبُ شفتيهِ بلسانٍ كلسان أفعى تترصدُ فريسَتَها، تكادُ عيناهُ تخرجان من محجريهما، يتلمسُ صدرَهُ، كتفيهِ، فخذيهِ، حتى سروالهُ الذهبيَّ وكأنهُ يوقظُ شياطينهُ من سباتها الملعون ويؤججُ نارَ الخطيئةِ في أتونهِ، كان يزايدُ، ويزايدُ حتى وصلَ بهِ المزادُ إلى مائةٍ وخمسينَ دولاراً.

صرخَ النخاسُ منهياً المزاد:

ألا أونا .. ألا دوي ، ألا تري.

رسا المزادُ عليه، فقفزَ من مكانهِ لعابهُ يتراقصُ على حافةِ شفتيهِ، أمسكَ بيدِ الطفلةِ، جرّها بعنفٍ بل اقتلعَها، مدّتْ يدها مستغيثةً نحوَ المرأةِ كأنّها تطلب النجدة تارةً، وتارةً أخرى تحاولُ أن تنزعَ يدهُ عن يدِها، صَرَختْ وصَرَخنَ وأنا صرختُ معهنَ.

حملها بكلتا يديه وسطَ ضحكاتِ وتغامزِ الصحابةِ، هرعَ بها نحوَ سيارتهِ التي لا بدّ أنّها مسروقةِ كما طفولتِها، كما لحمِها الغضِّ الطريِّ الطاهر، التصقَ وجهُها بالزجاجِ الباردِ وكأنّها تريدُ اختراقهُ نحو الخلاص والحرية. انتهى التسجيلُ عندَ هذه اللحظةِ، داهمني غضبٌ عارمٌ وكأنّ بسبيِهن سُبيتْ كلَّ نساءِ الأرضِ حتى مريم المقدّسة وحواء أمّ البشرِ.

أمي مرورُ الأيامِّ وكثرةُ الأحداثِ المتواترة والعنيفةِ التي عشتُها وعاشتْها مدينتي لم تمنعْ عن ذاكرتي صورةَ الطفلةِ التي لطالما كانتْ حاضرةً في ذهني، وقد شاءَ القدرُ أن أراها مرةٌ أخرى. كنتُ أتسكعُ في شوارعِ الفيسبوك، فوقفتُ عندَ أحدِ الحوانيتِ كان تسجيلاً مرئياً لها، أقسمُ لكِ كانت هي ذات الطفلةِ، لقد كَبرتْ وكأنّ عمَرها ألفُ عامٍ، تخلّتْ عنها براءتُها وحطَّ محلَّها ألمٌ بحجمِ الكونِ أو أكبَر. أمي هو كان ببزتهِ البرتقاليةِ، ذليلاً، مطأطأ الرأسِ، مُهاناً، مكبلَّ اليدين والقدمين كما القيود التي كان يضعها في قدميها الصغيرتين خشيةَ هروبها في غيابه، انحنتْ عليه تبحثُ في عينيه عن بقايا إنسانً كانت تلومُهُ وتقرِّعه بل تحاكمهُ قائلةً لهُ:

-أتذكر تلك الليلةَ عندما صعدتَ بي إلى شقتِك، لم يوقظ فيك صراخي اللاعج الإنسان الأب أو الأخ، جررتني إلى غرفتِك الخاليةِ إلا من فراش، أمسكتَ بي، مزقتَ ثيابي، تلمّستني، جررتني إلى صدركِ الموحِش، شممتني، ارتشفتَ عطر طفولتي، صراخي لم يوقظ فيك الإنسانَ ووسط كلماتي المتلعثمة صببتَ فيَّ كلَّ دودِ الأرضِ الأصفر.

لم أنسى عندما سَحلتُ جسدي وقبعتُ في زاويةِ الغرفةِ أرتجف، أنظرُ إلى الدماءِ التي تسيلُ على فخذيَّ وأنصتُ إلى شخيركَ الذي صمَّ آذانَ الكون. تخيّلْ أنني ابنتُك، لكنني أعرفُ أنكَ لن تستطيع أن تراني ابنَتك أتعرفُ لماذا؟ لأنّكَ مخلوقٌ لا يعرف كنههُ إلا الشيطان. لا تعتقد أنّكَ انتصرتَ ولن أجعلكَ تشعرُ بزهوِ الانتصارِ، سأمحوك من ذاكرتي.

– منذ ذلك اليوم فارقني الحزن فكففتُ عن البكاءِ عليكِ فأنتِ بخيرٍ لأنكِ عندَ ربك حيثُ السلام والمحبة.

أمّا أنا فلستُ بخير، كيفَ أكونُ بخيرٍ ومدينتي يزني ويدنس روحها التاريخُ؟

كيفَ أكونُ بخير وهم قتلوا البراءة وسرقوا عطر الورد؟

سأرحلُ عنكِ الآن وأحملكِ في قلبي تميمةً لأغرقَ مع الآخرين في وحلِ المدينةِ، وأرافقَ الحزانى لنرثيَ سبيَّ الحمام، آه لو تُركَ الحمام لغفا ونام.